يصعب علينا أن نرى بأننا المذنبون المركزيون

المعلومات المركزية التي ننكشف عليها في الأكاديميا والإعلام هي دحلان وأبو مازن، الجهاد وايران، السلفيين وحماس. هذا يدخل في ذك وهؤلاء ضعفوا مقارنة بالآخرين، ولهذا وقعوا على المصالحة برعاية مصرية ولكنهم يعنون أو لا يعنون ذلك حقاً. أما ما لا نريد رؤيته، سماعه أو قراءته هو بأننا نحن المذنبون المركزيون…
اساف دافيد

 

كيف تحلل إسرائيل، وعلى رأسها مؤسسات الحكومة، الأكاديميا والاعلام الممأسس، ما يحصل في الجانب الفلسطيني؟ من خلال المنظور الأمني. هذا ليس بالأمر الجديد. لكن هذا المنظور يقع في حقل أوسع، مؤسساتي-سياسي. من المهم اضاءة هذا الجانب لأن الخطاب المؤسساتي-السياسي يتضمن عملياً على معلومات من نوع معين تصقل وعينا ويقصي- ويخفي عملياً- معلومات من نوع آخر.

هناك مصالحة بين حماس وفتح؟ كتائب وفرق من المستشرقين في الأكاديميا والإعلام يقومون بتحليل كل مقولة، كل شخصية، كل خطوة، ويضعونها في سياق سياسي، تكتيكي أو استراتيجي. ترامب، مصر، روسيا، ايران، السعودية، قطر، أبو مازن، دحلان، هنية، السنوار، الجهاد الاسلامي، السلفيين، السنة، الشيعة، هذا الهلال وذك الهلال. جميعنا أذكياء وجميعنا نفهم الطريقة. ولكن هذه الطريقة لا تمثل شيئاً، فالحياة نفسها، كما يقولون، هي أكبر من الناس، المنظمات والعمليات السياسية، ومن لا يفهم الحياة نفسها، لا يفقه شيئاً.

لكي نحافظ على الصورة المشوهه التي بنيناها لأنفسنا، من المهم بأن نواصل النظر فقط إلى الأعلى ومن الأعلى على السياسة، المؤسسات والعداوات الداخلية بين المجموعات المختلفة من العرب والفلسطينيين. ويح لنا ان نظرنا إلى الأناس الصغار الذين تدوس عليهم الجزمة في الحياة العادية..

نشر ملحق صحيفة “هآرتس” (بتاريخ 3 نوفمبر) مقابلة مع محمد منصور، نفساني فلسطيني-إسرائيل من قرية المشهد، يتطوع في اطار منظمة “أطباء لحقوق الانسان” ويتنقل بشكل ثابت بين إسرائيل وغزة. الواقع الذي يتحدث عنه فظيع: الفوضى في قطاع غزة عارمة وهي تشوش الأعراف والأنماط المقبولة في المجتمع الفلسطيني والعربي، خاصةً بين الرجال والنساء. خروج تام عن القواعد.

نحن، من جهتنا، نبقى على جهلنا. كضباط استخبارات مدققين تفرض “الرسمية” عليهم عندما يدرسون الأشخاص الذين يقفون في مركز بحثهم، المعلومات المركزية التي ننكشف عليها في الأكاديميا والإعلام هي دحلان وأبو مازن، الجهاد وايران، السلفيين وحماس. هذا يدخل في ذك وهؤلاء ضعفوا مقارنة بالآخرين، ولهذا وقعوا على (اتفاقية) مصالحة برعاية مصرية ولكنهم يعنون أو لا يعنون ذلك حقاً.

ما هي المعلومات التي لا نعرفها؟ كل ما تواظب منظمات حقوق الانسان، من خلالها عملها الشاق والمقدس، على نشره على مدى سنوات وسنوات:  تلك المنظمات التي تحولت لممسحة يداس عليها في الحكومة والكنيست، والتي يضيقون عليها في البيت أكثر فأكثر لكي تصمت ولكن يلوحون بها في الخارج- ومن يحاربها بشكل أشد في البيت يتفاخر بها بصوت أعلى في الخارج- لأنها لاعب منتصر في المعركة على الوعي الدولي.

منظمات حقوق الانسان تساعدنا أن نثبت بأن إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، ومن لا يعجبه ذلك بإمكانه أن ينتقل للعيش في غزة برفقة هذه المنظمات. هذه هي المنظمات التي تحكي لنا عما يجري في الميدان حقاً: ما لا نريد رؤيته، سماعه أو قراءته. خذوهم من وجهنا فمن غير المريح بأن نعرف بأن هذا هو ذنبنا بنهاية المطاف.

نعم، ذنبنا. نحن نحرم شعب كامل من حقه القومي، ولكي نضمن بأن يكون الانتصار تاماً (“كي الوعي”) فنحن نحرم الأفراد الذين يشكلون هذا الشعب من حقوق الانسان. لهذا، فنحن بنهاية المطاف مسئولين. نحن من يتحمل مسؤولية هذه الفوضى حتى لو لم نكن الوحيدين الذين يساهمون في تفشيها.

متى كانت المرة الأخيرة التي رأيتم فيها سياسي أو محلل مشهور أو مستشرق إسرائيلي من قلب الأكاديميا- مع العلم بأن جميعهم “مهنيون” وجميعهم “لا سياسيون” وجميعم “حياديون” وجميعهم يفهمون الطريقة- يحلل ما يجري في الضفة وغزة على أساس التقارير والمعطيات التي توفرها منظمات حقوق الانسان المتواجدة في الميدان؟ أو يتطرق إلى الجانب الانساني في معرض الحديث السياسي المبتذل عن هذا الأبو (الذي دخلت به إسرائيل) الذي يحل محل ذك الأبو (الذي ستدخل به إسرئيل)؟ يتساءل ان كانت حماس قد ذهبت للمصالحة لأن الأوضاع في غزة لا تحتمل، ويقدم التفسيرات والإثباتات والأمثلة، وليس فقط بسبب دحلان أو السيسي أو الجهاد أو أبو جهاد؟

لم تروا ذلك، فلكي نحافظ على الصورة المشوهه التي بنيناها لأنفسنا، من المهم بأن نواصل النظر فقط إلى الأعلى ومن الأعلى على السياسة، المؤسسات والعداوات الداخلية بين المجموعات المختلفة من العرب والفلسطينيين. ويح لنا ان نظرنا إلى الأناس الصغار الذين تدوس عليهم الجزمة في الحياة العادية، هذه الحياة التي تصبح غير محتملة أكثر فأكثر حتى لحظة الانفجار التي تشبه اللحظة التي اشتعل فيها البوعزيزي في تونس والتي لم يتنبأ أحد بها مسبقاً، فحاول أن تفهم ان استطعت! هؤلاء العرب هم لغز بحق!

لا يمكن أن نتوقع شيئاً من السياسيين في اليمين فماذا سيفعلون بأنفسهم ان لم يقوموا بالانكار وكرس المرايا التي تضع أمامهم مرة تلو الأخرى؟ ولكن بالإمكان التوجه للسياسيين في اليسار، للإعلاميين وللمستشرقين: تريدون البدء من مكان ما؟ لماذا لا تبدؤون بدمج معلومات من منظمات حقوق الانسان حول الحاصل في غزة والضفة الغربية في طريقة نظركم وتحليلكم، ليس فقط لكي تمنحوا هذه المنظمات شرعية جماهيرية في ظل الاجواء الخانقة التي تسود الدولة انما لأن هذه  هي المعلومات الوحيدة التي تعطي صوتاً وهيئة انسانية لهؤلاء الذين تتحدثون عنهم: المعلومات الوحيدة التي تجعلهم بشريين.

ولنبدأ من هنا، والبقية، ان شاء الله، ستأتي لوحدها.

المدير الأكاديمي لمنتدى التفكير الاقليمي.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.