string(2) "ar"
string(2) "ar" -array(0) { }

هذا هو الوقت المواتي للانفصال عن مؤسسات الحكم الاسرائيلية

المشكلة في حقيقة الأمر بأن استمرار المشاركة السياسية للقائمة المشتركة يمس ويؤجل تحقيق الهدف التاريخي ألا وهو التخلص من الحكم الذي فرضته الصهيونية بين البحر والنهر.
مرسلو سبيرسكي

 

بالإمكان الادعاء بسهولة بأن مكانتي الاجتماعية لا تؤهلني للتعبير عن الآراء التي أعبر عنها هنا، وهذا أقل ما يقال. هناك من سيقول بأن حقيقة كوني مواطن إسرائيلي-يهودي، عدا عن أنني لا أعيش في إسرائيل حالياً، تضعضع ربما وتلغي أهمية ما لدي من أقوال. فبما أن المقال الذي أمامكم يركز على القائمة المشتركة التي تمثل بالأساس المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، يطرح السؤال لماذا أشعر أنا، اليهودي الإسرائيلي (سابقاً أم لا) بأن لدي حاجة أو حتى حق للتعبير عن موقفي حيال الموضوع. قد يكون الجواب الأسهل بأنني أكترث لما يجري ولكنني، وبكل الأحوال، أدعو القارئات والقراء ليقرروا إن كانوا يريدون الاصغاء إلى آرائي أو رفضها بسبب اشكالية المكانة التي ذكرتها.

في الحقيقة، لا يوجد أي جديد في ما أريد قوله. أنا فقط أريد أن أثير مجدداً الادعاء الذي طرحه من هم أذكى مني في الماضي. ولكن في هذه الأيام التي توضح فيها الأحداث بشكل جلي ما الذي يحافظ على وحدة المجتمع الإسرائيلي- بالإشارة إلى المتعة التي يجنيها من قمع الشعب الفلسطيني- حتى كنس الغبار عن ادعاءات أكل عليها الدهر وشرب قد يكون مجدياً.

لا أستخف بالانجازات القليلة التي تسجلها القائمة المشتركة والتي سجلتها الأحزاب العربية من قبلها ولكن هذه الانجازات لم تقترب يوماً من زعزعة استقرار المشروع الإسرائيلي ولو قليلاً.

المصوتون والمصوتات المشاركون في انتخابات الكنيست يصوتون للبرلمان الذي يولد السلطة التنفيذية المسؤولة عن المناطق التي تسيطر عليها دولة إسرائيل. لأن نطاق السياسة السلطوية في مناطق نفوذ إسرائيل تجاه السكان والمواطنين الفلسطينيين لم يتغير منذ عدة عقود على الأقل، مما يعني عملياً بأن كافة المواقف الرسمية لدولة إٍسرائيل بقيت على حالها في هذه المسألة بكلا جانبي الخط الأخضر بغض النظر عن نوعية التحالف المتواجد في الحكم، فإن ما يقوم به المصوتون والمصوتات للأحزاب المشاركة في اللعبة السياسية الإسرائيلية في نهاية المطاف هو منح شرعية مباشرة للمواقف الرسمية تجاه الفلسطينيين. كما أشارت اوفيرا ازولاي وعدي اوفير في عملهن المشترك، فإن مواطني إسرائيل يصوتون لحكومة تسير حياة الناس في كلا جانبي الخط الأخضر: هم يصوتون لحكومة تسير حياة الناس غربي الخط بنفس الدرجة التي يصوتون فيها لحكومة تسير حياة الناس شرقيه. حكومة الاحتلال، من البحر إلى (نهر) الاردن. نعم، بمقدور الاجراءات الديمقراطية أن تنتج حكومة تدير مشاريعاً وأحكاماً غير ديمقراطية.

خلافاً لرغبتها، تقوم القائمة المشتركة أيضاً بمنح شرعية لاستمرار الاحتلال، استمرار التمييز تجاه المواطنين الفلسطينيين (في إسرائيل) واستمرار النزعة العسكرية الإسرائيلية. مشاركتها في النظام السياسي الإسرائيلي الى جانب عدم قدرتها على تغيير سياسة حكومات إسرائيل، بما يشمل السياسة الفتاكة التي تتبناها الحكومة والمنظومة الأمنية الآن تجاه غزة- تجعل القائمة المشتركة، جراء هذا الاخفاق البنيوي، جزءاً من قاعدة النظام السياسي الإسرائيلي الذي يسن ويضمن استمرارية السيطرة الكولونيالية على الشعب الفلسطيني. هناك من سيدعي بأن الوضع ليس مختلفاً في أية دولة لا تنجح فيها الأحزاب الديمقراطية او المعادية للمؤسسة بالتأثير على الاوضاع التي تمس بالمجموعات السكانية، ولكن دعونا لا ننسى بأنه لا يوجد أي مثيل في العالم للسيطرة الإسرائيلية على السكان الفلسطينيين.

لا أستخف بالانجازات القليلة التي تسجلها القائمة المشتركة والتي سجلتها الأحزاب العربية من قبلها ولكن هذه الانجازات لم تقترب يوماً من زعزعة استقرار المشروع الإسرائيلي ولو قليلاً. صحيح أيضاً بأن امكانية التصويت للقائمة المشتركة تلطف ما لا يطاق ولكن لا يوجد هنا أكثر من الاكتفاء الشخصي الذي يسمح لمصوتيها، فلسطينيون كانوا أم يهوداً، بأن يشعروا بأنهم يساهمون بقدر ما. المشكلة في حقيقة الأمر بأن استمرار المشاركة السياسية للقائمة المشتركة يمس ويؤجل تحقيق الهدف التاريخي ألا وهو التخلص من الحكم الذي فرضته الصهيونية بين البحر والنهر.

هناك بعدان اثنان فيما يتعلق باستبدال الحكم الصهيوني ببديل ديقمراطي: الاول يتعلق باستمرار الجهود الثقافية-السياسية لخلق أدوات تستخدم في المستقبل لبناء مجتمع جديد. بمبادرة المجتمع والقيادة الفلسطينية، تعمل عشرات من منظمات المجتمع المدني- منظمات فلسطينية، يهودية ومنها مشتركة- بصورة جدية منذ سنين لإنتاج ممارسات ديمقراطية في مجالات التربية، الاسكان، حقوق العمال وفي النضال ضد ممارسات الاحتلال وغيرها. من الصعب الوقوف على نتائج هذه الجهود في الحاضر لكننا نتحدث عن عمل سياسي ثمين من الممنوع التنازل عنه. هذه الجهود تخلق الادوات الثقافية للمجتمع الذي سيأتي. البعد الثاني لإنهاء المشروع الصهيوني في فلسطين يتعلق بتوحيد القوى الداخلية والخارجية لإخضاع إسرائيل. مما نراه اليوم، يبدو بأن حملة المقاطعة كجزء من المقاومة الفلسطينية تتحلى بأفضل الاحتمالات لخلق ضغط يجبر إسرائيل، في المستقبل غير البعيد، على تغير سياستها بعد أن لا تبقى أمامها خيارات أخرى. لا أفق للبعد الأول دون البعد الثاني. الإسرائيليون لن يتنازلوا طواعية عن امتيازاتهم الكولونيالية التي تعتمد على حرمان الشعب الفلسطيني.

الاستنتاج المطلوب هو بأن بمقدور القائمة المشتركة أن تساهم مساهمة سياسية حقيقية في تسريع توسيع المقاطعة بحق دولة إسرائيل بواسطة الاستقالة من السياسة الاسرائيلية الرسمية.

المتحدثون بإسم إسرائيل يستخدمون مشاركة القائمة المشتركة في اللعبة السياسية الإسرائيلية لترسيخ الادعاء السخيف الذي يعرض إسرائيل على أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. لكي نفهم الكمون السياسي الذي ينطوي على استقالتها من الكنيست، علينا أن نتخيل الوضع الذي سيتشكل عندما يقاطع المصوتون الفلسطينيون واليهود الذين يدعمون النضال الأصلاني-الفلسطيني السياسة الإسرائيلية الرسمية. ستتحول الكنيست في هذا السيناريو بشكل فوري لبرلمان يهودي بحت يعتمد على أحزاب صهيونية فقط (لا اعتقد بأن هناك سبب لاستثناء الأحزاب المتدينة الارثوذكسية التي تدعي بأنها تحمل مواقفاً غير صهيونية طالما أن هذه تدعم المشروع الصهيوني بشكل عملي في التشريع، تنفيذ السياسة والتحريض العنصري).

برلمان يهودي بحت لا يمكن أن يشكل قاعدة للادعاء بأن إسرائيل هي ديمقراطية، كما أن بإمكانه أن يغير الطريقة التي ينظر فيها المجتمع الدولي إلى إسرائيل: في هذه الحالة، سيستطيع العالم أن يرى بشكل واضح العلاقة المباشرة بين طابع السياسة الإسرائيلية التاريخية تجاه الشعب الفلسطيني وبين طابع مؤسساتها، قوانينها وسماتها الثقافية. سيسمح ذلك أيضاً بالربط بين المظالم الإسرائيلية في كلا جهتي الخط الأخضر- كمظالم تشكل حكماً واحداً ووحيداً. هذه الحالة بإمكانها بالفعل أن تشكل بداية الاختفاء المفاهيمي للخط الأخضر في الوعي الدولي. في حالة من هذا النوع، سيكون على الإسرائيليين الذين يصوتون للقائمة المشتركة لتلطيف شعور الشراكة في جرائم الدولة التعامل مع قرارات سياسية شديدة وجدية أكثر. كما أنهم سيضطرون لتقديم شروحات أفضل لسبب استمرارهم في تقديم أنفسهم كصهيونيين، وان يفحصوا ان كانت صهيونتهم تتحمل تحول الكنيست لمؤسسة يهودية بحتة؟

بعد سبعين عاماً، من الأجدر الاعتراف بأن محاولات كبح السياسة الصهيونية “من الداخل” لم توفق. الاستنتاج المطلوب هو بأن بمقدور القائمة المشتركة أن تساهم مساهمة سياسية حقيقية في تسريع توسيع المقاطعة بحق دولة إسرائيل بواسطة الاستقالة من السياسة الاسرائيلية الرسمية. مقابل الانجازات القليلة في الكنيست هناك امكانية لخلق انجاز واحد جدي خارجها. هذا هو الوقت المواتي للتفكير بجدية بالخروج من الاطار السياسي الذي خلقته الصهيونية. من الاحتواء إلى المقاطعة. قد تكون هذه نقطة انطلاق تاريخية نحو بناء مؤسسات سياسية جديدة خارج الاطار الرسمي لدولة إسرائيل.

مرسلو سبيرسكي هو محاضر كبير في مدرسة العلوم الانسانية والأبحاث الاجتماعية في جامعة ولونغونغ، استراليا، يتعاطى مع قضايا تتعلق بالتغيير الاجتماعي، تفكيك الاستعمار، مجتمعات الاستعمار الاستيطاني والنشاطية السياسية.

 

التعليقات