"بيوت بعد الواصلة": منزل عائلة أبو غزالة في يافا

حدود البيت، ذلك الذي يعتبَر في المبدأ مكانًا حميميًّا وآمنًا يقع خارج حق التدخّل الشرعي للسلطة – تم انتهاكها ودكّها المرة تلو الأخرى منذ نكبة 1948. مشروع “بيوت بعد الواصلة” يسلط الضوء على بعض هذه البيوت، منها منزل عائلة أبو غزالة في يافا.
خاص باللسعة

 

تقيم جمعية “ذاكرات” ابتداءًا من يوم غد الخميس 12 أيار وحتى يوم السبت 15 أيار مشروع “بيوت بعد الواصلة” للمرة الثانية في يافا إحياءً للذكرى ال-68 للنكبة. يافا، التي تختبئ ما وراء الواصلة، تلك الواصلة التي تحمل في ثناياها عناصر عنيفة ومتناقضة كالشّطب والتمويه، الاستمرارية والبتر، الميراث والاستيلاء، تلك الواصلة التي تربط يافا ظاهريًا بتل أبيب وتفصلها عنها في الآن نفسه.

طوال الأيام الثلاثة التي تفصل بين ذكرى إقامة دولة إسرائيل وبين يوم النكبة الفلسطينية، ستنظم سلسلة من الفعاليات التي تعنى بالذاكرة والتاريخ الممحيّين لمدينة يافا. تتخلل هذه عروضًا فنية في بيوت خاصة طُرد منها أصحابها الفلسطينيون عام 1948، ندوات دراسيةً وجولاتٍ بديلة في أحياء المدينة. باختيارنا لإقامة المشروع بين هذين التاريخين، فإنّنا ندعو الجمهور لإيجاد الرابط بين إقامة دولة إسرائيل وبين تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه وتحويل غالبية الفلسطينيين إلى لاجئين.

يهدف المشروع إلى التوثيق ورفع الوعي حول إخفاء إحدى المدن العصرية والمفعمة بالحياة التي كانت موجودة في فلسطين حتى عام 1948. ويسعى، من ضمن أمور أخرى، إلى لفت النظر إلى الغياب الحاضر لسكان يافا الفلسطينيين الذين طُردوا من مدينتهم وبين ليلة وضحاها سُحِبت من تحت أقدام معظمهم حميمية الحياة البيتية. لقد كانت حياة هؤلاء متّصلة بتاريخ البيت؛ سكنوه وقضوا حياتهم فيه، خطّطوه أو كتبوا عنه. حدود البيت، ذلك الذي يعتبَر في المبدأ أمرًا طبيعيًا، مكانًا حميميًّا وآمنًا يقع خارج حق التدخّل الشرعي للسلطة – تم انتهاكها ودكّها المرة تلو الأخرى منذ 1948 حتى يومنا هذا.

نستعرض فيما يلي ملخص بحث حول أحد هذه البيوت، وهو بيت عائلة أبو غزالة الواقع في شارع عولي تسيون 34 زاوية مَچـِن أڤرهام 2/ شارع الصالحي زاوية الملك غازي سابقاً.

صورة لمنزل عائلة أبو غزالة من عام 1936
صورة لمنزل عائلة أبو غزالة من عام 1936

معلومات عامة

بحسب ملف البناء المحفوظ في أرشيف بلدية تل أبيب، يقع المنزل في الحوض: 7081 والقسيمة: 22، وذلك وفق خريطة محدثة للقطع والقسائم. تشير مخططات البناء في بداية الثلاثينيات إلى أنه وفقًا لخريطة التقسيم الانتدابية، يقع المنزل في الحوض 7023 والقسيمة 180.

تم بناء البيت في بداية الثلاثينيات من قِبل توفيق أبو غزالة. يقع المنزل على الطريق التاريخية للقدس، والتي تم تغيير اسمها إلى شارع الصالحي في زاوية شارع الهبا (EL HABA) الذي تم تغيير اسمه هو الآخر إلى شارع الملك غازي – على يمينه يقع شارع عولي تسيون زاوية مَچـِن أڤرهام. المنزل قريب جدًا من جادة “كينچ جورج” (في الأصل جمال باشا، وعلى يمينه تقع جادة “يروشلايم”)، بجانب مبنى البلدية (قبل النكبة) على الحدود الشمالية لحيّ النزهة الآخذ بالتطور، على مقربة من السوق.

إنه منزل واسع ذو طابقين، يطلّ على كافة الزوايا؛ بحسب طراز البناء الذي كان متّبعًا في يافا في الثلاثينيات، كان للمنزل حيّز مركزي، تتشعّب منه نحو 7 غرف.  تم تخطيط الطابق السفلي بهدف التجارة، ومن الواضح أنه كان يشمل مصالح تجارية منذ تأسيس المبنى، فالعديد من المستندات تثبت أنه كانت هناك حركة تجارية، مطعم وربما فندق صغير أيضًا.[1]

يبدأ المنزل بالظهور في الصور الجوية لمصوّري “أمريكان كولوني” من عام 1935 فصاعدًا، بينما في الصور الجوية لقوات السلاح الجوي الألماني بين العامين 1917-1918، تبدو المنطقة نقيّة ومليئة بالبساتين. [2]

صورة لواجهة منزل عائلة أبو غزالة اليوم
صورة لواجهة منزل عائلة أبو غزالة اليوم

تاريخ المبنى والمنطقة قبل 1948

تم بناء منزل توفيق أبو غزالة على ما يبدو من بعد بناء المنزل المقابل – في عولي تسيون 36 زاوية مَچـِن أڤرهام 1، إذ يمكن فهم ذلك من الملف التوثيقي المفصل الخاص بكيرين كونبرچ وليئات راببورت. تم بناء المنزل المقابل لأمين ناصف (AMIN NASEF)، وتم تصميمه على ما يبدو من قِبل المهندس المعماري م.أ. چـيبن عام 1922، وتم إنهاء بنائه عام 1933.

إن تطور الجادة والأحياء الجديدة في يافا بشكل سريع انعكس بالطبع في زيادة حركة البناء والتجارة بشكل كبير في المنطقة.  استغل أمين ناصف ومن بعده توفيق أبو غزالة الفرصة آنذاك واستثمرا في تلك المنطقة المركزية التي تعتبر أكثر مناطق البلدة نشاطًا.

صور الجادة ومبنى البلدية الجديد، في الشارع المقابل، يشهدون على الازدهار الثقافي والاقتصادي الذي ساد يافا في تلك السنوات.

في محادثة مع سامي أبو شحادة، مؤرخ يافيّ، قال عن المنزل: كانت عائلة أبو غزالة إحدى العائلات الثرية في يافا.  صاحبة أملاك كثيرة ومصالح تجارية على أنواعها.

في كتابه “عائلات وشخصيات من يافا وقضائها”، يصف طاهر قليوبي[3] سلالة أبو غزالة على النحو التالي: إنها عائلة كبيرة من الفترة العثمانية، أصلها من جنين، يازور، الخليل والحجاز.

سليمان أحمد أبو غزالة (1890-1948) وصل إلى يافا بعد دراسته في اسطنبول، إذ عمل في العشرينات في المحاماة في شارع بسطرس (اليوم شارع رزيئل)، ولعب دورًا مهمًا في الحركة الوطنية الفلسطينية.

تخطيط منزل عائلة أبو غزالة

حسن توفيق أبوغزالة (مواليد 1910) ولد في يافا، رجل أعمال وصاحب أملاك. أسس شركة باصات “الكوكب الأبيض” عام 1922 لحيّ عجمي. اندمج عام 1938 مع شركة المنشيّة، فأسّسا معًا شركة باصات يافا، وعملا معًا حتى عام 1948. أسس البنك العربي، شركة الرياض وشركة الطيران العربية. شيّد مبانٍ في جميع أرجاء يافا. اضطر لمغادرة البلاد عام 1948 متوجهًا إلى القاهرة، إذ توفي ودُفن هناك.

طلال أبو غزالة (مواليد 1938)، من مواليد يافا، درس إدارة الأعمال في الجامعة الأمريكية في بيروت، وأنهى دراسته عام 1960. يبرز اسمه على المستوى العالمي في مجال المحاسبة، تدقيق الحسابات، حقوق المنتجين وتقنية المعلومات، الاستثمارات والتجارة الإلكترونية في سوق المال. عام 1972، أقام مؤسسة سمّيت على اسمه، والتي أحدثت تغييرًا كبيرًا في مجال نقل المعلومات في العالم العربي خاصة وفي جميع أنحاء العالم.  نائب رئيس طاقم الأمم المتحدة لتقنية المعلومات في نيويورك وباريس. ألف العديد من الكتب والقواميس. يهوى الموسيقى وهو راعٍ للعديد من الموسيقيين.

يشمل ملف البناء الموجود في أرشيف البلدية مستندات عديدة من السنوات 1930 حتى  1948، جزء منها مرفق لهذا الملف. ومن بين هذه المستندات مخططات البناء الأصلية، المراسلات مع السلطات بشأن المصالح التجارية في الطابق الأرضي، وحتى المراسلات مع وزارة الصحة على ما يبدو بشأن ترخيص المطعم الواقع على الشارع.

كجزء من بحثنا حول منزل أبيه، قمنا بمراسلة السيد طلال أبو غزالة الذي يسكن اليوم في الأردن، لكن لم نتلقَّ منه ردًا بعد.[4]

تاريخ مقتضب عن المنزل منذ عام 1948، وفقًا للمعلومات المتوفرة في ملف البناء في بلدية تل أبيبيافا:

تم الحفاظ على واجهة المبنى الخارجية بما تحتويه من أقواس وشرفات. الحيّز الداخلي تحول إلى شقق سكنية.

الطابق الأرضي يشمل مصالح تجارية، من بينها مطعم – يفترض أيضًا أن ذلك هو نفس الحيّز الذي أقيم فيه مطعم آخر في الثلاثينيات.

تشير المستندات التي عثرنا عليها من أرشيف بلدية تل أبيب من السنوات 1950 و-1954 إلى أن المبنى بأسره انتقل لملكية القيّم العام الإسرائيلي وفقًا لقانون أملاك الغائبين. [5]

على مرّ السنين، انتقل المبنى من ملكية القيّم إلى سلطة التطوير، أي شركة عميدار. جزء من الحوانيت الموجودة في الطابق الأرضي تم بيعها أو تأجيرها لملكية خاصة.

المبنى اليوم بملكية شركة لإدارة الأملاك، والمستأجرون هم من اليهود والفلسطينيين.

 

[1] عند تأمل صورة المنزل من عام 1936، بالإضافة إلى الإحساس بالإهمال الناتج عن الإضراب الطويل والصراع الفلسطيني مع الانتداب البريطاني، يمكن الملاحظة أن هناك لافتة على واجهة المبنى، مكتوب عليها: MAIA HOTEL. لم نستطع إيجاد توثيق لهذا الفندق، فقد كان على ما يبدو نزلًا صغيرًا وليس فندقًا كبيرًا. كان هناك فندق أيضًا في المنزل المقابل، الواقع في شارع عولي تسيون زاوية مَچـِن أڤرهام 1، وذلك بحسب الملف التوثيقي الخاص لكيرين كونبرچ وليئات راپپـورت، والذي أعدّ في إطار مساق حفظ المباني التاريخية في كلية بتسالئيل. الملف التوثيقي الموسّع يمكنه أن يعلمنا الكثير عن تطور فنادق يافا في الثلاثينيات.

[2] الصور مرفقة للملف، شكرا لشموليك چـرواچ على المساعدة، الخرائط والصور الجوية.

[3] طاهر قليوبي، عائلات وشخصيات من يافا وقضائها، إصدار المؤسسة العربية، بيروت، 2006 (باللغة العربية)

[4] يمكن الاطلاع على المزيد من التفاصيل عن السيد طلال أبو غزالة في موقعه الشخصي: http://www.talalabughazaleh.com/?lang=en

[5] قانون أملاك الغائبين لعام 1950 قانون يمنح دولة إسرائيل حق الاستيلاء على أملاك الأشخاص الذين هجّروا من أراضيها إلى أراضي دولة معادية خلال حرب 1948.

 

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

  1. فهيم احمد محمد احمد سالم ابوغزاله

    شكرا لمجهوداتكم وتعقيبا على ماكتب. اريد ان اضيف ان اصل عائلة ابوغزاله هم عرب جهينه كما اكده الحاج ابراهيم ابوغزاله .وانهم كانوا رحل صيفا وشتاءا ومنها الجزء المصري.
    ايضا اردت ان اعرف ما العلاقه بين سليما احمد وبين الحاج توفيق كما ذكر اعلاه.
    الحاج توفيق كان متزوج من اربع وعنده من الاولاد طلال ،داوود، حسن
    وهم كلهم شخصيات لها بصمات لا تنسى