وزارة التربية تساهم في طمس الخط الأخضر

“لا يوجد خط أخضر” هذا ما قاله قبل بضعة أشهر وزير التربية بنيت: مراجعة مناهج التعليم المعتمدة في المدارس تظهر بأن سياسة وزارة التربية التي تساهم في طمس الخط الأخضر ليست بجديدة- هذه سياسة تربوية مستمرة ومتعمدة تنطوي على الكثير من المكر.
افنير بن عاموس

 

قبل حوالي الأسبوعين شارك وزير التربية، نفتالي بنيت، على صفحته الرسمية على الفيسبوك رسم كاريكاتير لشاي تشركا من صحيفة “مكور ريشون” يظهر فيه وهو يمسك مساحة ويمحو الخط الأخضر بمساعدتها: على قنينة سائل التنظيف الموضوعة جانباً كتب بأحرف كبيرة “التسوية”، والقصد طبعاً هو بأن قانون “التسوية”، الذي مر، من ضمن أمور أخرى، بفضل الجهود الحثيثة للوزير، يؤدي عملياً إلى محو الخط الأخضر لأنه يسمح بتدخل الكنيست في الحاصل بالأراضي (المحتلة).

ربما يعتبر بنيت بالدرجة الاولى وزير المستوطنات ومن يدفع بإتجاه ضم الأراضي (المحتلة) ولكن ممنوع بأن ننسى بأنه أيضاً وزير تربية كل أولاد إسرائيل. لهذا، فحتى اذا ما قررت محكمة العدل العليا بنهاية المطاف ابطال القانون ستبقى للوزير قبعته الثانية التي يستطيع من خلالها الاستمرار بتشجيع محو الخط الأخضر وكينونة الاحتلال من وعي التلاميذ. قبل بضعة أشهر، كما نذكر، أعلن بنيت بأن تلاميذ إسرائيل لن يتعلموا عن الخط الأخضر أو عن الفروقات بين البلدات التي تتواجد ما بعد الخط الأخضر وتلك التي تتواجد داخله. “لا يوجد خط أخضر. هناك إسرائيل واحدة. لا فرق بين ولد في كرني شومرون، نتيفوت، أريئيل أو عوفرا. أنا وزير تربيتهم جميعاً. نحن نعلم عن مجمل بلاد إسرائيل دون تفرقة” (5.4.2016، موقع NRG). الذكرى الخمسين لحرب الستة أيام التي ستحل قريباً هي فرصة جيدة لنفحص كيف يعرض جهاز التربية الرسمي قضية الأخط الأخضر وما يجري في الأراضي التي احتلت بعام 1967.

בנט מוחק את הקו הירוק
“صحيح”، هذا ما كتبه بنيت فوق رسم الكاريكاتير على الفيسبوك

أين من المحتمل بأن نجد تطرق لهذه المواضيع بجهاز التربية؟ من بين مواضيع التعليم، من المفترض بأن تتواجد هذه القضايا بثلاثة مجالات تتعلق بالسكان الإسرائيليين، بالزمن والحيز الذي يتواجد به هؤلاء: التربية للمواطنة، الموضوع الذي يتعاطى من ضمن أمور أخرى مع قضايا السيطرة السياسية، حقوق المواطن والديمقراطية: التاريخ الذي يشمل الثلث الأخير من القرن العشرين أيضاً: والجغرافيا التي تشمل الحيز بين البحر المتوسط ونهر الأردن. نظرة سريعة لما يقدم في هذه المواضيع بالعشرين سنة الأخيرة يظهر بأن الخط الأخطر والاحتلال لم يختفوا عنها تماماً ولكنهما يعرضان بطريقة سطحية، منقوصة ومشوهه.

تعليم المواطنة، الذي يعتبر تعريف دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية عموده الفقري، يركز بشكل حصري تقريباً على السكان الإسرائيليين داخل الخط الأخضر. بمناهج التعليم لموضوع المدنيات بالسنوات 2002 و-2011 يذكر الاحتلال بشكل عابر فقط، مثلاً بواسطة ذكر “غوش امونيم” و-“سلام الآن” في معرض الفصل الذي يتحدث عن الحركات غير البرلمانية، أو في معرض التطرق لمكانة محكمة العدل العليا بالأراضي (المحتلة) والعلاقة بين عرب إسرائيل والفلسطينيين. في كتب التعليم المعدة للمرحلة الثانوية، يظهر الاحتلال بشكل عام بطريقة غير مباشرة، في الفصل الذي يتناول الشرخ الايديولوجي-السياسي والنقاش بين “اليمين” و”اليسار” حول مستقبل الأراضي (المحتلة). ويأتي تركيز الفصل على المواقف المختلفة وسط المجتمع الإسرائيلي وكيف يعبر عنها بينما الاحتلال نفسه، السكان الفلسطينيين والتغييرات التي طرأت بالأراضي (المحتلة) منذ 1967 تبقى في منطقة الظل. ومن المثير للانتباه بأنه في امتحانات البجروت (الامتحانات النهائية) بموضوع المواطنة التي اجريت بين السنوات 2000-2016 لم يظهر أي سؤال حول الشرخ الأيديولوجي-السياسي: معنى ذلك بأن المعلمين لن يهتموا بتدريس هذه المادة حتى عندما يظهر الفصل في كتاب التعليم.

تعليم التاريخ: على الرغم بأن الحديث عن ماضي يعتبره المؤرخون قريباً نسبياً، فإن منهاج التعليم بموضوع التاريخ للمرحلة الثانوية يشمل الفترة التي تقع بين حرب الستة أيام ومنتصف سنوات التسعينات من القرن العشرين. المنهاج بعام 2003 يذكر “صعود السؤال الفلسطيني”، “علاقات إسرائيل والفلسطينيين” و”اتفاقيات اوسلو”: أما منهاج 2015 فيقلص هذه القضايا ويركز على حرب الستة أيام ويوم الغفران واتفاقيات السلام مع مصر والأردن، ويذكر الفلسطينيين بشكل عابر كما يمتنع عن التطرق لاتفاقيات اوسلو. بما يتوافق مع ذلك، أيضاً كتب تعليم التاريخ التي صدرت بسنوات التسعين وبالعقد الاول من القرن الواحد وعشرين تتعاطى باقتضاب مع التغييرات التي طرأت بالأراضي المحتلة بعد 1967، وبتوسع أكبر مع الصراع السياسي حول مستقبل هذه الأراضي. من مراجعة أسئلة امتحانات البجروت بموضوع التاريخ التي اجريت بين الأعوام 2000-2016 يتضح بأن السؤال الوحيد الذي كانت له علاقة- غير مباشرة- بالاحتلال تطرق إلى تأثيرات حرب الستة أيام على دولة إسرائيل. أيضاً في هذه الحالة اذاً تم اقصاء الاحتلال إلى هوامش الوعي ليبقى النقاش الايديولوجي بالمجتمع الإسرائيلي داخل الخط الأخضر بمثابة مركز النقاش التاريخي.

حضور الاحتلال الضئيل في مواضيع التعليم ذات الصلة لم يبدأ اذاً في الأمس. هذه سياسة تربوية مستمرة ومتعمدة تنطوي على الكثير من المكر: فهي لا تنكر سيطرة دولة إسرائيل على الأراضي لكنها تحول هذه القضية لشأن يخص الشعب اليهودي.

على الاختلاف من المواطنة والتاريخ، وهي مواضيع الزامية للحصول على شهادة بجروت، فإن موضوع الجغرافيا هو من بين المواضيع الاختيارية. مع ذلك فهناك أهمية لمراجعة الخرائط التي تظهر في كتب الجغرافيا لأنها تعبر عن رؤية وزارة التربية المكانية-السياسية بخصوص المنطقة الممتدة بين البحر المتوسط ونهر الأردن، وهي تؤثر أيضاً على الطريقة التي يتصور فيها التلاميذ هذه المنطقة. يجب أن نعير اهتماماً خاصاً لقضية الخط الأخضر: لوجوده أو غيابه عن الخرائط في كتب التعليم. هذا الخط محي من الخرائط الرسمية بحسب قرار حومة إسرائيل من عام 1967 ولكن في عام 2006 طلبت وزيرة التربية في حينه، يولي تمير، ارجاعه لكتب التعليم- وهي الخطوة التي أثارت خلافاً سياسياً شديداً ولكنها لم تغير شيئاً في الكتب نفسها.

صحيح بأن المنهاج التعليمي بموضوع الجغرافيا للمرحلة الثانوية يتطرق لتاريخ حدود أرض إسرائيل ودولة إسرائيل، ويذكر الخط الأخضر حتى، إلا أن كتب التعليم بالجغرافيا تعرض صورة مختلفة. مراجعة خريطة الدولة التي تظهر بثلاثة كتب تعليمية بموضوع الجغرافيا تظهر نتائج شبيهه: في كتاب معد للمرحلة الابتدائية لا يظهر الخط الأخضر اطلاقاً أما مناطق A للسلطة الفلسطينية فتظهر كبقع منعزلة: الكتب المعدة للمراحل الاعدادية والثانوية تشمل بعض الخرائط التي تظهر تاريخ الحدود السياسية لإسرائيل بما يشمل الخط الأخضر ولكن الخريطة التي تظهر إسرائيل الحالية تشبه تلك المعتمدة بالمرحلة الابتدائية. بحسب هذه الخرائط، دولة إٍسرائيل تمتد عملياً من البحر حتى الأردن باستثناء بعض الجيوب الفلسطينية الصغيرة التي توصف كبقع مغبشة.

حضور الاحتلال الضئيل في مواضيع التعليم ذات الصلة لم يبدأ اذاً في الأمس. هذه سياسة تربوية مستمرة ومتعمدة تنطوي على الكثير من المكر: فهي لا تنكر سيطرة دولة إسرائيل على الأراضي لكنها تحول هذه القضية لشأن يخص الشعب اليهودي. الفلسطينيون يبقون خلف الستار ويثبون من ورائه فقط بدور ارهابيين أو عندما يعيقون مساعي الاستطيان اليهودي. الاستيطان يوصف في كتب التعليم ك”توسيع السيطرة” أو “السيطرة على أراضي يهودا والسامرة وقطاع غزة”، كما أنه يبدو طبيعياً للغاية. هكذا يصبح بالإمكان تجاهل الواقع اليومي السائد بالأراضي (المحتلة)- مضايقة السكان الفلسطينيين، سرقة الأراضي، أعمال القتل غير المبررة- وتحويل الأنظار جانباً. بهذا تساهم وزارة التربية مساهمة كبيرة في استمرار سيطرة إسرائيل العنيفة على الأراضي المحتلة: بما أن الاحتلال غير معرف كهذا، فلا يمكن مناقشته- وكم بالحري محاربته.

محاضر بتاريخ التربية في جامعة تل أبيب، عضو سكرتارية منتدى التعايش في النقب للمساواة المدنية وعضو بالهيئة الادارية لأمنستي- إسرائيل.

*المقالة هي ملخص لمقالة أوسع ستنشر قريباً بكتاب من اصدار “كتب نوفمبر” بتحرير يشاي منوحين تحت عنوان “500 مفهوم، شهادة وتعبير عن الاحتلال”.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.