string(2) "ar"
string(2) "ar" -array(0) { }

"وثيقة كينغ": المرجعية لنظام الأبرتهايد في الداخل الفلسطيني؟

بعد مرور 40 عاماً على اصدار ” وثيقة كينغ”، لا بد من نظرة جديدة وتحليل معمق لهذه الوثيقة للإجابة على السؤال اذا كان بالإمكان اعتبارها  “مستند مؤسس” لكون النظام داخل إسرائيل نظام فصل عنصري بحسب تعريف القانون الدولي.

 

مع تزايد الاصوات التي  تدعو إلى ملاحقة إسرائيل في المحاكم الدولية حول الجرائم ضد الانسانية التي ارتكبتها ولا زالت ترتكبها بحق الفلسطينيين مواطني دولة اسرائيل، خاصةً فيما يتعلق بسياسة التمييز العنصري، نحاول فيما يلي الاجابة على السؤال اذا كان بالإمكان اعتبار “وثيقة كينغ” مرجعية او “مستند مؤسس” لكون النظام في إسرائيل نظام ابرتهايد بحسب تعريف القانون الدولي.

بدايةً نشير إلى انه ليس من السهل ايجاد مستندات واضحة وصريحة صادرة عن الحكومات الاسرائيلية تؤكد بأن النظام في إسرائيل هو نظام ابرتهايد، حيث يحرص النظام على تغطية سياسة التمييز العنصري التي يمارسها بأقنعة ليس من السهل ازالتها لكشف الحقيقة، ولعل وثيقة كينغ كانت اول مستند يشير إلى ذلك بهذا الوضوح.

الأبرتهايد هو جريمة ضد الانسانية حسب بند 7(10) لمعاهدة روما، يجب أن تتوفر فيها ثلاثة شروط: الشرط الاول هو وجود مجموعتين عرقيتين او اكثر: الشرط الثاني هو ممارسة المجموعة العرقية الحاكمة أعمالاًً غير انسانية بحق المجموعة او المجموعات العرقية الاخرى: والشرط الثالث هو ممارسة هذه الاعمال غير الانسانية بشكل ممنهج وممأسس من قبل العرق الحاكم بهدف جعل هذا الوضع دائماً.

في شهر ايلول 1976 نشرت صحيفة “عل همشمار” الإسرائيلية ما بات يعرف باسم “وثيقة كينغ” التي تضم توصيات لكيفية التعامل مع الفلسطينيين داخل دولة إسرائيل والذين يعتبرون مواطنين في الدولة بحسب القانون الإسرائيلي. لا نعرف سبب نشر هذه الوثيقة في ذلك الوقت رغم أنها وثيقة سرية، وفي حين يبقى ذلك للتكهنات والتحليلات بإمكاننا أن نرجح بأن النشر جاء  ضمن مخطط الترهيب والردع الذي تتحدث عنه الوثيقة نفسها.

سميت “وثيقة كينغ” على اسم يسرائيل كينغ، وهو من نسب اليه تحضير هذه الوثيقة بيد أن بعض المصادر تشير إلى أن شخصيات أخرى شاركته في ذلك مثل تسفي الدروتي الذي اعتبر “خبيراً” في الشؤون العربية وتولى عدة مناصب رسمية كان أهمها مدير عام مكتب رئيس الوزراء. أما كينغ فقد تولى منصب مدير عام لواء الشمال في وزارة الداخلية مدة 26 عاما ابتداءاً من عام 1967، واعتبر مسؤولاً مباشراً عن الجزء الاكبر من الفلسطينيين في الداخل والذين يسكنون شمالي البلاد.

تم تحضير “وثيقة كينغ” على مرحلتين، الجزء الاول قبل يوم الارض عام 1976، أما الجزء الثاني (الملحق) فتم تحضيره بعد ذلك. ويستدل منها أن الحكومة الاسرائيلية هي التي اوصت  بتحضيرها لتكون بمثابة توصيات لاستراتيجية  تعامل المؤسسة الإسرائيلية مع المواطنين العرب. تنطلق هذه الوثيقة من فرضية تقول بأن المواطنين العرب، الذين يشكلون خمس المواطنين في الدولة، هم أعداء، متخلفون لا يفهمون الحداثة او الديموقراطية، ويجب التعامل معهم من هذا المنطلق وعلى هذا الاساس.

الوثيقة تعتبر المواطنين العرب “مشكلة”

تبدأ الوثيقة بمقدمة تستعرض “المشكلة” وتنتقد المسؤولين الإسرائيليين والطريقة والادوات التي تم استخدامها حتى ذلك الوقت لحل هذه “المشكلة”. حيث تعتبر الوثيقة أن عقلية المسؤولين الإسرائيليين الذين عالجوا الموضوع كانت “شبيهه بالعقلية العربية، ولم تتميز دائماً بمستوى تفكير وتنفيذ أعلى من ذلك لدى السكان المعالجين ومصالحهم”. وتضيف الوثيقة في مقدمتها أنه لم يكن هناك علاج متعمق وموضوعي “لضمان المصالح اليهودية-القومية على المدى البعيد”، وبأنه “لم يكن هناك تحضير كافي لاعتماد ادوات تضمن ارتباطهم واعتمادهم على المجتمع اليهودي بشكل فعال”.

وتعرض الوثيقة خمسة مواضيع يجب علاجها وهي “المشكلة” الديمغرافية وإفرازاتها القومية العربية، القيادات العربية وتأثيرها، الاقتصاد والعمل، التربية والتعليم وتطبيق القانون. كما تعرض توقعاتها في هذه المواضيع وتوصياتها لحل هذه المشاكل ضمن استراتيجية لتدجين العرب وضمان  تفوق اليهود عليهم.

تشير الوثيقة إلى أن المواطنين العرب لم يعودوا مهزومين كما خطط له، وان التواصل  مع سكان الضفة الغربية ادى إلى “انتصاب قاماتهم” مما ادى بهم إلى التعبير الكلامي عن اراء وطنية، وهذا- بحسب الوثيقة- مرتبط بازدياد أعداد السكان  العرب في الشمال. لذلك توصي الوثيقة  بتوسيع عملية تهويد الجليل وفحص امكانية تهجير السكان العرب من خلال التنسيق التام والكامل بين جميع المؤسسات الحكومية. بالإضافة إلى ذلك تدعو الوثيقة إلى “بذل كل الجهود لتوحيد كافة الاحزاب الصهيونية حول اجماع في موضوع عرب إسرائيل، لإخراجهم من الخلافات السياسية الداخلية”، بمعنى أن لا يكون للممثلين العرب في البرلمان أي تأثير يذكر.

في جزئها الثاني، تذكر الوثيقة بأن “اليهود الذين انيط بهم معالجة هؤلاء السكان” وجعلهم “مخلصين” لدولة اليهود لم ينجحوا في ذلك، و”ان هذه السياسة لم تأخذ بالحسبان الشخصية العربية الشرقية والسطحية وغير العميقة والتي يزيد بها الخيال على الواقع”.  بناءً عليه، توصي الوثيقة ب”تغيير معظم المسؤولين عن الوسط العربي” و”تعيين فريق عمل خاص (المخابرات الداخلية) لتقصي تصرفات قادة “راكح” (الحزب الشيوعي) وشخصيات ضعيفة أخرى ونشر المعلومات لإطلاع الجمهور الذي انتخبهم بالدرجة الأولى”. كما تنادي الوثيقة بتعميق ملاحقة القيادة العربية ومن ضمنها اعضاء الكنيست العرب.

اما في موضوع الاقتصاد والعمل فتشير الوثيقة إلى الخطر الكبير في اعتماد الكثير من فروع العمل في إسرائيل على العمال العرب، وتضيف بلغة عنصرية فاشية أن العرب نجحوا بجمع “سيولة نقدية كبيرة”،  وأن “الضمان الاجتماعي والاقتصادي الذي يحرر الفرد والعائلة من الهموم والضغوطات اليومية تعطي العمال، بعلم او بغير علم، امكانية التفرغ لتعاطي أفكار اجتماعية-وطنية”. لذلك توصي الوثيقة بتحديد عدد العمال العرب في المصانع، وتفضيل تشغيل العمال اليهود على العرب. كما توصي بالعمل على ادخال المواطنين العرب إلى ظروف اقتصادية صعبة لكي لا يتفرغوا إلى العمل والنشاط الوطني.

وتضيف الوثيقة بأنه “على الحكومة ايجاد سبيل لحرمان العائلات العربية كثيرة الأولاد من المخصصات، سواء عن طريق ربط هذه بالوضع الاقتصادي او نقلها من يد التأمين الوطني إلى الوكالة اليهودية او الوكالة الصهيونية لتصبح موجهه لليهود فقط”.

في موضوع التربية والتعليم وسط الشباب العرب، ترى الوثيقة بأن ازدياد تعليمهم يشكل خطراً يجب مواجهته، وتوصي باتخاذ اجراءات لتقليص عدد المتعلمين العرب وتشجيع “توجيه الطلاب إلى مواضيع مهنية دقيقة وعلوم طبيعية، المجالات التي تبقي وقتاً قليلاً للتفرغ للأعمال الوطنية” . كما توصي الوثيقة ب”تسهيل السفر إلى الخارج من أجل التعليم وإلى جعل عودتهم وإمكانية إيجادهم للعمل صعبة- هذه السياسة قد تشجع هجرتهم”.

أما فيما يتعلق ب”تطبيق القانون” فتشير الوثيقة إلى أن العرب يخالفون القانون بشكل كبير لا سيما في موضوع  البناء، وتوصي في هذا السياق بتشديد الرقابة عليهم وملاحقتهم كوسيلة لردعهم.

بعد يوم الارض الاول في 30 اذار 1976، ونجاح الاضراب العام في الداخل الفلسطيني والالتفاف الجماهيري الواسع حول القيادة العربية، تم اصدار الجزء الثاني للوثيقة او الملحق. وقد وجد المسؤولون عن تحضير الوثيقة فيما جرى بيوم الارض تمرداً وعصياناً مدنياً يشرعن توصياتهم العنصرية والحاجة إلى التشديد والرقابة الأوسع على السكان العرب، وأوصوا بتعيين لجان حكومية لتنفيذ ما جاء في الوثيقة.

هل تبنت الحكومة الإسرائيلية الوثيقة؟

لا شك أن ما جاء في هذه الوثيقة من تمييز عنصري ضد المواطنين العرب يشكل دستوراً نموذجياً لنظام ابرتهايد ينظر إلى العرب على انهم سطحيون ومتخلفون بحاجة إلى معالجة خاصة ومراقبة دائمة، ويسعى إلى خلق واقع فاشي يلاحق العرب في شتى المجالات، يشجعهم على الهجرة ويحرمهم من حقوقهم الشرعية كمواطنين في الدولة بينما يعمل بالمقابل على رفع الامتيازات لليهود، ويبحث عن طرق تحايل التفافية لتنفيذ مشاريع عنصرية مثل نقل بعض الصلاحيات إلى مؤسسات شبه رسمية، مثل الوكالة اليهودية او الوكالة الصهيونية، لخدمة اليهود فقط. أضف إلى ذلك،  بأنه يعمل على توحيد الاحزاب اليهودية لمنع اي تأثير للأحزاب العربية داخل البرلمان.

هذه الوثيقة تم تبنيها كمرجعية وكمستند مؤسس، وتنفيذ توصياتها من قبل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كإستراتيجية متفق عليها ضد المواطنين العرب بحيث أصبحت بمثابة الدستور الأساسي  لنظام الفصل العنصري المطبق في الداخل الفلسطيني.

ليست بأيدينا وثائق أو مستندات رسمية تثبت أن الحكومة الإسرائيلية قد تبنت هذه الوثيقة. من المعروف في النظام السياسي والقانوني الإسرائيلي أن قرارات لجان التحقيق المعينة تلزم الحكومة الإسرائيلية، لكننا لا نعرف ما هي الوضعية القانونية للجنة المحددة التي حضرت الوثيقة. على اية حال فإن الوظيفة الحكومية التي كان يتولاها كل من يسرائيل كنيغ كمدير عام لواء الشمال في وزارة الداخلية وتسفي الدروتي كمدير عام مكتب رئيس الحكومة، تمنح هذه الوثيقة صبغة رسمية وتلقي واجب الاثبات على الحكومة الإسرائيلية لتبين بأنها رفضت هذه الوثيقة ولم تتبناها.

تبقى أمامنا امكانية فحص تبني الحكومة الإسرائيلية لهذه الوثيقة العنصرية من خلال فحص الممارسات على أرض الواقع والتي تبين بشكل قاطع ولا يقبل التأويل بأنها اصبحت استراتيجية التزمت بها جميع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

فبعد اصدار هذه الوثيقة، بدأت عملية ضخمة لتهويد الجليل تحت اسم “مخطط تطوير الجليل” اقيمت خلالها عشرات المستعمرات “لليهود فقط”، ونقل مئات الآلاف من اليهود للسكن بالجليل، بينما عملت الحكومات المتعاقبة بالمقابل على تشجيع هجرة العرب خارج البلاد. واستمرت مضايقة المواطنين العرب من خلال مصادرة اراضيهم وسلب املاكهم ومحاولة هزم نفسيتهم فيما يسمونه “كي الوعي”، ولعل أكبر اثبات على ذلك كان ما جرى في شهر اكتوبر من عام 2000 عندما قتلت قوات الجيش والشرطة ثلاثة عشر مواطناً عربياً دون أي سبب في محاولة لردع الجمهور العربي من رفع رأسه والمطالبة بحقوقه.

ورغم مشاركة الاحزاب العربية في الانتخابات للبرلمان في إسرائيل إلا انه لا يوجد لهم أي تأثير على مجريات الامور، بما يتماشى مع توصيات الوثيقة لإبقاء الممثلين العرب خارج الخلافات الداخلية، وكل ذلك بتوحيد الاحزاب الصهيونية ضد أية مشاركة فاعلة للأحزاب العربية باتخاذ القرارات.

أما مخصصات التأمين الوطني للأطفال والتي كان العرب يحظون بجزء متساو منها مثلهم مثل الاطفال اليهود فقد قلصت بشكل كبير جداً. من مراجعة مخصصات التأمين الوطني للأطفال نرى أنها حتى عام 1976 كانت في ارتفاع مستمر ومنذ ذلك العام بدأت بالتراجع، بيد أنه تم ايجاد قنوات أخرى لتعويض الاطفال اليهود عبر دفع مخصصات ومكافآت يحصل عليها من يخدمون في الجيش.

بخصوص دور الوكالتين اليهودية والصهيونية الفاشيتين فلم ينط بهن دفع مخصصات التأمين الوطني للأطفال وانما نقلت لهن صلاحيات التطوير ومن ضمنها الميزانيات الضخمة التي وصلت إلى مليارات الدولارات والتي تم ضخها إلى البلدات اليهودية فقط بادعاء أن هاتين الوكالتين تعملن لخدمة اليهود فقط.

إلى ذلك، فقد تم اخضاع التعليم العربي في البلاد إلى جهاز المخابرات العامة بحيث لا يمكن تعيين مدير أو حتى معلم دون موافقة المخابرات، ولم يسعف التوجه إلى المحاكم الإسرائيلية لتقليص دور المخابرات في هذه التعيينات. كذلك فان مضامين التعليم قد اخضعت إلى “المختصين” في محاولة لترويض السكان العرب وجعلهم “مخلصين” كما ذكر في الوثيقة.

أما بخصوص “تطبيق القانون” وافقار السكان العرب فقد اصدرت السلطات الإسرائيلية أوامر هدم بحق نحو 50000 بيت وفرضت على المواطنين العرب غرامات باهظة وصلت إلى مئات الملايين من الدولارات مما ادى إلى انهاكهم وافقارهم بمى يتماشى إلى حد كبير مع التوصيات التي سوقتها الوثيقة.

من هنا, فإنني اجزم أن هذه الوثيقة تم تبنيها كمرجعية وكمستند مؤسس، وتنفيذ توصياتها من قبل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كإستراتيجية متفق عليها ضد المواطنين العرب بحيث أصبحت بمثابة الدستور الأساسي  لنظام الفصل العنصري المطبق في الداخل الفلسطيني.

محامي وناشط، مؤسس مجموعة “فلسطينيات”. 

* نشرت المقالة للمرة الأولى باللغة الانجليزية على موقع “Middle East Eye”.

التعليقات