string(2) "ar"
string(2) "ar" -array(0) { }

تسونامي من النكات عن اليمنيين يغرق البلاد

النكات الطائفية هي فعل غير اجتماعي وقد استخدمت على مر التاريخ كأداة للتقليل من قيمة انسان أو مجموعة معينة هناك من يخاف من الحجم الذي ستحتله. هذه النكات أخطر من منشور سياسي مباشر وواضح لأننا لا نرى الفيروس المختبئ بين طياتها والذي يلوث وعينا دون أن ننتبه حتى.
ياعيل تسادوك

 

مشاركة لي على الفيسبوك حول التنكيت على اليمنيين جرت خلفها الكثير من ردود الفعل.

لمن لم يكن هنا بالأسبوعين الأخيرين ولمن يعيش على كوكب آخر بصورة ثابتة- تسونامي من النكات عن اليمنيين يغرق البلاد. على الشبكات الاجتماعية وفي مجموعات “الواتس-أب”- الكثير من النكات عن اليمنيين البخلاء. كم من الضحكات تطلق هناك!

غالبية ردود الفعل التي حصلت عليها كانت مؤيدة: الحديث عن نكات بلا طعم\ منفرة\ مفترية\تشوه السمعة\ مضرة\ كل هذه سوية.

كان هناك من فزعوا: على ماذا سنضحك اذا لم يسمحوا لنا بالضحك على اليمنيين، الفارسيين، الرومانيين والبولنديين؟ لهؤلاء أقول، اذا كان كل ما يضحككم بالحياة هي النكات التي تبدأ بكلمات “واحد يمني\ واحد روماني..”- فتقبلوا تعازيَ. أنا حقاً لا أريد أن أقول لكم أموراً تجعل وضعكم أسوأ مما هو عليه.

كما كان هنا بعض الأصدقاء الطيبين (حقاً) الذين أرادوا حمايتي وقالوا: دعك من ذلك، من الأفضل السكوت، سينتهي ذلك من نفسه. شكراً، أصدقائي وصديقاتي، ولكنني لا أعرف عن أية نضالات للعدل، المساواة والتضامن الاجتماعي تدار مع لصقة على الفم.

أنا أعرف اللصقة على الفم من جهتها اللاصقة.

النكات ورسوم الكاريكاتير ممكن أن تكون مناورة سياسية-اجتماعية ناجعة جداً للسخرية من شخص ما، الاستهتار به والتقليل من قيمته دون أن نضطر لتقديم تعليلات موضوعية وعقلانية. هو ببساطة هكذا (بخيل، سارق، غبي، عنيف، جاهل والخ): وبعد أن نقوم بتسخيفه (مزاحاً طبعاً!)- تصبح شخصيته الملطخة تبريراً للاعتقاد بأنه “غير لائق”.

قبل سنوات كثيرة كنت في حفلة لصديقة شريكي في الحياة سابقاً، صاحبة مال محترمة ولطيفة. بعد أن أكلنا وشربنا، دعت الصديقة ميني بئير (ممثل ومقدم برامج إسرائيلي) لتسلية الضيوف. بئير أخذ الميكروفون، حكى نكاتاً، وسريعاً جداً راح يطلق النكات عن دافيد ليفي (سياسي شرقي). نكتة ونكتة أخرى وأخرى، والجمهور- الأشكنازي بغالبيته، بحسب انطباعي، والمتمكن- يتفجر من الضحك. أما أنا فانكمشت في مكاني ولكن خجلت من قول أي شيء. كنت غريبة تماماً  هناك: المضيفة لم تكن صديقتي ولا أصدقائها بالطبع. لا أعرف كم منكم يذكر تلك النكات ولكن صدقوني: كانت نكاتاً وضيعة وقبيحة، مليئة بالاحتقار ومهينة. فيلا فخمة مع أناس أغنياء وجميلون ومع تسلية قبيحة ووضيعة… وامرأة واحدة منكمشة وصامتة.

النكات ليست أمرأ مضحكاً. أعني، أحياناً تكون مضحكة، عندما تلتقط فوارقاً انسانية صغيرة ودقيقة وتضع يدها عليها، ولهذا تؤثر بنا جميعاً. هذا يحصل بالأساس عندما يضحك من يحكي النكتة على نفسه. انظروا مثلاً إلى “ساينفلد” أو “انقاذ رجل الكهف” أو عدي أشكنازي ويسرائيل كتورزا (كوميديان إسرائيليان). كل هؤلاء يضحكون على أنسفهم، يسخفون أنفسهم ويسمحون لنا بأن نرى نقاط ضعفنا وأن نضحك عليها. النكات ممكن أن تكون مضحكة أيضاً لأنها تصف وضعية سخيفة ربما وجدنا أنفسنا بها مرة، فلدينا جميعنا نقاط ضعف صغيرة، اخفاقات مربكة ومصادفات غير لطيفة مع شخصيتنا السرية. النكتة مضحكة لأن الوضع مضحك لا لأن الحديث عن يمني، روماني، فارسي أو بولندي. فكاهة الوضعية والسخرية من الذات تثير ضحكاً ينبع عن تضمان وتواصل انساني واجتماعي.

أما النكات الطائفية فهي فعل غير اجتماعي وقد استخدمت على مر التاريخ كأداة للتقليل من قيمة انسان أو مجموعة معينة هناك من يخاف من الحجم الذي ستحتله. عندما تحكى مرة تلو الأخرى، فهي تخلق وعياً مشوهاً، شاشة متسخة، لا نعود نرى الانسان كما هو من خلالها انما البقع التي تشكلت عليه في وعينا. هذه النكات أخطر من منشور سياسي مباشر وواضح لأننا لا نرى الفيروس المختبئ بين طياتها والذي يلوث وعينا دون أن ننتبه حتى.

النكات عن الوزير دافيد ليفي التي انتشرت بسنوات ال-80 كانت كهذه. لقد وصفته كانسان غبي، عديم الثقافة ومتلعثم. ولكن لا شك بأن ليفي صاحب قدرات قيادية. من بالغوا في النكات المهينة عنه هم من خافوا من قوته لأسباب غير موضوعية (العنصرية الطائفية، مثلاً)، ولهذا فهم لم يقدموا ادعاءات منمقة ضده بل سودوا صورته بصورة خبيثة وخسيسة بواسطة “النكات”. النكات ورسوم الكاريكاتير ممكن أن تكون مناورة سياسية-اجتماعية ناجعة جداً للسخرية من شخص ما، الاستهتار به والتقليل من قيمته دون أن نضطر لتقديم تعليلات موضوعية وعقلانية. هو ببساطة هكذا (بخيل، سارق، غبي، عنيف، جاهل والخ): وبعد أن نقوم بتسخيفه (مزاحاً طبعاً!)- تصبح شخصيته الملطخة تبريراً للاعتقاد بأنه “غير لائق”.

هل مس هذا الاستهتار المركز، تحت غطاء “المزاح”، بدافيد ليفي، شخصياً وسياسياً؟ ولأطرح السؤال بالعكس: أيعقل بأنه لم يمس به؟!

وعودة إلى أيامنا هذه، فمن أين جاءت فجأة موجة النكات على اليمنيين؟

صديقي يعقوب لبيد يعتقد بأن لذلك علاقة بالمكان الذي تحتله قضية الأولاد اليمنيين اليوم في الحيز العام. محتمل. تعالوا نوضح شيئاً: ليس القصد هنا بأن عصابة ما قد اجتمعت مؤخراً في شقة سرية بحي فلورنتين وقررت نشر نكات عن اليمنيين: مثلما لم يجلس في سنوات الثمانين أي مجلس حكماء ليقرر الاستهتار بدافيد ليفي لمنعه من تعزيز قوته. الأمور لا تسير بهذه الطريقة بل تبدأ برياح ممانعة (النكات الطائفية تكون دائماً ممانعة) ضد انسان أو مجموعة معينة يحتلون حجماً  أو مكانة أكثر من اللازم بقليل بنظر مجموعات معينة. المحرك الاجتماعي-السياسي من وراء هذه النكات ليس جسماً منظماً: بل هو أشبه بالرياح الممانعة التي تهب وتضم لداخلها من يريد الانضمام لها. في بعض الأحيان، لا تفكر بأنك قمت بالانضمام لهذه الرياح الشريرة أصلاً فماذا فعلت خقاً- كلها نكتة، اليس كذلك؟

لا، عزيزي. لقد انضممت للرياح الشريرة. وهي تهب أقوى بقليل الآن.

التعليقات