string(2) "ar"
string(2) "ar" -array(0) { }

مذبحة الدوايمة: "قتلوا الاطفال وهم يسحقون جماجمهم بالعصي"

رغم التعتيم على مذبحة الدوايمة وفرض السرية على كافة المستندات المتعلقة بها، تشير الأدلة الى أنها كانت من أفظع المذابح، ان لم تكن الأفظع على الاطلاق، في حرب “الاستقلال” كما يسميها الاسرائيليون. ننشر فيما يلي تقريراً خاصاً في ذكرى المذبحة التي ارتكبت بتاريخ 29 اكتوبر، 1948.
كفاح عبد الحليم

 

مِنْ أَجْلِ ذلِكَ [1]

 

اخترقَ البلدةَ المحتلة على ظهر الجيب،

فتى جرئ ومسلح.. مثل الشبل

وفي الشارع الخَرِب،

التصق شيخ وامرأة في الحائط من أمامه.

 

تبسم الفتى عن أسنان لبنية:

“فلأجرِّب الرشاش”.. وجرَّب.

أخفى الشيخ وجهه بيديه..

فغطت الحائط دماؤه.

 

أعزّائي، إنها صورة من معارك الحرية،

وهناك أشدّ منها. هذا ليس سرًا.

حربنا تستدعي التعبير و الأغاني…

حسنا فليُغنَى لها إذن أيضاً من أجل ذلك!

 

وليُغنَى لها إذن عن “الحوادث اللطيفة”

التي تسمى،  بالمصادفة، قتلاً.

وليُغنَى عن أحاديث السامعين المدركين،

عن ابتسامات التنازل والغفران.

 

فلا يُقال ” إنها مجرد تفاصيل في فصل المجد”.

فالفرد والمجموع صنوان

إذا كان المجموع ينصت للفرد الراوي

ولا يحبسه في زنزانة!

 

لأن المؤتزرين بإزار الحرب،[2] ونحن معهم،

بالفعل،

أو بتربيتة  الموافقة،

مدفوعون، بتمتمات “الاضطرار” و “الثأر”

إلى كفة مجرمي الحرب.

قاسية هي الحرب، الواعظ الساذج سيُعاد

من أمامها بلكمة.

ولكن لذلك

فأمر العدل وأمر الرحمة
لو كانا فيها، فهما مثلها قاسيان

 

وجوقة المنشدين لسحر مجدها فحسب

ومن يسكبون الشهد على إثمها

يا ليتها تعاقبهم بيَدٍ من فولاذ

في محاكم عسكرية ميدانية!

 

ستنزوي السكينة التي تهمس ” حقا..”

وتخشى رؤية وجهها في المرآة!

يقف الجندي العبري! يحتمي
من تبلد الجمهور العبري

 

وحرب الشعب التي صمدت بلا خوف

أمام جيوش ملوك الشرق السبعة،

لن تَرهَب مقولة “لا تنشروا فضائحنا على الملأ”[3]
فهي ليست جبانة إلى هذا الحد!

 

بتاريخ 19 نوفمبر 1948 نشر نتان الترمان قصيدة “من أجل ذلك” للمرة الاولى في عموده الاسبوعي بصحيفة “دفار”. وقد حصدت القصيدة التي صدرت في خضم “حرب الاستقلال” كما يسميها الاسرائيليون اصداءاً واسعة لا سيما وان الترمان، الذي أصبح مع الأيام من أهم الشعراء القوميين لدى الإسرائيليين وربما الثاني بعد بياليك، قد انتقد من خلالها جرائم الحرب التي ارتكبها الجنود اليهود، وطالب حتى بتقديمهم الى العدالة، في أيام كان النقد فيها مكتوماً وشبه معدوم. وقد حظي الترمان في حينه بالمديح على جرأته في حين اعتبر البعض قصيدته “صرخة للضمير الحي”. ورغم انه بدا كمن ينشر الغسيل القذر على الملأ فقد تحولت “من أجل ذلك” بمر السنين لأحد النصوص المؤسسة في الوعي الإسرائيلي حتى أنها تدرس في المدارس اليهودية بإسرائيل حتى اليوم لمناداتها بأخلاقيات الحرب وتحديداً بما يسمى “طهارة السلاح”، المصطلح الذي يحلو لإسرائيل استخدامه لتدعي الحصانة الأخلاقية لجيشها.

نظريات لاحقة رجحت بأن تكون القصيدة قد نشرت لأسباب سياسية بالذات، وربما كان ذلك بن غوريون، وزير الدفاع في حينه، هو من استدعى الترمان الذي كانت تربطه به علاقة وطيدة لكتابتها. ذلك في اطار مسعى لاحتواء النقد الذي بدأت تثيره مظاهر المذابح والتعنيف في نفوس البعض، ولتمويه مسؤولية الجهات الرسمية عن هذه. ومما يؤكد على ذلك ربما بأن الترمان قد أضاف مقطعاً في بداية القصيدة في أعقاب الاوامر التي قيل بأن بن غوريون أصدرها لطباعة مئة الف نسخة من القصيدة وتوزيعها بين الجنود ذلك بعد ان تدخل مسبقاً عندما منعت الرقابة العسكرية نشر القصيدة. وتقول الابيات:

في خِضم أيامِ القتالِ، نستيقظُ على هذه الأمور.

وزير الدفاع، أضاف لما يقال هنا بحكم صلاحيته الجلية.

فـعمله هذا، غير الشائعِ في قضايا الحربِ، جديرٌ بقصيدةِ،

سواء من حيث الغاية أو من حيث القدوة والقوة الباطنية.

وكما يرى الكاتب الاسرائيلي يتسحاق لؤور في هذا السياق: “لا يمكن استبعاد امكانية بأن تكون القصيدة قد كتبت بناءً على الطلب. فالحكم، أي حكم، يفرق الجرائم دائماً الى صنفين، تلك التي تنفذ باسمه، ومن الأفضل عدم الحديث عنها، وتلك التي لا تنفذ باسمه ولهذا فبالإمكان تقديم منفذيها للعدالة او على الاقل المطالبة بذلك”.

يشير المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس الى أن أفظع “العمليات” ارتكبت في صلحة، دير ياسين، اللد، الدوايمة وأبو شوشة، في حين أنه يؤكد بأن المذابح التي نفذت في اللد والدوايمة كانت أفظعها ان لم تكن الأفظع على الاطلاق في “حرب الاستقلال”.

وفي حين لم يشر الترمان صراحة الى البلدة المقصودة، يبقى السؤال الأهم أين حدثت هذه الجرائم بالضبط؟ حيث يقول الاعتقاد السائد بأن الترمان اشار الى أحداث وقعت خلال احتلال اللد الذي عرف بوحشيته والذي تم قبل حوالي الأربعة أشهر من نشر القصيدة. إلا أن مناحيم فينكلشطاين الذي أشغل منصب النائب العسكري العام يرى بأن القصيدة تتحدث عن أحداث أخرى وقعت بنهاية شهر اكتوبر 1948، قبل نشر القصيدة بفترة وجيزة، في قرية الدوايمة (قرية مهجرة في قضاء الخليل). ويؤكد بعض الباحثون الاسرائيليون هذه الفرضية لا سيما وأن الترمان نفسه خدم في كتيبة 89 التي كانت مسؤولة عن هذه العملية والتي اقترف فيها الجنود اليهود الفظائع بأهالي القرية ومن لجؤوا اليها والتي لم يسلم منها لا طفل ولا امرأة ولا شيخ.

ويشير المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس، الذي عرف بفضل كتابه “مولد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين”، في هذا الخصوص الى أن أفظع “العمليات” ارتكبت في صلحة، دير ياسين، اللد، الدوايمة وأبو شوشة، في حين أنه يؤكد بأن المذابح التي نفذت في اللد والدوايمة كانت أفظعها ان لم تكن الأفظع على الاطلاق في “حرب الاستقلال”. من جهته، يشدد الناشط في جمعية “فلسطينيات” والمختص بموضوع القرى الفلسطينية المهجرة جهاد ابو ريا على ذلك حين يقول: “الناس سمعت بمذبحة اللد ولكن لا يعرف الكثيرين عن مذبحة الدوايمة التي تم بها تحطيم جماجم الأطفال بالعصي، ونسف المنازل، وقتل المسنين وملاحقة المواطنين الذين احتموا في الكهوف لإبادة عائلات بأكملها. معظم الذين استشهدوا كانوا من خارج القرية، بحسب المعلومات المتوفرة لدينا، حيث وردوا اليها بالفترة الأخيرة بعد أن هجروا من اماكن أخرى. لهذا فقد واجهتنا الكثير من الصعوبات في جمع البيانات حول ما جرى هناك مقارنةً بمذابح أخرى كدير ياسين وغيرها”.

لا عجب اذاً بأن اسرائيل تفرض السرية حتى اليوم على كافة المستندات المتعلقة باحتلال الدوايمة تقريباً. بيد اننا نجد احد الاثباتات الواضحة للمذبحة في رسالة كان قد ارسلها جندي بإسم ش.كابلان، بعد نحو عشرة أيام من مجزرة الدوايمة، الى صديقه اليعيزر بري الذي كان يعمل محرراً في صحيفة “عل همشمار” يصف له فظاعة المذبحة التي وقعت هناك. ويقول ابو ريا: “المثير بأن هذه الرسالة اختفت من الأرشيف، شأنها شأن مستندات أخرى كثيرة، في محاولة لإخفاء هول الجريمة التي ارتكبت في الدوايمة. الا أن بعض المؤرخين الاسرائيليين قد نجحوا في الحصول على نسخة منها قبل أن تختفي حيث اعتمدها بيني موريس في كتابه “تصحيح خطأ” وكذلك توم سيجف في كتابه “1949”.”

ننشر فيما يلي نص الرسالة كما ورد بتاريخ 7.2.2016 في صحيفة “هآرتس” التي حصلت عليه من المؤرخ بيني موريس نفسه.

لحضرة اليعيزر بري سلام،


قرأت اليوم افتتاحية “عل همشمار” والتي بحثت فيها قضية جيشنا الذي يسيطرعلى كل شيء إلا على غريزته.
شهادة عيان قصها لي جندي شارك في الدوايمة يوماً بعد احتلالها. هذا الجندي من جماعتنا، مثقف وأمين وجدير بالثقة مئة بالمئة. فتح لي قلبه نتيجة لحاجته النفسية وانهياره والكآبة التي دبت به من فظاعة التعرف على هذا المستوى من البربرية الذي يستطيع رجالنا، ابناء التربية والثقافة، الوصول اليه. فتح قلبه لي لان ليس هناك الكثير من القلوب المستعدة للاستماع.
لم تكن هناك معركة ولا مقاومة (ولا مصريين). المحتلين الاوائل قتلوا ما بين ثمانين حتى مئة عربي من النساء والأطفال. قتلوا الاطفال وهم يحطمون ويسحقون جماجمهم بالعصي. لم يكن هناك بيتاً دون قتلى. الموجة الثانية كانت فرقة من الجيش والتي انتمى اليها الجندي الذي يدلي بشهادته.
في البلدة بقي عرب وعربيات، ادخلوهم الى البيوت وأغلقوا خلفهم دون ان يعطوهم مأكل او مشرب. بعد ذلك جاء رجال المتفجرات لكي يفجروا البيوت. احد القادة امر مفجر البيوت ادخال عجوزتين عربيتين للبيت المحدد الذي سيتفجر بهن. رجل المتفجرات رفض ذلك وقال انه مستعد للعمل بأوامر قائده (فقط). حينها امره قائده ادخال العجوزتين، وتمت الجريمة.
جندي آخر تفاخر انه اغتصب امرأةً عربيةً وبعد ذلك اطلق النار عليها. امرأة عربية مع طفل ابن يومه في حضنها أشغلوها في تنظيف الساحة، المكان الذي يأكل به الجنود. يوم يومين عملت على خدمتهم وفي النهاية اطلقوا النار عليها وعلى طفلها. الجندي يقول بان قادتهم، أصحاب الخلق والثقافة الذين يعتبرون خيرة الشباب في المجتمع، تحولوا الى قتلة سفلة، ولم يكن ذلك في فورة القتال والغرائز، انما بطريقة منهجية للطرد والإبادة.

كلما بقي اقل عرب– كلما كان ذلك افضل. هذا هو الدافع السياسي للطرد وللفظائع التي لم يعارضها احد لا على المستوى التنفيذي ولا على المستوى القيادي. انا نفسي كنت في الجبهة اسبوعين وسمعت قصص التفاخر من جنود وضباط يقصون كيف تفوقوا بعمليات الصيد “والدك”، دك عربي، دون اي سبب، وبكل الاحوال اعتبرت هذه مهمة معتبرة وهناك منافسة للفوز بها.

نحن في حالة حرجة. ان رفعنا صرخة بالإعلام سنكون قد ساعدنا الجامعة العربية التي يرد ممثلنا شكواها بحجج غير مقنعة. وإن لم نرد فسيكون ذلك تضامناً مع الحقارة. الجندي قال لي أن دير ياسين لم تكن قمة البشاعة، هل يصح ان نصرخ على دير ياسين وألا نصرخ على ما هو ابشع.
يجب ان نقيم فضيحة في القنوات الداخلية، ان نطلب تحقيق داخلي وان نعاقب الجناة. وقبل كل شيء يجب ان نقيم في الجيش وحدة خاصة لضبط النفس. انا نفسي اتهم اولاً الحكومة الغير معنية بمحاربة هذه الظواهر وقد تكون تقوم بتشجيعها بشكل غير مباشر. عدم فعل شيء هو (بمثابة) تشجيع. قائدي قال لي بأن هناك امر غير مكتوب بعدم أخذ اسرى، وتفسير “اسرى” هذه أعطي لكل جندي وقائد.

اسير يمكن ان يكون عربي او عربية وطفل عربي. هذا لم يتم فقط في واجهات العرض مثل المجدل والناصرة.
اكتب لك هذا لكي يعرفوا الحقيقة في التحرير والحزب ويقوموا بشيء ذو تأثير. وعلى الاقل ألا ينجروا وراء الدبلوماسية المزيفة التي تغطي على الدم والقتل، وفي حال كان ذلك ممكنناً يجب عدم السكوت على ذلك أيضاً في الصحيفة.

                                                                     كابلان

وقعت مجزرة الدوايمة في 29 أكتوبر1948، ويقدر عدد ضحاياها بالمئات. أجري تحقيق صوري عقب المذبحة، وتم تضليل اللجنة الدولية التي حققت في القضية. في عام 1955، اقيمت على انقاض الدوايمة مستعمرة “أمتسيا” التي يعود اسمها لأحد ملوك يهوذا الذي اشتهر بوحشيته في الحرب.

تتوجه جمعية “فلسطينيات” الى كل من يعرف أية معلومة عن هوية الشهداء وعن ظروف استشهادهم للتواصل معها والمساهمة في توثيق وتثبيت الجريمة التي اقترفت في الدوايمة: “jaburaya@gmail.com”.

 معدة التقرير هي محررة موقع “اللسعة” باللغة العربية.

*تنشر قصيدة “من أجل ذلك” ورسالة الجندي ش.كابلان هنا للمرة الاولى باللغة العربية. ترجمت الرسالة بمساعدة جهاد ابو ريا.

[1]- مِنْ أَجْلِ ذلِكَ: ورد التعبير بكثرة في أسفار الأنبياء، وفي سفر إرمياء خاصة، في سياقات تنطوي على التأنيب والتوبيخ
لأَنَّ الرُّعَاةَ بَلُدُوا وَالرَّبَّ لَمْ يَطْلُبُوا. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ لَمْ يَنْجَحُوا، وَكُلُّ رَعِيَّتِهِمْ تَبَدَّدَتْ.( ارمياء 10: 21)

مِنْ أَجْلِ ذلِكَ تَنُوحُ الأَرْضُ وَتُظْلِمُ السَّمَاوَاتُ مِنْ فَوْقُ، مِنْ أَجْلِ أَنِّي قَدْ تَكَلَّمْتُ. قَصَدْتُ وَلاَ أَنْدَمُ وَلاَ أَرْجِعُ عَنْهُ (ارمياء 4: 28)

[2] – الصيغة السابقة هي “أبناء وبنات” لكنه عدلها بـ”نأتزر بعتاد الحرب” ليؤكد معنى المشاركة الفعلية، وهو ما أيد الفرضية أنه يقصد بلدة اشترك بالفعل في احتلالها.

[3] – التعبير (لاتقولوا هذا في جت)مأخوذ  عن (صمويل الثاني 1: 20)، حيث تعد “جت” احدى المدن الفلسطينية المذكورة في العهد القديم ، والمعنى الحرفي لا تخبروهم في جت (أي كيلا يفرح اعداؤكم الفلسطينيين ويستقووا عليكم)، ويستخدم مجازا درءًا للفضيحة والشماتة.

التعليقات

 

  1. سحر ذباح

    الصراحه اول مره اسمع عن هاي الجرائم وعن الدوايمه!! تصدقي