"أنت لست المستهلك بل المنتج الذي يتم بيعه"

الاعلانات التي تسمى “مشاركات سوداء”، ومثلها الأخبار المزيفة، تشكل تهديداً على الديمقراطية لأنها تمس بمبدأ الشفافية. لكن سياسة نشر الاعلانات في “فيسبوك” تتجاهل القواعد الديمقراطية لأن ذلك يعود عليها بالأرباح الاقتصادية.
يوسي دهان

 

في بداية الأسبوع أعلنت عناوين الملاحق الاقتصادية بابتهاج كبير عن مليونيرات إسرائيليين جدد بفضل صفقة تخارج أخرى عقدتها شركة إسرائيلية- شركة البرمجة الضخمة “SAP” قامت بشراء شركة “غيغيا” الإسرائيلية بحوالي 350 مليون دولار. ويتضح مما نشر حول تفاصيل الصفقة بأن ما باعته شركة “غيغيا” الإسرائيلية ل- “SAP” كان نحن(!). “غيغيا” تبيع معلومات عن معطياتنا الذاتية، أفضلياتنا، مجالات اهتمامنا ومدى تأثيرنا على أناس آخرين.  بواسطة اتاحة المعلومات حول مستخدمي الشبكات الاجتماعية مثل “فيسبوك”، “تويتر”، “لينكد إن” وغيرها، تبيع “غيغيا” عملياً هويتنا وخصوصيتنا لشركات ومواقع محتوى تجارية مثل “ببسي كولا”، “رد بول”، “تومي هيلفيغر” ومواقع فرق كرة سلة من دوري ال- “”NBA. حيث من المفترض بأن تزيد هذه المعلومات من احتمالات نجاحها في اغوائنا لشراء منتجاتها. فكما قال اندرو لويس عن مستخدمي الشبكات الاجتماعية ومحركات البحث: “اذا لم تدفع مقابل ذلك، فأنت لست المستهلك بل المنتج الذي يتم بيعه”.

اذا ما كانت المعطيات حولنا قد أصبحت بمثابة مورد هام ضروري لإدارة الاقتصاد والسياسة، أليس من اللائق بأن يكون هذا الملك- ملك المعلومات- بملكية عامة وبأن تعود أي كبسة في الموقع أو في التطبيق بالربح علينا جميعاً، نحن المواطنين؟

غالبيتنا تتجاهل معظم الوقت قيام “فيسبوك” بالمس بخصوصيتنا عندما تبيع هويتنا الافتراضية لشركات تجارية تغرقنا بإعلاناتها، ولكن الشركة قد نجحت قبل عدة ايام بإثارة الكثير من الغضب عندما نشر موقع الاستقصاءات “بروبوبليكا” بأنها تسمح لمجموعة تسمي نفسها “كارهي اليهود” بنشر اعلانات معدة لجمهورها اللاسامي من خلال تحديد الجمهور الأنسب لها. ورغم أن شريل سندبيرغ، نائبة مدير “فيسبوك” العام، قد اعتذرت عن الخلل ووعدت بأن تبذل الشركة ما بوسعها لمنع تكرار مثل هذه الظواهر في المستقبل، إلا أنه وعدها هذا يبدو فارغاً اذا ما أخذنا بعين الاعتبار النموذج التجاري الذي تعتمده “فيسبوك” وشبكات اجتماعية أخرى والذي أدخل للشركة، بفضل الاعلانات، أرباحاً تصل قيمتها 27.6 مليار دولار عام 2016.

نشر الإعلانات اللاسامية ليست المشكلة الوحيدة التي تتعامل معها “فيسبوك” بهذه الأيام، فالمشكلة أكبر من ذلك بكثير. هذا الأسبوع وفي أعقاب ضغط سياسي كبير قامت “فيسبوك” بتسليم لجان الكونغرس التي تبحث في التدخل الأجنبي بالانتخابات الأخيرة في الولايات المتحدة وثائق حول ثلاثة آلاف اعلان، كان مصدرها في روسيا، هاجمت بعضها كلينتون وامتدحت ترامب. هذه الاعلانات لم توزع وسط الجميع: جمهور هدفها كان الناخبين الأمريكيين الذين تشير معطياتهم الديموغرافية إلى امكانية تأثرهم بدعاية انتخابية من هذا النوع. هذه الاعلانات (التي تسمى “مشاركات سوداء”) التي يتم نشرها لوقت قصير بين متصفحين معينين، ومثلها الأخبار المزيفة التي تنشر من قبل مواقع تديرها أطراف سياسية خفية، تشكل تهديداً على الديمقراطية، فهي تمس بمبدأ مركزي في الديمقراطية: مبدأ الشفافية. بحسب هذا المبدأ، يجب أن تكون الاعلانات السياسية مكشوفة للجميع ويجب أن يكون من الواضح بأنها اعلانات سياسية وما هو مصدرها. بحسب القانون الأمريكي، يتحمل المرشحون لوظيفة سياسية مسؤولية الاعلانات التي يقومون بنشرها. لكن سياسة نشر الاعلانات في “فيسبوك” تتجاهل هذه القواعد الديمقراطية، وهو التجاهل الذي يعود عليها بالأرباح الاقتصادية.

مقابل عجز الولايات المتحدة، بدأت السلطات في اوروبا تتعامل بشدة مع الشركات الرقمية وتطبق أنظمة أكثر صرامة ستؤدي إلى تفكيك احتكار هذه وحماية قيم الخصوصية والديمقراطية.

عودةً إلى هويتنا الافتراضية، فإن “فيسبوك”، “غوغل” و”غيغيا” لا تطلب موافقتنا عندما تقوم ببيع أجزاء منها. هذه المسألة تثير الأسئلة حول ما يسميه الباحث يفجيني موروزوف “رأسمالية المعطيات”: اذا كانت المعطيات ملكاً، فلم يعود هذا الملك؟ اذا ما كانت المعطيات حولنا قد أصبحت بمثابة مورد هام ضروري لإدارة الاقتصاد والسياسة، أليس من اللائق بأن يكون هذا الملك- ملك المعلومات- بملكية عامة وبأن تعود أي كبسة في الموقع أو في التطبيق بالربح علينا جميعاً، نحن المواطنين؟ التكنولوجيات الرقمية، كما يكتب موروزوف، هي أيضاً أملنا الأكبر وأيضاً عدونا الأفظع; التحدي هو أن نقوم بتغيير الواقع الذي يتم فيه تسخيرها للمصالح التجارية على حساب المصالح العامة.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.