string(2) "ar"
string(2) "ar" -array(0) { }

لأبد الآبدين: عن سنة "وحدة القدس"

ماذا يقصد بينيت عندما يختار تخصيص السنة التعليمية القادمة ل”وحدة القدس”؟  أمر واحد مؤكد: هو لا يقصد معرفة التاريخ أو دراسة فكرية للقدس، الرمز والأسطورة، في الثقافة اليهودية والعبرية، إنما يقصد التلقين
رونا برناس

 

وزير التربية نفتالي بينيت أعلن مؤخراً عن قراره الذي ستخصص السنة التعليمية القادمة وفقه ل”وحدة القدس”- أي قرار جريء هذا!. وانتبهوا الى أن السنة لن تخصص ل”القدس عاصمة إسرائيل” إنما لوحدة القدس. لماذا تم اختيار هذه الصيغة بالذات؟ ما معنى اختيار “وحدة القدس”؟ لماذا ليس القدس فقط وهذا هو؟.

القدس السياسية لم تعني يوماً، وعملياً لا تعني حتى الآن، غالبية المجتمع الإسرائيلي الذي لا يفهم بالضبط اين يمر “الخط الأخضر”، ما هو الشرق وما هو الغرب، وماذا يعني ذلك فعلياً؟

حسناً، كما فهمتم بالطبع، القصد هو ليس التركيز على القدس “هكذا”، إنما التركيز على الأبعاد السياسية للقدس، على العمليات العسكرية بأيام حرب الستة أيام، والتي ستمر عليها بالسنة القادمة 50 عاماً. عندما يشارك بينيت متابعيه على الفيسبوك بماذا سيفعل الطلاب اللذين سيأتون الى جولة بالمدينة، فهو يعدد هذه المواقع: البلدة القديمة، الكنيست، محكمة العدل العليا والمواقع التذكراية. من هنا نفهم مدى التركيز على القدس كجسم سياسي-عسكري بالذات، على العمل السياسي الذي يربض فوق القدس وهو نفسه القدس.

في معرض أقيم بالسنوات الأخيرة بالمكتبة القومية تحت عنوان “من وعاء الى وعاء”، كان من بين المعروضات دفتر ملحوظات لنعومي شيمر أدخلت فيه البيت الإضافي لقصيدتها المعروفة “يروشاليم من ذهب”، كان ذلك بعد حرب الستة أيام والسيطرة العسكرية على البلدة القديمة. في البداية تكتب شيمر: “لنا آبار الماء والسوق والساحة”، لكنها ترددت فعدلت البيت بنهاية المطاف على النحو التالي: “عدنا الى أبيرة الماء..”. يبدو بأن شيمر أدركت بأن المسألة الحقيقية هي تاريخ شعب إسرائيل المرتبط بجذوره (الرمزية، المثالية، المتلهفة، الخيالية) بمدينة القدس (المثالية، الرمزية، المبنية على الأشواق). القدس السياسية لم تعني يوماً، وعملياً لا تعني حتى الآن، غالبية المجتمع الإسرائيلي الذي لا يفهم بالضبط اين يمر “الخط الأخضر”، ما هو الشرق وما هو الغرب، وماذا يعني ذلك فعلياً؟. معظم الجمهور الإسرائيلي يفهم بحائط المبكى، برموز المدينة مثل “قلعة داود” (قلعة القدس)، أسوار البلدة القديمة، كنائسها، والأحلام التي تحيط كل هذه كالضباب الحالم.

ماذا يقصد بينيت عندما يختار سنة “وحدة القدس” لأولاد إسرائيل؟. أمر واحد مؤكد: هو لا يقصد معرفة التاريخ، دراسة فكرية للقدس، الرمز والأسطورة، في الثقافة اليهودية والعبرية: هو لا يقصد المعرفة إنما التلقين. فعلاً، بالإمكان التكهن بأن بينيت كان سيشور على نعومي شيمر بالإبقاء على الإمكانية الاولى بالذات: “لنا آبار الماء”، كان سيشرح لها باحتفالات الخمسين لحرب الستة أيام، “أيضاً السوق والساحة”.

أية قدس هي الموحدة؟ ومن الموحد بها؟ سكان المدينة العربية اللذين يشكلون حوالي 40 بالمئة، ومعظمهم لا يحصلون على حقوق المواطن بدولة إسرائيل (لأنهم ليسوا مواطنيها)؟

لكن في الحقيقة هذه لم تكن المسألة يوماً: أيضاً على مدى آلاف السنين، عندما لم تكن آبار الماء “لنا”، فهي كانت لنا. أشواق شعب إسرائيل للقدس هي بالتأكيد احد الدوافع التي شكلت هذا الشيء المراوغ الذي يسمى “الشعب اليهودي الحديث”. لكن كل ذلك لا يعني بينيت، القدس لا تعنيه إلا كفأس يحفر بها، كأداة سياسية صلبة.

وإلا فأية قدس هي الموحدة؟ ومن الموحد بها؟ سكان المدينة العربية اللذين يشكلون حوالي 40 بالمئة، ومعظمهم لا يحصلون على حقوق المواطن بدولة إسرائيل (لأنهم ليسوا مواطنيها)؟ أم بعض الأحياء العربية في القدس المحاطة بأسوار (ليست تلك القديمة الجميلة التي تثير الشوق العاطفي)؟ ماذا تعني الحيطان المغلقة بإحكام التي تفصل بين الناس داخل القدس التي تضخمت بشكل بشع لإعتبارات سياسية بحتة من خلال سحق الناس المحاطين بها (ما يسمى: “جدار الفصل”)؟

هل سيناقش طلاب المدارس هذه الأمور أيضاً؟.

لو أن منتخبينا وقادتنا، وبينهم بينيت، يتعاملون أقل مع رموز القوة والحكم، مع فرض هويات علينا وعلى أولادنا، ربما كان بمقدورنا ان نرى ألناس أيضاً. ولكن حيثما تتواجد الرموز فقط، تتم رؤية الأبدي فقط (كما يقال “القدس موحدة لأبد الآبدين”) أما الناس العاديين فلم يبقى لهم مكان في منهاج التعليم.

شاعرة وكاتبة. تسكن في القدس وتعمل في الترجمة والتحرير. تكتب بشكل ثابت بموقع “اشفتون” (بالعبرية).

التعليقات