string(2) "ar"
string(2) "ar" -array(0) { }

"لا أملك إلا الأحلام": شعر أيزيدي بالعربية والعبرية

بعد هذه الكارثة / كثرت المقابر / وكذلك الشعراءْ! كتاب جديد يجمع بين طياته أشعاراً معاصرة لشعراء وشاعرات أيزيديين بكلا اللغتين- العربية والعبرية- في ظل الفاجعة التي حلت بالشعب الأيزيدي منذ غزو “داعش” في آب 2014.
خاص باللسعة

 

صدرت عن سلسلة “مكتوب- أدب عربي بالعبرية” حديثاً مختارات من الشعر الأيزيدي تحمل عنوان “لأ أملك إلا الأحلام”، وتتضمن أشعاراً معاصرة لشعراء وشاعرات أيزيديين في ظل الكارثة التي ألمت بهذا الشعب منذ عام 2014 عندما هجروا من بيوتهم بعد أن غزت قوات تنظيم “داعش” أماكنهم. وقد عمل على ترجمة الأشعار عيدان برير، الباحث في الشأن الأيزيدي، وقام بتحريرها الشاعر والأديب ألموج بيهار. وتصدر هذه المقتطفات الشعرية كإصدار ثنائي-اللغة حيث تظهر الأشعار باللغة العبرية ومقابلها اللغة العربية لا سيما وأن بعضها ينشر للمرة الأولى أيضاً بالعربية.

نورد فيما يلي بعض من كلمة المترجم التي وردت في خاتمة الكتاب، تليها أشعار مختارة من الكتاب.

                                                                عيدان برير

بعد هذه الكارثة / كثرت المقابر / وكذلك الشعراءْ! (ص 105)، بهذه العبارات لخّص الشاعر الأيزيديّ سعيد ذيبان وضع الشعب الأيزيديّ في الفترة الممتدّة من الثالث من آب 2014، حين غزت قوّات داعش مناطق الأيزيديّين في شنكال في شمال العراق (أو باسمها العربيّ سنجار) والتي تبعُد عن مدينة الموصل نحو 120 كلم غربًا، وحتّى اليوم. سنتناول لاحقًا المقابر، وبشكل خاصّ الشعراء الذين يأتي ذيبان على ذكرهم. لكن، علينا بداية أن نتوقّف عند الفاجعة التي يشير إليها بيت الشعر التالي: غزا مقاتلو داعش المناطق الأيزيديّة استنادًا إلى خطّة أعلنوا عنها مسبّقًا، وتسعى إلى القضاء على وجود الأيزيديّة دينًا ومجتمعًا وأفرادًا.

الأيزيديّون هم أتباع ديانة من ديانات الشمس القديمة في بلاد الرافدين، والتي تأثّرت بالعديد من ديانات المنطقة، يتحدّثون الكرديّة، ويعتبرهم الإسلاميّون “من عبدة الشيطان”. وعليه، فهم “أسوأ الكفّار”، ومصيرهم الموت إذا لم يعتنقوا الإسلام من دون أيّ شرط، وهو الأمر الذي كان واضحًا وجليًّا بأنّهم لن يقبلوا به. مع غزو قراهم، نجح معظم السكّان الأيزيديّين في الفرار، بقواهم الذاتيّة، باتّجاه الشمال إلى إقليم كردستان الذي يتمتّع بالحكم الذاتيّ في شمال العراق، لكنّ نحو 80,000 فرد منهم لم يُسعفهم الحظّ في الفرار، وما لبثوا أن وجدوا أنفسهم على جبل شنكال أيّاما وأسابيع، محاطين من الجهات كافّة بمقاتلي داعش، ومعزولين عن القوّات الصديقة التي يمكنها أن تساعدهم. الكثير من المحاصرين على الجبل، ومن بينهم نساء وأطفال وشيوخ وذوي احتياجات خاصّة، جلسوا في العراء تحت شمس الصحراء الحارقة، تضوّروا جوعًا وماتوا إمّا مرضًا أو بعد أن خارت قواهم خلال فرارهم من وجه مقاتلي داعش، في سير متواصل، على الأقدام، استمرّ أيّاما طويلة.

أدّت الفاجعة التي حلّت بالشعب الأيزيديّ، في ذلك اليوم العصيب، إلى اندثار النسيج الاجتماعيّ الأيزيديّ، وسقوط نحو 10,000 قتيل، وسَبْي أكثر من 7,000 امرأة أصبحن جواري وخادمات عند أعضاء المنظّمة الإرهابيّة التكفيريّة، كما أفضت إلى نزوح نحو نصف مليون أيزيديّ عن بيوتهم وإقامتهم في مخيّمات للّاجئين في كردستان العراق وسوريا وتركيا. بعد ثلاثة أيّام من غزو داعش شنكال، استغلّت المنظّمة هذه الدفعة الكبيرة التي حصلت عليها، وكذلك ارتباك القوّات الكرديّة وضعفها، فغزت مناطق واسعة في سهل نينوى، وهي منطقة تسكنها أقلّيّات أيزيديّة ومسيحيّة شرقيّ وشماليّ مدينة الموصل، سبق لداعش أن احتلّها.

שירה אזידית
مغلف كتاب “لا أملك إلا الأحلام”، إصدار “مكتوب”، تموز 2017

سيطرت داعش على مدن وقرىً يسكنها أبناء الأقليات، من المسيحيّين خاصّة، وخلال ذلك سيطرت على بعشيقة وبحزاني، مدينتين مجاورتين تشكّلان تواصلًا واحدًا يقع على بعد 15 كلم شرقي مدينة الموصل، واللتين يسكنهما نحو 30,000 أيزيدي. هاتان المدينتان اللتان اشتهر سكّانهما بأنّهم يتحدّثون العربيّة، مثقّفون ووضعهم الاقتصاديّ جيّد نسبيًّا، أصبحتا خاليتين من سكّانهما الذين اضطرّوا إلى البحث عن ملجأ لهم في كردستان العراق، ومع دخول الجهاديّين إليهما، تهدّمتا بالكامل تقريبًا، وانتُهكت حرمة دور العبادة فيها، وتمّ تفجيرها.

أمّا بالنسبة للأيزيديّىن أنفسهم، فإنّ الشعور بالخذلان والخيانة من جانب الجيران غير الأيزيديّين في شنكال، الذين ساعد الكثيرون منهم مقاتلي داعش في القبض على الأيزيديّين والسيطرة على ممتلكاتهم، كان لا يقلّ حدّة عن أثر الفاجعة التي حلّت بهم. إلى جانب خيانة الجيران، عانى الأيزيديّون خلال الفاجعة ممّا يعتبرونه خيانة أخرى، أشدّ من سابقتها، وهذه المرّة من جانب السلطات الكرديّة. حتّى ذلك الوقت، قدّمت السلطات الكرديّة نفسها وكذلك قوّات البيشمركة، الجيش الكرديّ، في شمال العراق، على أنّها وصيّة على الأيزيديّين، وعلى أنّها تضحّي بأرواح رجالها دفاعًا عن الأيزيديّين، كما أنّها ستقاتل حتّى آخر رمق في سبيل أمن وسلامة هذا الشعب، مع أنه عدا عن مجموعات أيزيدية صغيرة، التي عاشت بجوار مدينة دهوك في إقليم كردستان، معظم المناطق الأيزيديّة كانت خارج منطقة الهيمنة المتّفق عليها التابعة لإقليم كردستان. لكن عندما آن الأوان للوفاء بالتزامات الماضي، انسحبت قوّات البيشمركة الكرديّة من منطقة شنكال من دون قتال، مخلّفة وراءها الأيزيديّين سكّان المنطقة مكشوفين بالكامل في وجه ألدّ أعدائهم الذين أتوا لإبادتهم.

هذه الأحداث في شنكال ومدينتي بعشيقة وبحزاني هي نقطة البداية لهذه المجموعة. جميع القصائد المختارة هنا نُظمت على ضوء الأحداث، بتأثيرها وبإلهام منها. تجدر الإشارة، في مستهلّ تطرّقنا إلى الموضوع، إلى الحقيقة التي بالتأكيد تطفو على السطح وتبرز من خلال القصائد نفسها: فاجعة صيف 2014 لم تكن الأولى التي حلّت بالشعب الأيزيديّ، ومن حيث عدد القتلى فيها، لم تكن الفاجعة الأشدّ التي حلّت بهم، لكنّ خطورتها تتجلّى في تحطيم الشعب بالكامل وتحويله إلى مجتمع لاجئين مشرّد ومهجّر، فرص عودته إلى وطنه ضئيلة. بهذا الشكل أصبحت هذه الفاجعة ذات أبعاد دراماتيكية جدًّا ونقطة تحوّل في تاريخ الشعب الأيزيديّ. عانى الأيزيديّون على مدى القرون الماضية من اضطهاد وملاحقات متكرّرة من جانب جيرانهم ومن جانب القوى التي سيطرت على أماكن سكناهم، وكان ذلك، على الأغلب، على خلفيّة ديانتهم الخاصّة التي اعتبرت في نظر الإسلام والمسلمين كفرًا، وكذلك بسبب انغلاقهم الاجتماعي نسبيًّا واتّهامهم- على الأقلّ حتّى منتصف القرن العشرين- بأنّهم قُطّاع طُرُق. في أحداث دامية جرى توثيقها في القرن الـ19 ذُبح مئات آلاف الأيزيديّين، وأُكره الآلاف منهم على اعتناق الإسلام كما دُنّست أماكنهم المقدّسة وخُرّبت وهُدمت.

على الرغم من ذلك، إلّا أنَّ الأحداث الأخيرة في شنكال كانت خارجة عن المألوف في عدّة جوانب، منها عدد الضحايا والنازحين، الذي كان استثنائيًّا حتّى بمصطلحات الحرب الأهلية التي تدور رحاها في العراق منذ أكثر من عقد؛ العدوّ الشرس الذي سرعان ما جعل من نفسه عدوًّا للعالم أجمع، ولا زال يشغل معظم دول الغرب والشرق الأوسط؛ مخطّط الإبادة الفظيع والبشع الذي أُعلن عنه مسبّقًا والذي تضمّن، إضافة إلى القتل، سبي النساء واستعبادهنّ، وتغطية إعلامية دولية واسعة لم يسبق لها مثيل. إلى جانب كلّ هذه الأمور، فإنَّ حقيقة أنَّ الأغلبية الساحقة من أبناء وبنات الشعب الأيزيديّ لم تختبر المطاردات الهائلة التي شهدها أجدادهم في الماضي، ولم تعان أضرارها بشكل شخصي، جعلت الفاجعة الحاليّة أصعب وذات وَقْع أشدّ، حتّى على الشعب الأيزيديّ نفسه.

“سبعة وأربعين إبادة

يذكر الأيزيديّون، المرّة تلو الأخرى، أنه على مرّ التاريخ الطويل لبلاد ما بين النهرين والعراق، عانى مجتمعهم القديم من 74 حملة قتل وإبادة، كما ورد في قصيدة حجي خلات المرشاوي “أيزيديٌّ أنا”، التي يستهلّها بالكلمات “أحملُ وجع سبعة وأربعين إبادة / ومليونَ عامٍ من البكاءِ” (ص 27) إنَّ الأيزيديّون في نظر أنفسهم هم ضحايا أبديون للاضطهاد والملاحقة المنهجيّيْن من جانب الحكّام، ومن جانب تيّارات إسلامية راديكالية تلاحقهم بسبب اختلافهم وكونهم “الآخر” المحض، ولكونهم “كفّارًا”. إلى جانب الشعور العامّ لدى الشعب الأيزيديّ، ذي وجهة النظر التاريخيّة المتطوّرة جدًّا بالنسبة لموقع مجتمعهم في نسيج الأديان والحضارات والهويّات في العراق بأنه الضحيّة الأبدية، نجد أنَّ الأيزيديّين يطوّرون شعورًا عامًّا آخر هامًّا أيضًا، يتمثّل في أسطورة البطل الذي يواجه محاولات متكرّرة لإبادته وإكراهه على اعتناق الإسلام، لكنّه يتمسّك بديانته ومكّنها من الصمود والبقاء على مدار سنوات، لا بل وأنه حارب ضدّ قوى أعتى وأقوى منه أيضًا، ليتيح استمرار وجوده المنفرد. في هذا السياق، هناك أهمّيّة لأن نفهم ما هي عمليًّا هذه “الأيزيديّة”، التي بسببها طورِد المنتمون إليها، وما هي مركّبات ومميّزات الهويّة الجماعيّة الأيزيديّة. هل يمكن تعريف الأيزيديّين بناءً على انتمائهم الديني فقط، أم أنَّ الهويّة الأيزيديّة تشمل مميّزات أخرى غير دينيّة؟

ايزيديون في سوريا2
ايزيديون مهجرون

تنتمي الديانة الأيزيديّة إلى ديانات عبادة الشمس القديمة التي كانت منتشرة في بلاد ما بين النهرين، كانت هذه الديانة ومثيلاتها منتشرة في الحيّز الجغرافي في بلاد ما بين النهرين، حوْضَي الفرات ودجلة، بين السومريّين، والأشوريّين، والبابليّين، والحوريّين، وهناك من يقول لدى شعوب مصر أرض كنعان وشبه الجزيرة العربيّة أيضًا. يجد باحثون مختلفون، ومن بينهم باحثون من أبناء الشعب الأيزيديّ، أوجه شبه بين الديانة الأيزيديّة والديانة الزرادشتيّة الإيرانية التي ظهرت في وقت لاحق، والتي تستند إلى مبدأ الثنوية، أي الصراع بين النور والظلام وبين الخير والشرّ، إلى طقوس عبادة النار وإلى أحكام الطهارة وتجنّب النجاسة. لا يعني هذا أنَّ الديانة الأيزيديّة هي نسخة عن ديانات عبادة الشمس القديمة أو الزرادشتيّة، كما أنّها ليست صيغة عصريّة لها. يقف على رأس الهرم الدينيّ الأيزيديّ الإله، خودا (وبالكرديّة- خالق نفسه) وتحته سبعة ملائكة عيّنهم مسؤولين عن الأرض وساكنيها. يُسمّى كبير هؤلاء الملائكة في الديانة الأيزيديّة طاووس ملك، أي الملك الطاووس أو الملاك الطاووس، الذي هو تجسيد الخير الإلهيّ في الدنيا. أمّا الاسم أيزيديّ فمشتقّ من الكلمة أزدا التي تعني الخبز باللغة الكرديّة-  وهي اللغة الأمّ لغالبيّة الأيزيديّين ولغة المزامير المقدّسة في الديانة الأيزيديّة- ويعني الاسم الذي خلقني (أي الذي خلقه الإله خودا).

تعتبر الديانة الأيزيديّة خليطًا يوفّق بين الأديان، وقد استوعبت على مدار السنوات تأثيرات من ديانات وحضارات مختلفة وضمّنتها في تعاليمها وشرائعها. وعليه، يرى بعض الباحثين أنّ تأثيرات هيلينية قد دخلت إلى الديانة الأيزيديّة في فترات الحروب اليونانيّة–الفارسيّة، إضافة إلى تأثيرات متأخّرة من ديانات توحيديّة ظهرت في المنطقة، أما التأثير الأبرز على الديانة الأيزيديّة فيتمثّل في الإسلام: انخرط في الديانة الأيزيديّة في منطقة كردستان رجل دين صوفي أصله من منطقة البقاع في لبنان، في القرن الـ13، كان اسمه الشيخ عدي بن مسافر (الملقّب عادة بالشيخ عدي)، وسرعان ما أصبح قائد المؤمنين الأيزيديّين والمُصلح الأكبر في الديانة الأيزيديّة. كجزء من إصلاحات الشيخ عدي، تبنّت الديانة مبنًى اجتماعيًّا هرميًا كما هو متّبع في الطرق الصوفية، كما تبنّت مميّزات عقائدية إسلامية مختلفة، وخاصّة من الصوفيّة الإسلاميّة. إلى جانب هذا التأثير الإسلامي، استوعبت الديانة الأيزيديّة، مع مرور السنوات، مميّزات عقائدية من ديانات مختلفة انتشرت في المنطقة، بما في ذلك اليهوديّة والمسيحيّة.

من أبرز مميّزات الديانة الأيزيديّة على مرّ تاريخ وجودها، وبالرغم من كلّ التأثيرات الخارجية فيها، هو كونها ديانة شفويّة؛ أي ديانة تنتقل تعاليمها وتقاليدها شفويًّا بين الأجيال. لا تضمّ الديانة الأيزيديّة نصوصًا مقدّسة، بل انتقلت تعاليمها شفويًّا من جيل إلى آخر. أمّا بالنسبة لادّعاءات مختلفة طرحها على مرّ السنوات باحثون ورحّالة أوروبّيّون والتي مفادها أنه تمّ العثور على كتابَين مقدّسَين أيزيديَّين (الكتاب الأسود وكتاب الوحي)، فقد نفاها رجال الدين الأيزيديّىن نفيًا قاطعًا. صحيح أنَّ هذين الكتابين يضمّان أُسسًا معيّنة ترِد بالفعل في الروايات والميثولوجيا الأيزيديّة، إلّا أنه يبدو أنهما ليسا إلّا مجموعة من القصص الشفويّة التي سمعها رحّالة أوروبّيّون، وبالصدفة، من أيزيديّين، وليست لهما أي قيمة أو أهمّيّة في نظر الأيزيديّىن.

إنَّ عدم وجود إرث ديني مكتوب لدى الأيزيديّين، كما هي الحال في ديانات أخرى كثيرة سبقت الديانات التوحيديّة التي تقدّس الكتب المقدّسة، تضمّنت ثلاثة إسقاطات رئيسية على الشعب الأيزيديّ الذي بقي حتّى يومنا هذا مجتمعًا شفويًّا: أوّلها عدم وجود شريعة مكتوبة، صعّب على معظم طبقات الشعب الأيزيديّ معرفة أسرار وخبايا الديانة الأيزيديّة عن قرب. ثانيها، النقل شفويًّا، الذي يكون بطبيعته ديناميكيًّا ويميل إلى التغيّر، أدّى إلى نشوء روايات محلّية كثيرة في مختلف المناطق الأيزيديّة، والتي حتّى لو كانت نواتها التاريخيّة مشتركة، إلّا أنها مع مرور السنوات ابتعدت عن بعضها وأصبحت مختلفة عن بعضها (هذان السببان مجتمعان من شأنهما تقديم تفسير محتمل للسبب في حقيقة أنَّ الكثير من الباحثين سمعوا من أيزيديّين الكثير من الصيغ المختلفة للروايات والميثولوجيا والعادات نفسها في الديانة نفسها). ثالثها، وهو الأكثر صلة بالفترة الحاليّة بشكل خاصّ، والتي يقع المبنى الاجتماعي الأيزيديّ فيها تحت تهديد خطر فعلي بالتفكّك والانقسام والهجرة، هو خطر يهدّد استمرار وجود الديانة الأيزيديّة بصيغتها الحاليّة. ينتقل اللاجئون الأيزيديّون الذين فقدوا أوطانهم إلى دول أخرى، ونتيجة لذلك تفقد الأجيال الشابة تدريجيًّا اللغة الأمّ التي هي اللغة المقدّسة لديانتهم. إنَّ هذا الضياع المزدوج، ضياع الوطن واللغة، هو عمليًّا تقويض للبنية التحتية الأساسية لتقاليد الرواية الشفويّة، التي تقف في أساس التقاليد والديانة الأيزيديّة. وبالفعل، فإنَّ معظم المنتمين إلى الديانة الأيزيديّة، باستثناء طبقة محدودة من رجال الدين، والخادمين في الأماكن الدينيّة، والباحثين في الشعب الأيزيديّ ليست لهم دراية عميقة بجميع خبايا ديانتهم. إنَّ المعرفة بالدين سطحية إلى حدّ بعيد، لدرجة أنَّ كثيرين من أبناء الشعب واجهتهم صعوبات على مرّ الأجيال في مواجهة الاتّهامات التي أُكيلت إليهم بين الفينة والأخرى من جانب متشدّدين إسلاميّين سُنّة، مفادها أنَّ ديانتهم هي عبادة الشيطان. تستند هذه الادّعاءات الإسلاميّة إلى الاعتقاد الأيزيديّ بأنَّ كبير الملائكة، طاووس ملك، عصا الله عندما أمره بالسجود لآدم. إنَّ ما يُعتبر في نظر العقيدة الأيزيديّة رمزًا لتمسّك الملاك بالدين وموافقته على السجود لله فقط، يبدو في نظر الرواية الإسلاميّة كعصيان أمر الله الذي آل إلى طرد الملاك من الجنّة إلى النار، وتحويله إلى إبليس الشيطان. لذلك اعتُبر الأيزيديّون الذين يقدّسون طاووس ملك من عبدة الشيطان في نظر المسلمين. بشكل مفاجئ، وعلى الرغم من الإنكار وبشدّة من جانب رجال الدين الأيزيديّين، إلّا أنَّ الكثيرين في الشعب الأيزيديّ تبنّوا الادّعاءات الإسلاميّة مع مرور السنوات وربطوا، هم بأنفسهم، بين الشيطان وكبير الملائكة، طاووس ملك. لقد بلغت الأمور حدًّا طالب فيه أحد أعضاء البرلمان العراقي، وهو أيزيدي، من زملائه في البرلمان بألّا يتعوّذوا من الشيطان بقولهم “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”. ليس هناك أي أساس لعبادة الشيطان في العقيدة الأيزيديّة، لكنّ المعرفة المحدودة لأبناء هذا الشعب بديانتهم، أسهمت بقدر كبير في تطوّر الافتراءات والأكاذيب.

إذن فالشعب الأيزيديّ هو في الأساس عبارة عن فئة دينيّة إثنيّة، كانت العقيدة الخاصّة بها والمختلفة جوهريًّا عن الديانات التوحيديّة المحيطة بها في مناطق وجودها هي العامل الذي وحّد جميع أفرادها على مرّ السنين. ولكن من الواضح أنه لا يمكن القول إنَّ الدين هو المحور الوحيد لهويّة الشعب الأيزيديّ. إنَّ الطبيعة الشفويّة للديانة الأيزيديّة، الفرق الذي نشأ بين الروايات المحلّية على مرّ السنين والمعرفة غير العميقة لدى معظم أتباع الديانة الأيزيديّة بديانتهم، تتطلّب تحديد الميزات الأخرى التي تتكوّن منها الهويّة الأيزيديّة المعاصرة، تلك المميزات التي وحّدت الشعب على مرّ السنين، وحالت دون اندماجه وتفكّكه على مدار مئات وآلاف السنين من الاضطهاد.

أثر الصدمة

من خلال متابعة الشعب الأيزيديّ على مدى عقد من الزمان تقريبًا، أعتقد أنَّ الشعب الأيزيديّ يعاني من الصدمات والأهوال، أصبح مجتمعًا تجمعه الصدمة بدرجة لا تقلّ، إن لم تكن أكثر، من كونه مجتمعًا دينيًّا، الدين هو المحور الذي يوحّده. لا يزال صدى أهوال حملات مطاردة الشعب الأيزيديّ، ومحاولات الإبادة وإكراههم على اعتناق الإسلام، تتردّد في الوعي الأيزيديّ وباستمرار، وتشكّل حجر الأساس في الهويّة الأيزيديّة. هذه الصدمة، التي تنعكس في خطاب الهويّة الأيزيديّة على شكل تسلسل غير تاريخيّ من حملات الاضطهاد الـ74 المذكورة أعلاه، والتي وُجّهت على مرّ التاريخ ضد الأيزيديّين، في كلّ زمان ومكان وجدوا فيه، هي التي صاغت شخصيّة الأيزيديّ ونظرته إلى ذاته على أنّه ضحيّة وبطل في الوقت نفسه أيضًا، بقدر لا يقلّ عن الانتماء للديانة الأيزيديّة.

ايزيديون3
قبر الشيخ عدي بن مسافر في لالش غربي الموصل، المعبد الوحيد والرئيسس للأيزيديون

لذلك، على الرغم من أنَّ الأحداث التي وقعت في صيف عام 2014 في شنكال تشكّل “نقطة الصفر”، والمحور المركزي الذي تدور حوله القصائد في هذه المجموعة، إلّا أنه يتردّد، من خلال هذه القصائد وباستمرار، صدى الروايات الدينيّة الأيزيديّة، في صيغها المحلّية أيضًا، والتي تختلف من منطقة إلى أخرى بطريقة أو بأخرى، وإلى جانبها قصص الاضطهاد والتهجير والقتل التي حلّت بهذا الشعب. تتكرّر أسماء الله والملائكة والرموز الأيزيدية في مواقع مختلفة، وأحيانًا بألقاب مختلفة، وإلى جانبهم تُذكر أيضًا أسماء القادة والأعياد والمعتقدات والأماكن الدينيّة الأيزيديّة المقدّسة. ولكن يبدو أن كلّ هذه الأمور حظيت في المجموعة الشعريّة الحاليّة بمكانة ثانوية فقط قياسًا بخطاب الصدمة عند الأيزيديّين. تهيمن أعمال المطاردة والاضطهاد التي اختبرها الأيزيديّون في الماضي، في القصائد المختلفة، على ضحاياهم والمعاناة التي سببتها للمجتمع، إلى جانب هيمنة الأبطال وقادة الشعب الذين كوّنهم هذا الاضطهاد. وسوف أتناول جميع هذه الأمور بالتفصيل لاحقًا.

كان قرار نشر الكتاب بصيغة ثنائية اللغة قرارًا واعيًا، لم يكن هناك أدنى شكّ حوله، واتّخذ في المراحل الأولى من الترجمة. يطرح هذا القرار رسالة تتضمّن تحدّيًا للواقع السياسي الإسرائيلي، الذي تبدو فيه صيغة كهذه غريبة ومنفّرة جدًّا. ومع ذلك، فإنَّ هذه الرسالة بالغة الأهمية في هذه الأيّام خاصّة، التي يبدو فيها أنه لم يسبق أن كانت هناك هاوية عميقة بهذا القدر تفصل بين اللغتين- العبرية والعربيّة. إضافة إلى ذلك، فإنَّ نشر هذه القصائد باللغتين تعتبر فرصة لتسهيل وصول الناطقين باللغة العربيّة الذين يعيشون في إسرائيل إلى مثل هذه المواد، وكذلك منحهم فرصة للتعرّف، وباللغة الأصلية، إلى الشعب الأيزيديّ، ثقافته وواقع حياته، غير المعروف للناطقين بالعربيّة والعبرية في هذه البلاد. كما يتضمّن هذا القرار تصريحًا موجّهًا للأيزيديّين أنفسهم. فبغضّ النظر عن حقيقة أنَّ المجموعة الشعريّة الحاليّة تتضمّن قصائد للعديد من الشعراء والشاعرات تصدر للمرة الأولى، هناك أهمّيّة عظيمة لنشر القصائد بلغة المصدر إلى جانب ترجمتها، وذلك انطلاقًا من فكرة أنّنا لسنا بصدد ترجمة غايتها فنّيّة خالصة، بل نحن بصدد خطوة أكثر شموليّة تمنح الأيزيديّين وما كتبوه، كيفما كتبوه، أهمّيّة قصوى.

“عشرةٌ ها هنا” بقلم: ميرزا حسن دنايي            

فوق سماء فيينا، في 5 يناير 2015

في كل ليلة …

تراودني

عشرةُ أحلامٍ طِوالْ …

تسعةٌ منها …

عن داعش!

والعاشرُ…

طيفُ حبيبٍ

… تناثرَ

بين قصاصاتِ الورقْ،

وتلاشت صُحبتنا

… قاسيةً

بين اختلافاتِ الهوى

والمحنِ

في كل يومٍ

أزورُ عشرةَ بيوتٍ …

تسعةٌ منها

خيامٌ …

لرقيقٍ

خانهم فصلُ الشتاءْ،

وقسى الجبل العاصي عليهم،

فيعيشوا…

كالموتى

في زقاقاتِ الفناءْ،

ويموتون…

في سكوتٍ…

ما عادت أعينهم

تقوى على

نوحِ البكاءْ.

والعاشرُ…

كوخٌ…

وعظامُ…

…عجوزٍ

انتُشِلتْ…

محروقةً

بعد صيحات الغزاة!

ورأسُ جارٍ

مقطوعٍ

خلفَ ويلاتَ

…الِهجاءْ!

في كل حينٍ

أقرأُ…

عشرةَ حكاياتٍ تُبكيني…

تسعةٌ منها

بين داعش!

والعاشرة…

عن ثوب الوفاءْ

وأساطير البطولة،

لرفاقٍ

إذ يطيروا… ها هنا

… فوق داري،

والجبلُ الصامدُ…

ارتوت وديانهُ

بدماء…

ابن ِ تميمٍ

خالدٍ

حيثُ…

بوابات السماءْ.

في كل وهلة

تَنْهَبُني عشرةُ صولاتٍ

…وحيدة!

تسعةٌ منها…

عن داعش،

وجندهِ،

وربهِ،

ومكرهِ!

والعاشرة…

دموعُ ضحيةٍ

…صغيرةٍ،

في عامها

الحادي عشرْ،

جاءتني…

…ها هنا،

وهي حبلى…

من “مجاهدٍ”…

تونسيٍ،

…مغربيٍ،

…مشرقيٍ،

بل…

و…

“موصليٍ”،

يبحث بين الأفخاذ

عن…

“جناتٍ”

و”خمرٍ حلالٍ”…

في…

عينِ المياهْ

في كلِ شهيقٍ

تأخذني عشرة أفكارٍ

…شريدةْ.

تسعةٌ منها…

حيثُ داعش!

والعاشرة…

عن…

جمراتِ عشقٍ

طالت

…أشجانهُ،

قرونًا عديدة.

إذ رمتني

أحبالُ الجفاءِ

ها هنا…

في دهاليز النوى!

وجحودٌ مارقٌ،

كاد يبني من هيكلي

أطلالاً…

لغاباتٍ

احترقت

من شوقٍ جاثمٍ

فوق أكبادِ

…الدهرْ.

وإن سألنَ الموتَ

عن جللٍ،

جثى ضاحكًا…

أَرحَمُهُ

من سويعات الهوى؛

حيث غابت

أوتارُها

من مرافئ يمٍّ…

كانت …

موجاتهُ…

تشهدُ

همساتَ

… الحبيبِ.

 

 “الطفل والبحر” بقلم: سعيد ذيبان

يسألُ طفلٌ سفينةً

متضرِّعًا ارحمينا …

 

نخشى الموجَ المجنون

فالبحرُ يصرخُ فينا…

 

وهربنا من الموتِ

علَّ الغربةَ تحيينا …

 

تركنا أوطاننا خلفنا

والأرضُ أيضًا تبكينا…

 

وحُكامّنا لا يهتمونَ بأمرنا

ولا يشعرونَ بمآسينا…

 

يا أيتها السفينة رفقًا بنا

يا بحر لا تغرق أمانينا! …

 

“هللّويا” بقلم: هيمان الكرسافي

هللّويا، نعم أيها المسؤولُ

لا أتلخبطُ

أفترضُ أنَّني زنجي

نعم – هللّويا

لتتعفَّن في منفى أللامرئي

ويقضمكَ التاريخ

فبراثن سياستكَ تلطَّخت بدمائي …

تربتي

وااااه – ما أشنع الضمير

كنتَ هناك –

وتسمعني

حيث قهقهة الطغاة بين أزقةِ شنكال

اقتحموا منزلي

لحقوا بأخوتي …

أُسرتي

ذبحوا أصدقائي

حرقوا جدَّتي

وجرجروا شبحي، عاريًا يطاردونه

ألاَ تخجلْ

وجبلِ أجدادكَ يلتهبُ غضبًا

وعواةِ بابيري تستفزُ حتى كلابَ قريتي

ولعابهِ يسيل حول كرامتي

لِمَ تَسكُتْ –

ألاَ تخجلْ

 

فالحجرُ في الجبلِ كان أرحم منكَ

نَعم أيها المسؤول –

سأهتفُ – هللّويا

وسأفترضُ أنا من غير قوم

زنجي

زنجي

ولعنة دُعائِه تسلخكَ

تحرقكَ في نارِ الخيانة

هللّويا – آمين

 

“ارجموني فأنا كافرة” بقلم ليلى حمو

ليس ذنبي

إنْ كانَ البحرُ

الذي يبتلعُ إيمانَكم

ينحني لقلبي

ليس ذنبي

إنْ كانَ المطرُ

يعشقُ وجهي

دونَ صلاة

الاستسقاء

مَنْ يأمركم بالقتل

يأمرني بالعشق

ذلك الذي

يعشقُ شربَ الدماء

من أياديكم

يشربُ من يديَّ الخمر

لستُ مذنبة

كل ما في الأمر

أني أعلّمُ الطيور

فنونَ القُبل

وأروي للأطفال

قصص العشَّاق

تلك الموسيقى

التي ترمي

بكم في النارِ

 

 

“أيزيديٌّ أنا” بقلم حجي خلات المرشاوي

أحملُ وجع سبعة وأربعين إبادة

ومليونَ عامٍ من البكاءِ

علاماتي الفارقة

فمٌ مغلقٌ وأرادةٌ مشلولةٌ

لا يعرفني الربُّ

ولا تحتويني خريطةَ طريق

تحتقرني الكتب السَّماوية

وتشمئزُّ منِّي ملائكةُ الرَّحمن

لا صكوك غفرانٍ تشفعُ لي

ولا آيات تُحصِّنُ أسواري

أنا مشروعٌ دائمٌ لجنةِ الآخر

كلُّ من قتلني اعتذرُ منهُ

إذا لم يصل إلى جنّتهِ

وإذا وصلها لا أنتظرُ منه شكرًا

الألمُ مندغمٌ في جيناتي

الوجعُ متأصّل في حمر كريَّاتي

السوادُ متسربل في جزيئاتي

مقدَّر لي أن لا أعيش

إلاَّ كما يشاءُ الآخر

مقدَّر لي أن لا أموت

إلاَّ حين يشاءُ الآخر

مصلوبٌ في ذاكرة الربّ المعطوبة

منبوذٌ من الوجه الحيّ للحياةِ

مرميٌّ مثل أُنشوطةَ وجع

على الحدِّ المسنَّن للنسيان

لا وطن لي إلاَّ في غلافِ الدمعة

لا عزاء لي إلاَّ في صدفةِ الحسرة

محبوسٌ فيَّ دفق إنسانيتي

مثل دمامل مثقلة بالصَّديد

لا وساطة لديَّ تقرِّبني

من ذلك الإله المنسيّ

ولا مهرب لي

من نزقِ رغباتهِ

مشدودٌ أنا لصقيعِ الخوف

معجونٌ أنا بنقيعِ الخيبات

ممتزج بنحيبٍ موغل في المرارةِ

صوتي ليس سوى حشرجة

في غابةٍ من العويلِ

وآذان الكون ممتلئة بالقشِّ

والربُّ منشغلٌ بخياراتٍ أخرى.

 

 

وسوم:
التعليقات