string(2) "ar"
string(2) "ar" -array(0) { }

حراك "أرفض، شعبك بيحميك" لمناهضة كافة أشكال القمع

يحاول الحراك تسليط الضوء على الرواية التاريخية المغيّبة والتي بموجبها كان الدروز من أوائل من حاربوا الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية ما قبل الـ48، بعكس ما تقوم الدولة الصهيونية الترويج له من خلال ما يسمى “بحلف الدم” المزعم بين الدروز واليهود
هديّة كيّوف

“حراك نسوي وشامل”

انطلق حراك “أرفض، شعبك بيحميك”، في أواخر شهر آذار 2014، واضعًا نصب عينيه اسقاط التجنيد الاجباري المفروض على الشبان الدروز في الداخل الفلسطيني. حراك “أرفض، شعبك بيحميك” هو حراك شبابي، غير حزبي، غير محصور في إطار طائفي، يضم شابات وشباب من مختلف المناطق والمذاهب، ويرتكز على قيم إنسانية، وعلى تثبيت الهوية العربية الفلسطينية.

حراك “أرفض، شعبك بيحميك” يعمل على إعادة بناء وتشكيل الهوية لدى الشبان العرب الدروز، وشريحة الدروز عامة، وإعادة اللحمة بين أبناء الشعب الواحد، بعد تغييب وشرخ دام سنوات عدة، قبل فرض التجنيد الإجباري على الشبان العرب الدروز وبعده.

من أهمّ انجازات الحراك هو بناء شبكة دعم للشبان العرب الدروز الرافضين او الممتنعين عن اداء الخدمة العسكرية، كما ويشمل الحراك على محامين ومحاميات، اخصائيين\ات نفسيين\ات، ومتطوعين ومتطوعات، هدفهم توحيد الجهود لمرافقة الشبان نحو الحصول على الاعفاء من المؤسسة العسكرية. استطاع الحراك، وفي هذه الفترة القصيرة من الزمن مرافقة اكثر من 60 شاب درزي، 7 منهم رافضين علنيين.

بالاضافة الى ذلك، قام الحراك بتنظيم العديد من الورشات والندوات، داخل فلسطين وخارجها، واشترك مندوبون ومندوبات عن الحراك في العديد من المؤتمرات حول العالم، ومؤخرًا في بيروت لبنان، ليسمع صوت صرخة الرافضين عاليا. هؤلاء الرافضون الأبطال الذين يدفعون أثمانًا باهظة لتمسكهم بهويتهم العربية الفلسطينية، ولتحدي المؤسسة العسكرية، والتي تعتبر ذراع أساسي من أذرعة الفكر الصهيوني الذي لطالما حاول فصل الدروز عن باقي أبناء شعبهم العربي الفلسطيني بهدف زعزته وإضعافه.

يحاول الحراك تسليط الضوء على الرواية التاريخية المغيّبة والتي بموجبها كان الدروز من أوائل من حاربوا الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية ما قبل الـ48، بعكس ما تحاول الدولة الصهيونية ترويجه من خلال ما يسمى “بحلف الدم” المزعم بين الدروز واليهود

ما يميّز حراك “أرفض، شعبك بيحميك” عن غيره هو كونه حراك نسويّ من الدرجة الأولى، حيث أن للنساء دور قيادي في الحراك، بالاضافة الى كونهن جزء لا يتجزأ من أصحاب القرار. ليس هذا فحسب، بل ان نسويّة الحراك تتجلّى من خلال الموقف الواضح والفعل المناهض لكافة أشكال القهر والاستبداد والظلم، ليس فقط قمع المستعمِر للمستعمَر، بل نطلق صرختنا ايضا ضد القمع الذكوري والتمييز العنصري.

أمر آخر يتميّز فيه الحراك هو شمولية رؤيته. حراك “أرفض، شعبك بيحميك” يرفض محاولات تجزئة الشعب الفلسطيني، سواء من خلال التجزئة الطائفيّة أو الجغرافيّة، ولربما يمكننا القول أن تجربة الدروز القاسية هي بمثابة المحفز الأول  لتشديدنا على هذه النقطة. يرفض حراك “أرفض، شعبك بيحميك” كافة أشكال التجنيد لجميع أبناء شعبنا الفلسطيني، بما في ذلك ما يسمى بالخدمة المدنية وأيضا الخدمة الطوعية، ويدعو دائما إلى محاربة الطائفية وإلى الترفّع عن الاختلافات. ففي نهاية المطاف لجميعنا عدو واحد وهو الفكر الصهيوني الاستعماري، وهدف واحد وهو تحرير شعبنا القابع تحت الاستعمار.

لا ينسى الحراك ان تحرير شعبنا من الاستعمار يشمل ايضا تحرير مجتمعنا من العادات والتقاليد البالية. تقع على كاهلنا مسؤولية بناء مجتمع عادل ديموقراطيّ، يوفر فرصًا متساوية لجميع أفراده لتحقيق أنفسهم وللسعي وراء أحلامهم. علينا أن نغرس في الاجيال الجديدة قيم المساواة والعدالة، لا سيّما احترام حقوق الانسان وتقبّل الاخر المختلف، كما والقدرة على نقد الذات البنّاء حيال مفاهيمنا الاجتماعية.

“خائن في مجتمعي وخائن في مجتمعهم”

يحاول الحراك تسليط الضوء على الرواية التاريخية المغيّبة والتي بموجبها كان الدروز من أوائل من حاربوا الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية ما قبل الـ48، بعكس ما تحاول الدولة الصهيونية ترويجه من خلال ما يسمى “بحلف الدم” المزعم بين الدروز واليهود. كما ويسعى الحراك الى رفع الوعي بخصوص الأساليب والطرق التي استخدمتها الدولة الصهيونية لتغييب وتهميش هذه الرواية، لصالح التذويت في عقول الدروز هوية منفصلة عن باقي العرب الفلسطينيين. نذكر منها فرض التجنيد الاجباري سنة 1956 والذي فُرض بقوة الساعد وليس بطلب من القيادة الروحية الدرزية، حيث انه وبالتزامن قامت الدولة بمصادرة اكثر من 65% من أراضي الدروز، الذين اعتمدوا الزراعة كمصدر رزق اساسي، بحيث جعلت منهم فرقة مرتزقة. كما قامت ايضا بفصل المناهج التدريسية الدرزية دون الاخرى في أواخر السبعينات، ثم أشربتها بمواد مختلفة، بهدف غسل دماغ الأجيال القادمة.

كانت قد تكللت بعض جهود الدولة الصهيونية في فصل الدروز عن باقي أبناء شعبهم، بالنجاح. اذ انه لم تكتف الدولة الصهيونية فقط بخلق هوية “درزية اسرائيلية” مشوّهة منفصلة عن باقي العرب الفلسطينيين، بل راحت تستغل الدروز لتأجيج الطائفية والكراهية بين أبناء الشعب الواحد من خلال موضعتهم وتثبيتهم في نقاط الاحتكاك: الجندي على الحاجز، المحقق في الشرطة، وقاتل أبناء شعبه في الصفوف الاولى في الحروبات.

بالتالي، كثيرا ما يجد نفسه الشاب الدرزي- ذلك الذي استطاع الصمود امام محاولات تشويه الهويّة- في موضع الخائن من كافة الجهات. اولا، وفي الدولة الصهيونية، هو عربيّ، أي يُميّز ضده على أساس عنصري. ثانيا، يتعرّض هذا الشخص للمضايقات داخل مجتمعه من قبل مؤيدي الدولة الصهيونية. وثالثا، يعتبره الفلسطينيّ خائنًا لإعتقاده ان الدروز يتجندون للجيش بارادتهم الحرة. لذلك، يكرّس حراك “أرفض، شعبك بيحميك” جهودا لكسر صورة الدرزي النمطية بعيون باقي أبناء شعبه الفلسطيني، وذلك من خلال طرح سرد تاريخي وقراءة واقع بديلة عن تلك التي تحاول الصهيونية الترويج لها.

جبل الرّافضين، امام السجن العسكري 6، عتليت
جبل الرّافضين، امام السجن العسكري 6، عتليت

“بيحطوا علي نقطة سودا”

عملية رفض التجنيد هي ليست بالعملية السهلة ابدا. حيث يواجه الرافض او الممتنع صعوبات كثيرة الى جانب الصعوبة في التعامل مع المؤسسة العسكريّة لكونها مؤسسة بيروقراطية، ومواجهة امكانية الدخول إلى السجن. الحاجز الذهني هو بمثابة احدى الامثلة لهذه الصعوبات. يولد الشاب الدرزي في بيئة صهيونية تهلّل للخدمة العسكرية وتطرحها كمحطة لا بد منها في المسار الحياتيّ. بالاضافة لذلك، هنالك الكثير من الأقاويل والاشاعات حول كل ما يتعلق برفض الخدمة العسكرية والامتناع عنها. يقولون ان الشاب رافض الخدمة العسكرية سيلقى صعوبة في إيجاد فرص عمل، كما والقبول للتعليم الاكاديمي، حتى في حصوله على رخصة قيادة او قرض اسكان. غير انه وفي الحقيقة، كل هذه المقولات لا تمت للواقع بصلة. اذ ان هدفها ترهيب الشاب الذي ينوي رفض الخدمة العسكرية من خلال اقناعه أنه اذا لا يقوم بالخدمة العسكرية فسوف يدمر حياته ومستقبله. وهنا يجدر التشديد على أن الشاب الدرزي العربي سوف يواجه التمييز العنصري في شتى المجالات فقط لكونه عربي، وهذا لا علاقة له في الامتناع عن اداء الخدمة العسكرية.

يشكل “الضغط الاجتماعي” وسيلة ضغط أخرى لاجبار الشاب العدول عن قراره بالامتناع عن اداء الخدمة العسكرية. كما سبق وذكرت، يواجه الشاب الرافض وابلا من التحريضات ويتعرض للكثير من المضايقات لقراره برفض الخدمة العسكرية على يد مؤيدي السلطة. ثم انه في كثير من الاحيان، لا يتلقى الرافض دعما من عائلته المقرّبة، حيث يُترك وحيدا عند مواجهة سيرورة الرفض. ومن هذا الباب، يدخل حراك “أرفض، شعبك بيحميك” وفي هذه المرحلة على وجه الخصوص. فبمساعدة المتطوعين والمتطوعات في شبكة الدعم، يقوم الحراك بتوفير مرافقة للشاب، قانونيا ومعنويا، كي يحصل في نهاية المطاف على الاعفاء من المؤسسة العسكرية.

حراك “أرفض، شعبك بيحميك” يمثّل فكرة تحريريّة. أملنا هو التحرّر من الاستعمار، التحرر من الطائفية، التحرر من الذكورية، والتحرّر من كافة اشكال القمع والظلم. حراكنا يتمثّل برؤيته الشمولية، حيث يجمع ما بين ابن عسفيا وابن رام الله، ابنة غزة وابنة مخيمات اللاجئين، ابن صفد وابنة جنين، كلنا يد واحدة نهدف إلى إعادة بناء مجتمعنا من جديد، مجتمع خال من الاستعمار، والأهم من ذلك خال من ترسبّات لنفسيّة وفكر المستعمَر. نطمح ونسعى إلى بناء مجتمع يمارس العدالة الاجتماعية والسياسية بين جميع أفراده. من اجل بناء وطن حرّ – قلبا وقالبا.

 

هديّة هي ناشطة سياسية ونسوية من قرية عسفيا، من مؤسسات حراك “أرفض، شعبك بيحميك” وتقوم بدور منسقة شبكة الدعم لرافضي الخدمة العسكرية. حاصلة على لقب أول في القانون وعلم النفس من جامعة حيفا ولقب ثان في القانون الاداري من جامعة حيفا

وسوم:
التعليقات