اخترقت السقف الزجاجي؟ الآن انظري من حولك!

عندما أشير إلى الأشكنازية كقامعة أو عندما تنعتني فلسطينية بالمحتلة، لا تكون هذه عنصرية ولا علاقة لذلك باليمين أو اليسار: هذه مظاهر قمع لدينا دور فيها. اذا ما راجعنا المشهد النسوي في اسرائيل سنجد بأن من يدير ويقود الخطاب هن بالأساس نساء أشكنازيات، علمانيات ويهوديات.
ليرون كوهن

 

نحن النسويات نعي بأن هناك قمع للنساء من قبل الرجال في المجتمع الأبوي كما نعي مظاهر وأشكال القمع المختلفة في حياتنا كنساء على المستوى اليومي. إلى جانب ذلك، بإمكاننا أن نفترض بأن هناك أنواع أخرى من القمع- ولكن ماذا يحدث عندما تتقاطع هذه؟

يصعب علي بأن أنظر إلى النسوية أو إلى النضال النسوي كنضال مشترك لكافة النساء ما دام هذا يضم نساء لا تعترف بالقمع الذي تأخذ به دوراً: قمع النساء الأشكنازيات للنساء الشرقيات، قمع النساء الإسرائيليات للنساء الفلسطينيات، قمع النساء العلمانيات للنساء المتدينات، قمع النساء اليهوديات للنساء المسلمات، قمع النساء للنساء.

مصطلح “تقاطع مواضع هامشية” هو مصطلح معروف ويستخدم كثيراً في الخطاب النسوي بإسرائيل: اذا كنت امرأة من الاتحاد السوفييتي سابقاً فأنت تعانين من قمع مضاعف، اذا كنت امرأة اريترية مهاجرة فأنت تعانين من قمع ثلاثي، واذا كنت امرأة فلسطينية من غزة فالقمع يتواجد بالكثير الكثير من المستويات في حياتك.. أفترض بأن الفكرة واضحة. مع ذلك فنحن مصممات على مواصلة الانشغال بنضالات نسوية بيضاء، أي نضالات على خلفية جندرية فقط، والتجاهل الفظ للانتماء الطبقي، الاثني (الأصل)، القومي او الديني للمرأة التي تقف في مركز النضال.

لماذا يحدث هذا  التمويه؟ ماذا يتطلب منا تمييز الهويات الأخرى للنساء؟ هل يشكل الأصل الاثني للمرأة فرقاً من الأساس؟ بماذا نخاطر عندما نكشف هذه الهويات الاضافية؟

ما الدافع من وراء تمويه الهوية؟

عندما وقفت النسويات وبدأن المطالبة بحقوقهن كن بحاجة إلى تعريف: ما هي المرأة وما معنى أن تكوني امرأة في المجتمع. تعريف احد المجموعات تحت فئة “نساء” والأخرى تحت فئة “رجال” ولد من الحاجة للإشارة إلى مجموعة مقموعة محرومة من الحقوق ومجموعة قامعة وصاحبة قوة جعلت الحقوق والسيطرة عليها شأناً يخصها. المجتمع خلق مباني قوة تمنح الامتيازات والحقوق وفق تعريفات متفق عليها ولكنه في نفس الوقت موه التعريفات وحولها لطبيعية، وكأنها تتعلق بالشخصية وغير قابلة للفصل. هذا التمويه أدى إلى تشكل انطباع بأن الحقوق تعطى بما تمليه الطبيعة وبأنه لا مجال للاستئناف على عدم العدل في توزيعها. الامتناع عن التعاطي مع معاني الفئات “امرأة” و”رجل” وتمويهها حد بشكل كبير من قدرة النساء على القيام والمطالبة بحقوقهن. ولهذا وضعت النسويات مصطلح “جندر” الذي يميز بين الجنس البيولوجي وبين البناء الاجتماعي لهويته.

عدم التعاطي مع الهويات- الجندرية، الاثنية، القومية، الدينية أو الجنسية، وتسطيح الهوية لبعد واحد يساهم كثيراً في ابقاء مجموعة معينة على عرش اصحاب القوة، الامتيازات والقدرة على قمع مجموعات أخرى.

للمطالبة بالحقوق يتوجب على المجموعة بأن تقوم وتقول “نحن”، أن تعرف من هن، كيف ينظر اليهن المجتمع وما معنى هذا التعريف في حياتهن. تمويه هوية المرأة ومعنى هذا التعريف ساهم على مدى أجيال في عيشهن تحت القمع وفي كونهن محرومات من الحقوق الانسانية الأساسية. بروح الصحوة الليبرالية للعالم الغربي مع نهاية القرن ال-19، تحدث الرجال عن حقوق الفرد، قيم الحرية، المساواة والأخوة- ولكنهم نسوا أن يأخذوا بعين الاعتبار كائنات انسانية تمشي بينهم وتخدم احتياجاتهم، وبروح قيم المساواة والأخوة رفضوا الاعتراف بهن كبشريات وصاحبات حقوق.

أيضاً اليوم نصادف نساء تنتمين للطبقة “الحيادية” وتستخدمن لغة شبيهة: هن يتباهين بقيم المساواة والنظر إلى الانسان كفرد وليس بحسب أصله أو قوميته، ترفضن الاعتراف بالهويات المختلفة وتنسين بأن هناك من أعطاهن الامتياز لاستخدام هذه المصطلحات المغسولة.

ممارسات التحرر من القمع تولد اذاً من خلال الاعتراف بالهوية التي تولد مطلب من قبل المجموعة المقموعة للاعتراف من قبل المجموعة القامعة. النسويات لم يخترعن مصطلحات “نساء” و”رجال” ولكنهن صممن على فهم التعريف- ما هي المرأة وما هو الرجل، بماذا ينعم من يحمل هذا اللقب، أية امتيازات تمنح للإنسان بفضل هويته. من هنا ولد مطلب الاعتراف بالنساء كبشر أصحاب حقوق متساوية.

لما يجري تمويه الهوية اذا؟ فرق تسد.

اذا كنت عديمة الهوية لن أستيطع التعرف إلى من يقمعني، وكما تفعل نساء كثيرات، سأتهم نفسي بعدم قدرتي أو بطابعي الضعيف.عدم وجود هوية يبقيني ضعيفة وعديمة الثقة. تمويه هويتي يمس بقدرتي على الاشارة للمجموعة القامعة والمطالبة بحقوقي. اضافة إلى ذلك فعدم التعاطي مع الهويات- الجندرية، الاثنية، القومية، الدينية أو الجنسية، وتسطيح الهوية لبعد واحد يساهم كثيراً في ابقاء مجموعة معينة على عرش اصحاب القوة، الامتيازات والقدرة على قمع مجموعات أخرى.

عدم التعريف يخدم أصحاب وصاحبات الامتيازات الذين يتمتعون بمكانتهم بفضل كونهم “أفراد” ناجحين، متعلمين، أصحاب قدرات غير عادية وبراعة فائقة. أصحاب وصاحبات الامتيازات معميين عن مكانتهم الاقتصادية، الاجتماعية والسياسية ولا يميزون العلاقة بينها وبين هويتهم صاحبة الامتيازات. الرجال الاشكناز من الطبقة العليا والنساء الاشكنازيات من الطبقة العليا يعتقدون بأن نجاحهم لا يتعلق بهويتهم انما هو نتاج شخصيتهم البارعة التي اوصلتهم الى حيث وصلوا.

كذلك الأمر بخصوص المحرومات من الهويات اللواتي لا تعين بأن الفرد البارع الذي يقف أمامهن يتواجد في مكانه ربما لأن هوياته ذات الامتيازات هيئت له الطريق لذلك. عندما تكون الهوية شفافة، يكون الامتياز شفاف، والأنا منتفخ.

النسويات غير الشفافات

اذا ما راجعنا المواضيع المطروحة على أجندة الخطاب النسوي في إسرائيل سنرى بأن غالبيتها الساحقة تتطرق بالأساس للجانب الجندري للنضال بينما هناك تطرق ضئيل للهويات الأخرى لهؤلاء النساء. أما عندما نفحص من يطرح المواضيع على الأجندة النسوية فسنجد بأن من يدير ويقود الخطاب النسوي بالأساس هن نساء أشكنازيات، علمانيات ويهوديات. عدا عن الجانب الجندري، فان هوية هؤلاء النساء شفافة. لماذا؟ لأنها ليست الهوية “الأخرى”.

الصهيوينة أسست “التسبار”، الشخصية التي يتوجب علينا جميعا أن نطمح لأن نكون مثلها، الخط الذي علينا أن نستوي بناءً عليه- رجل، أشكنازي، علماني، يهودي ومغاير. كل البقية هم “الآخر”. بحسب نقطة الانطلاق هذه فالنساء الاشكنازيات، العلمانيات، اليهوديات، المغايرات اللواتي تقدن الخطاب النسوي في البلاد لا تعترفن بوجود ما هو آخر” عدا عن الجانب الجندري لأن الهوية، في بقية هوياتهن، شفافة: هي الهوية الذاتية، المطلقة (كما عرفت سيمون دي بوفوار الرجل في كتابها “الجنس الثاني”).

كيف يتجسد هذا الأمر؟ في اطار دراسات الجندر عرضت علينا المحاضرة (الشرقية، يجب التنويه) قائمة بنساء كاتبات لتؤكد على التقدم الهائل للنسوية ومساهمتها في تعزيز النساء بمختلف المجالات، وبينها مجال الكتابة والأدب. القائمة شملت نساء أشكنازيات فقط. عندما تنبهت لذلك شعرت بأن الحديث ليس عن تقدم انما عن صورة أخرى لقمع النساء بيد نساء أخريات: في ادارة منظمة “لوبي النساء” نجد مجموعة من النساء الأشكنازيات وامرأة عربية واحدة: أما أعضاء  طاقم المحاضرات بالدراسات الجندرية في البلاد هن بغالبيتهن العظمى نساء أشكنازيات. هذه فقط أمثلة لمنظومة علاقات القوة  في “المناطق النسوية”، وأنا اعتقد بأن النتائج ستكون مشابهة في أي حقل نختاره.

اختراق النساء الأشكنازيات للسقف الزجاجي أصبح ممكنناً بفضل النضالات النسوية التي شاركت بها نساء من كل الهويات إلا أن تصميم الخطاب النسوي في البلاد اليوم على النضال الذي يركز على الجندر فقط من خلال تجاهل بقية الهويات، وبالنتيجة كذلك تجاهل بقية أشكال القمع التي تعاني منها النساء في إسرائيل، يبقى في الخلف كل امرأة لا تلائم التعريف المطلق- أشكنازية، علمانية، يهودية، مغايرة.

أنا اؤمن بأن هناك قدرة كامنة في النسوية والنساء النسويات على تحرير نساء كثر من أشكال مختلفة من القمع. ربما سيحدث ذلك عندما تأخذ النساء النسويات مسؤولية عن دورهن في قمع نساء أخريات، تتضامن مع نضالهن، تسمح لهن بإسماع صوتهن في الحيز العام والنسوي حتى اذا كان مزعجاً وحتى اذا كان سماع ذلك صعباً.

ليس هذا بالموضوع الجديد فالتعاطي معه قد بدأ منذ زمن. من اللطيف بأن هناك مصطلح أكاديمي يشير إلى المشكلة وبأن المجتمع النسوي يتفق بين الفينة والأخرى على التعاطي “أيضاً” مع القمع على خلفية اثنية، قومية، طبقية. لكن التيار المركزي كان وما يزال أشكنازي، يهودي، علماني ومغاير. سوف نقرأ ونسمع بالأساس عن انجازات نسوية، قمع النساء البيضاوات في العالم الغربي او نضالات النساء الأشكنازيات في البلاد. سنقرأ أحياناً تقريراً عن النساء في العالم العربي (وكأنه بالإمكان توحيد النساء في العالم العربي المتنوع لبعد واحد). سنتعاطى مع الدعارة، وهو شيء مهم وضروري، وأنا لا أقصد الغاء أي نضال.

أما التعاطي مع القمع اليومي الذي تعيشه النساء انطلاقاً من الاعتراف بهويتهن المختلفة، على خلفية كونهن مهاجرات، أفريقيات، شرقيات، فلسطينيات تعشن في إسرائيل وفي غزة والضفة، هذا.. بدرجة أقل. اذاً لن نتحدث عن حوالي المليوني امرأة فلسطينية تعشن تحت القمع الذي يسمى احتلالاً والذي نشارك نحن النساء الاسرائيليات فيه. لن نتحدث عن مكانة غالبية النساء الأثيوبيات في المجتمع الإسرائيلي. وتعالوا لا نتحدث عن سنوات من القمع الممأسس للشرقيات من قبل اشكنازيات وإنكار ذلك عن طريق اسكات “التبكبك” (ما يتهم به الاشكنازيون الشرقيين الذين يخرجون ضد الهيمنة الأشكنازية).

ولتفتح كل واحدة ركن خاص بها فهذا ليس شأن الجميع، ما يعني الجميع هو الأبيض؟ الأشكنازي؟ الغربي؟ العلماني؟ في مقال نشرته آيه الزيناتي (ناشطة فلسطينية) في الموقع النسوي “بوليتكلي كوريت”، توجهت الزيناتي لصديقاتها الإسرائيليات وطلبت التفريق بين تجاربهن الأكثر أساسية: “نحن لسنا في نفس القارب ولسنا شريكات في نفس النضال لأننا لا نمر بنفس القمع.” أعترف بأنني استصعبت قراءة هذا التصريح لأنني اؤمن بالنسوية وبقدرة النساء على صناعة التغيير ولكنني اليوم أميل للاتفاق معها.

في نظري، ليس كافياً بأن أعرف نفسي كنسوية بينما أرفض الاعتراف بامتيازاتي وبموضع القوة الذي يخدمني في السلم الاجتماعي. الحركة النسوية ليست مسطحة وأيضاً في داخلها هناك مناطق مختلفة ومتنوعة متأثرة بالمكانة الاقتصادية والاجتماعية. مع ذلك، أنا اؤمن بأن هناك قدرة كامنة في النسوية والنساء النسويات على تحرير نساء كثر من أشكال مختلفة من القمع. ربما سيحدث ذلك عندما تأخذ النساء النسويات مسؤولية عن دورهن في قمع نساء أخريات، تتضامن مع نضالهن، تسمح لهن بإسماع صوتهن في الحيز العام والنسوي حتى اذا كان مزعجاً وحتى اذا كان سماع ذلك صعباً.

أنا لا أتحدث عن النسوية، ان كانت جيدة أم لا، بل أتحدث عن الاحتلال، عن العنصرية الأشكنازية المأسساتية، أتحدث عن العنصرية الشرقية تجاه الأقليات الاثنية الأخرى، عن كراهية الدين والتدين. التوقف عن الدفاع عن النفس، الاعتراف بالامتيازات والتزام الصمت أحياناً والسماح لغيري بأن تسمع صوتها. نعم، بالإمكان سماع الغير أيضاً.

عندما أشير إلى الأشكنازية كقامعة أو عندما تنعتني فلسطينية بالمحتلة، لا تكون هذه عنصرية ولا علاقة لذلك باليمين أو اليسار. هذه مظاهر قمع لدينا دور فيها. النساء الأشكنازيات اللواتي اخترقن السقف الزجاجي قليلاً ونجحن في الوصول إلى مواقع مؤثرة في المجتمع- سياسيات، اعلاميات، صاحبات أعمال، ليس بالضرورة أن يكن شيري أريسون (المديرة العامة لبنك “هبوعليم”). ممكن أن يكن مديرات جمعيات، مديرات شركات، صحافيات.. انظرن حولكن.

اذا رأيتن من حولكن أشكنازيات بالأساس عليكن ربما أن تتوقفن وتسألن- هل هذه مصادفة أم اشارة بأن شيء ما قد تعثر بالنضال النسوي؟ الحديث عن الذنب ليس ذو صلة هنا ولكن الحديث عن المسؤولية له صلة وأية صلة. على كل واحدة منا بأن تعود وتسأل نفسها ما هي مسؤوليتها كامرأة نسوية تجاه النساء الأخريات اللواتي تناضلن بعدة جبهات في ذات الوقت.

نسوية، مغربية ومثلية.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.