string(2) "ar"
string(2) "ar" -array(0) { }

كيف تشكلت "الكويرية" في إسرائيل؟

بينما سعت مؤسسات المجتمع المثلي في إسرائيل إلى الحفاظ على مظهر المحايد واللا-سياسي وتاقت إلى التطبع والاندماج بالمجتمع، حملت مجموعة “الغسيل الأسود” الكويرية شعار “لا فخر في الاحتلال” ورأت بأنه لا يمكن الفصل بين الفخر المثلي والخجل من انتهاك حقوق الفلسطينيين
أيال جروس

 

الأنثولوجيا “جنس آخر: “مقالات مختارة من الدراسات المثلية والكويرية الإسرائيلية” التي حررتها برفقة عماليا زيف وراز يوسف تعكس الطفرة البحثية في مجال الدراسات المثلية والكويرية الذي تطور في إسرائيل منذ بداية الألفين. اليوم هناك تشكيلة واسعة من الأبحاث حول الموضوع في إسرائيل بينما يركز الكتاب مجموعة من المقالات الأصلية والرائدة لكتاب محليين نشرت بعضها بمجلات وكتب مختلفة أما بعضها الآخر فيتم نشره للمرة الأولى. في بعض المقالات التي نشرت بالماضي ادخلت إضافات، تغييرات وحتلنات بما تقتضيه الحاجة. الغالبية العظمى من المقالات استعرضت على مدى السنوات خلال مؤتمر “جنس آخر” الذي شكل المنصة المركزية لعرض الابحاث التي تجرى بالمجال في إسرائيل، والذي سيعقد مرة أخرى هذا الأسبوع وسيتم اطلاق الكتاب خلاله.

غلاف كتاب "جنس آخر"
غلاف كتاب “جنس آخر”، اصدار “ريزلينغ”.

الكتاب يشير إلى أن تطور الاهتمام بالدراسات المثلية والنظرية الكويرية في إسرائيل، مثله مثل الكتابة الأصلية بهذا المجال، جاءت ضمن التغييرات الكبيرة التي مرت على المجتمع المثلي في إسرائيل ابتدءا من ثمانينيات القرن ال-20، وخاصةً في سنوات التسعين. كما يستعرض تطور المجال في إسرائيل والعلاقة بين النشاط (activism) والبحث. يجب فهم نمو الدراسات المثلية بالثمانينيات في الولايات المتحدة، من ضمن أمور أخرى، كنتاج حركة ال “gay liberation” والنسوية المثلية بسنوات السبعين. ولكن تسييس المجتمع المثلي في إسرائيل حصل فقط في سنوات التسعين، حيث أصبح هناك هناك كم كبير من البحث والفكر الكويري بالانجليزية، ومجال الدراسات الكويرية أخذ بالتوطد في الأكاديميا الأمريكية: لهذا، فبالتوازي مع نمو وتشكل المجتمع المثلي، اتسعت أعمال الترجمة، الوساطة ونشر النصوص الكويرية والمعرفة الكويرية كشكل من أشكال النشاط الثقافي الذي انضم للنشاط السياسي، تغذى منه وغذاه.  كما ذكر أعلاه، دخول الدراسات الكويرية للأكاديميا حصل فقط في مرحلة لاحقة، على أكتاف دراسات النسوية والجندر التي بدأت تصدع الأسوار المحافظة للأكاديميا المحلية فقط بسنوات التسعين. قبل ظهور بحث كويري إسرائيلي ملحوظ كانت هناك حاجة لتأسيس نماذج تفكير كويرية، وهي العملية التي بدأت بالٍأساس بسنوات التسعين في منتديات ومنصات خارج الأكاديميا واستمرت بين جدران الأكاديميا في سنوات الألفين.

هناك توازي بين بداية تمأسس الدراسات الكويرية في الأكاديميا وبين ظهور النشاط المثلي الذي نستطيع وصفه بالكويري. المبادرة الاولية لإقامة مجموعة العمل الكويرية “الغسيل الأسود” في صيف 2001 ولدت وسط بعض المشاركين في مؤتمر “جنس آخر” الأول الذي عقد قبل فترة وجيزة من مسيرة الفخر التي تشكلت المجموعة خلالها. بالإمكان القول بأن “الغسيل الأسود” كانت العلامة لبداية اللحظة الكويرية في إسرائيل. هذه لم تكن فقط المجموعة الأولى التي تستخدم مصطلح “كوير” لتعرف الهوية الجماعية لعضواتها بل أن اسلوب النشاط الذي تبنته- تدخلات محلية ومباشرة في الحيز العام، تفضيل النشاطات الادائية والموقف المتحدي- كان الأسلوب الذي طور من قبل مجموعات مثل “”Act up، “Queer Nation” و- “The Lesbian Avengers” وأصبح يعرف في السياسة المثلية الأمريكية مع مصطلح “كوير”.

صحيح أن “الغسيل الأسود” استعارت استراتيجيات وأساليب عمل مستقاة من النشاط الكويري الأمريكي ولائمتها لاحتياجاتها ولكن على العكس من المجموعات الأخرى التي ذكرت والتي خصصت جل تركيزها على النضالات المعرفة مع المجتمع الفخور- لفت الانتباه الجماهيري لحجم أزمة الايدز ومطالبة النظام بتخصيص موارد للتعامل معها، محاربة رهاب المثلية والاستئناف على الطابع المغاير جنسياً للحيز العام- رأت مجموعة “الغسيل الأسود” بأن عليها التدخل ليس فقط بالسياسة المثلية المحلية إنما أيضاً بما يتم اعتباره في إسرائيل كالسياسة ب”ال التعريف”، أي سياسة الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، من خلال خلق علاقة بين هذه وبين السياسة المثلية. النشاط الذي نمت المجموعة من خلاله كان مشاركتها في “مسيرة الفخر” عام 2001 تحت شعار “لا فخر في الاحتلال”، معبرة بذلك عن موقفها حول ضرورة استحضار مقاومة الاحتلال أيضاً في مسيرة الفخر، وبأنه ليس بالإمكان الفصل بين الفخر المثلي وبين الخجل من انتهاك حقوق الفلسطينيين الانسانية. في المقابل، صممت المجموعة على ابراز الهوية الجندرية والجنسية الهامشية لعضواتها في مظاهرات اليسار، وعبرت عن الصلة بين السياسة الجنسية والجندرية وبين السياسة القومية بواسطة شعارات مثل “ترانس-جندر وليس ترانسفير” و “تجاوز حدود الجندر، خيانة حدود القومية”.

في نضاله من أجل توسيع مواطنة أعضائه، لم يتحدى المجتمع المثلي خطاب المواطنة بإسرائيل وحدود الجماعة القومية بل على العكس- حارب ليثبت بأن اعضائه معنيين وقادرين على اشغال الوظائف التقليدية التي خصصتها الصهيونية للرجال والنساء (اليهود)

يشمل الكتاب مقال عماليا زيف حول مجموعة “الغسيل الأسود” والذي يشير إلى تركيز النضالات السياسية للمجتمع المثلي في اسرائيل قبل اقامة “الغسيل الأسود” على المواضيع المتعلقة بأعضاء المجتمع فقط- مثل الغاء التمييز في الجيش، مساواة الحقوق والميزات للأزواج المثلية بالأزواج المغايرة، الاعتراف بالوالدية على الأبناء غير البيولوجيين والاحتجاج على مظاهر رهاب المثلية بين الشخصيات الجماهيرية.  مؤسسات المجتمع المثلي امتنعت عن قصد عن المشاركة في النضالات التي قادتها مجموعات مهمشة أخرى، محاولة الحفاظ على مظهر المحايد واللا-سياسي. اضافة الى ذلك فقد عكست مواضيع النضال المركزية- النضال للمساواة في الخدمة العسكرية والنضال من أجل حق الوالدية- عكست توقاً للتطبع والاندماج بالمجتمع، توق تجسد في محاولات اختراق المؤسسات المعرفة أكثر من أي شيء آخر مع المساهمة للخير العام- الجندية للرجال والأمومة للنساء- كما تشير مقالات روتي كديش وراز يوسف ومقالتي الواردة في الكتاب.

بكلمات أخرى، في نضاله من أجل توسيع مواطنة أعضائه، لم يتحدى المجتمع المثلي خطاب المواطنة بإسرائيل وحدود الجماعة القومية بل على العكس- حارب ليثبت بأن اعضائه معنيين وقادرين على اشغال الوظائف التقليدية التي خصصتها الصهيونية للرجال والنساء (اليهود)، وعليه فهم يستحقون بأن يتم احتوائهم . هذا الأمر تغير مع صعود “الغسيل الأسود” التي شذت عن سياسة الهوية التي ميزت المجتمع بطريقتين: أولاً، في ظل السعي للاندماج والتطبيع، مجدت المجموعة الشذوذ بواسطة تبني الصور النمطية السلبية بطريقة احتجاجيه: ثانياً، رفضت المجموعة صياغة سياسة هوية تسعى إلى تمثيل مصالح تعتمد على هوية مشتركة، وسعت بدلاً عن ذلك إلى تعزيز سياسة تضامنية وإلى خلق صلة بين الهوية الجنسية والجندرية الهامشية لأعضائها وبين التضامن مع الشعب الفلسطيني وفي فترة لاحقة أيضاً مع مجموعات أخرى تعاني القمع.  هذه الميزات تؤكد بأن سياسة المجموعة كانت كويرية بشكل واضح أيضاً بمعنى مقاومة النظام الاجتماعي القائم، الاستئناف على ما يعتبر طبيعي أو غير طبيعي وانتقاد التوجهات المختلطة والمطبعة في السياسة المثلية، وأيضاً بمعنى تفكيك تصنيفات الهوية الجوهرية والموحدة وطرح رؤيا أخرى حول الهوية تكون أكثر سيولة وتنوع وتقوض التصنيفات الثنائية. خصوصية الصيغة المحلية للنشاط الكويري تكمن اذاً، كما تظهر عماليا زيف في مقالتها، في ظهور “الكوير” كهوية وسياسة في إسرائيل في سياق النشاط ضد الاحتلال بالذات.

مظاهرة لمجموعة "الغسيل الأسود"
مظاهرة لمجموعة “الغسيل الأسود”

حتى بعدما تفككت مجموعة “الغسيل الأسود” في 2003، ما زالت الأفكار التي نشرتها تسمع هنا وهناك: مقالي في الكتاب يظهر كيف تستمر الاجندة المعارضة للهيمنة العسكرية الإسرائيلية وللانتهاك المستمر لحقوق الانسان، والتصميم على موضعة النضال من أجل حقوق المثليين ضمن رؤيا واسعة لحقوق الانسان تشمل الفلسطينيين في إسرائيل والأراضي المحتلة، وكذلك المهاجرين واللاجئين، تستمر بكونها مركزية في النشاط الكويري المحلي. وهو الأمر الصحيح لا سيما على ضوء توسع التوجهات ال”هومو-قومية” وسط المجتمع المثلي واستخدام الدولة المتزايد لحقوق المثليين كورقة التوت التي تغطي عورة الديمقراطية الإسرائيلية. هذه التوجهات عمقت الهوة بين المؤسسة المثلية والأشكنازية بمعظمها التي تجاوبت مع عناق المؤسسة القومية وبين الاواسط الكويرية التي تحفظت من هذا العناق.

الأكاديميا الكويرية رافقت هذه العمليات، أشارت إلى التوجهات التطبيعية وال”هومو- قومية” بشكل نقدي، أعطت منصة للنشطاء غير المؤطرين وحاولت خلق منتدى للنقاش المشترك داخل المجتمع المثلي. هكذا، على سبيل المثال، تضمن مؤتمر “جنس آخر” عام 2007 على طاولة مستديرة بموضوع الفخر والاحتلال بمشاركة باحثين وناشطين في ذكرى 40 عام على الاحتلال: في 2012 تضمن المؤتمر على ندوة تحت عنوان: “الهومو-قومية، الاثنية والغسيل الوردي” شارك فيها نشطاء كويريون إلى جانب ممثلون عن رابطة المثليين وأصحاب مناصب في بلدية تل أبيب.

الكتاب يتناول هذه المواضع بالتفصيل، إلى جانب الطريقة التي اضطرت فيها السياسة الجنسية الأشكنازية للمجتمع المثلي بإسرائيل المثليات والمثليين الشرقيين للتعاطف مع هوية مثلية “بيضاء” وأوروبية تتجاهل التنوع الاثني الذي يميز المجتمع المثلي بإسرائيل. مقالات راز يوسف وياعيل مشعالي تتعاطى مع هذه الأسئلة، ومع مكانة المثليين الشرقيين في الثقافة الإسرائيلية الرائجة، من الصور التي تعتمد على الأفكار النمطية والمستشرقة والعنصرية وحتى صعود ثقافة هوامش مثلية شرقية على شاكلة  حفلات “أريسا” الشرق أوسطية. هذه هي بعض الأسئلة التي يناقشها الكتاب بواسطة 17 كاتبة وكاتب يأتون من تخصصات ومناهج بحث متنوعة.

بروفيسور بمجال القانون، من مؤسسي المنتدى للدراسات المثلية والكويرية ومؤتمر “جنس آخر” في جامعة تل أبيب، يكتب كمحلل قانوني في صحيفة “هآرتس”.  

التعليقات