string(2) "ar"
string(2) "ar" -array(0) { }

على مائدة اللئام: فتات اليسار الصهيوني لا يشبع احداً!

مع كل الاحترام للجدل المتواصل حول رفع الأعلام في التظاهرة الجماهيرية التي خرجت ضد قانون القومية، على الجمهور الفلسطيني أن يسأل نفسه أولاً كيف حصل اليسار الصهيوني على مكانة شريك في النضال، وأين اختفت كلمة “الاحتلال” التي استبدلت ب”المساواة”(!)
رجاء ناطور

 

آلاف الفلسطينيون، من مواطني دولة إسرائيل، قصدوا السبت الماضي (11.8) ساحة رابين في تل أبيب للاحتجاج على قانون القومية الكولونيالي بجوهره. وكانت قد دعت لهذه التظاهرة لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل التي تشكل الآن، لسوء الحظ، الجسم الفلسطيني القيادي الوحيد (على مستوى الداخل). خلافاً للكثيرين- فلسطينيين ويهود-  لم أحتار ولم أتردد حيال المشاركة أو عدم المشاركة في التظاهرة: كان من الواضح بالنسبة لي بأنني لست ذاهبة. لم ترتبط دوافعي بالشخصيات التي وقفت من وراء المبادرة، الشخوص الفاعلين ولا حتى بالقيادة الفلسطينية الحالية التي فقدت ثقتي السياسية-القومية بها منذ زمن بل عارضت المشاركة بالأساس بسبب الخطاب والرسائل والمضامين التي أقيمت هذه التظاهرة الجماهيرية تحت رايتها.

من أين ظهر خطاب المساواة المدنية فجأة بعد أن اعتبر مصطلحاً فارغاً وبغيضاً لسنوات وبعد أن خرجنا ضده بكامل قوتنا لأن المطالبه به تعني التنازل السياسي طويل الأمد عن حق التحرر القومي من غين الاحتلال.

تأطير التظاهرة تحت العنوان السطحي “فليسقط قانون القومية- نعم للمساواة” هو عمل مرفوض، بنظري، سياسياً وايديولوجياً واستراتيجياً. الاشكاليات التي ينطوي عليها هذا التأطير واسعة وعميقة سأسوق هنا بعض من جوانبها. بادئ ذي بدء، لا بد من التذكير بأن المطلب السياسي-القومي الفلسطيني ليس تحقيق المساواة انما انهاء الاحتلال الذي تم تشريع قانون القومية منذ البداية بسببه وفي ظله. من المستغرب والمستهجن حتى أن نطالب بمواطنة متساوية تحت الاحتلال ونتجاهل ما يجري لباقي اخوتنا الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة لا سيما وأن قانون القومية لا يهدف فقط لترسيخ علاقات القوة والفوقية اليهودية انما أيضاً لاستبقاء الاحتلال كمشروع كولونيالي مرتبط بشكل مباشر بمصير اليهود في هذه البلاد. هل تسائل أحد في لجنة المتابعة العليا إلى أين سنكمل طريقنا كجماعة فلسطينية من نقطة الحضيض هذه؟ هل تبقى لنا شيء نطلبه من هذه المؤسسة القامعة؟ ما هو خطاب المواطنة المتساوية على انعكاساته السياسية وأي ظلم يحمل في طياته؟ هل الحديث عن خطاب فلسطيني و\أو عن منحى فرض على الخطاب الفلسطيني الذي انصاع بدوره؟ هذه ليست النقطة التي لا رجعة منها انما النقطة التي لا يوجد إلى اين نذهب منها!

إلى ذلك، فإن مطلب المساواة لا يلغي مبدأ يهودية الدولة انما يوافق على التواجد تحت سقفه. هكذا تقبل الجماعة الفلسطينية غبن الاحتلال بغطاء ورقة توت المساواة الكاذبة. ولهذا، يطرح السؤال بماذا طالب الفلسطينيون في ساحة رابين: مساواة تحت الاحتلال وتوزيع عادل للكعكة؟ كيف يختلف هذا المطلب بالضبط عن مطلب الدروز والشرقيين بالمساواة؟ لست أدري من أين ظهر خطاب المساواة المدنية فجأة بعد أن اعتبر مصطلحاً فارغاً وبغيضاً لسنوات، وبعد أن خرجنا ضده بكامل قوتنا لأن المطالبه به تعني التنازل السياسي طويل الأمد عن حق التحرر القومي من غين الاحتلال. كيف يمكننا المطالبة بمساواة مدنية من مؤسسة ترى بأن المواطنة الوحيدة هي تجنيد الفلسطينيين للجيش؟ ذلك دون أن نتطرق لكون خطاب المساواة المدنية مريحاً لليسار الصهيوني لأنه يبقى في اطار عالم مصطلحاته الصهيونية ويطمئنه بأنه لا توجد هنا طموحات قومية للتحرر من الاحتلال، بل العكس- هناك قبول واستسلام للأمر الواقع.

تركيز الاعلام الإسرائيلي المركزي على قضية رفع الأعلام الفلسطينية في التظاهرة، الأعلام ولا شيء سواها، لم يأتي من فراغ. فالحديث هذه المرة لم يكن فقط عن التحريض، التهييج ودمغ مجموعة كاملة بصفتها تهديداً وجودياً: هذه المسألة تشير إلى ما هو أعمق وأكثر اشكالية لأنها كانت بمثابة انعكاس واضح جداً لارتباك الرسائل في الخطاب الفلسطيني الداخلي. بدل فرض القضايا والمضامين الجوهرية، انشغل الخطاب الفلسطيني مرة أخرى بالرموز، بديكور الخلفية وبالنوستالجيا. أعذروني ولكنني لا أنفعل من رفع الأعلام و\أو الصلاة في ساحة رابين ولا من مسيرة الاعلام حتى متحف تل أبيب لأنني أرفض التعاون مع نضال فلسطيني نوستالجي، وأحاول أن أتجنب قدر الامكان الأجواء التي خلقها اليسار الصهيوني حول “السماح” للمتظاهرين العرب بالتعبير عن أنفسهم.

المصيبة بأن الفلسطينيين في إسرائيل يؤمنون بأنه بالإمكان عقد تحالف مع اليسار الصهيوني، وبمجرد اعتيادهم على الفتات السياسية التي يبقيها لهم. التحالف المشترك هو أمر ممكن ولكن ليس مع اليسار الصهيوني.

لدي أسئلة صعبة، مركبة ومتحدية لا اوجهها لقيادتنا العزيزة التي لا أتوقع بأن تقدم اجابة ذكية بشكل خاص، انما لنا، للجمهور الفلسطيني على أطيافه. كيف تحول اليسار الصهيوني، بين ليلة وضحاها، ل”شريك في النضال ضد الاحتلال”- النضال الذي حصل فجأة على عنوان “نضال للمساواة”؟ ما هي المساهمة التي قدمها اليسار الصهيوني لإنهاء الاحتلال- أو على الأقل لالغاء قانون النكبة، المواطنة، الجمعيات وغيرها- لكي نسمح له بالوقوف إلى جانبنا، كتفاً إلى كتف، في ساحة رابين؟ كيف حصل اليسار الصهيوني، الكولونيالي في رؤيته، المتلعثم دائماً وأبداً، الذي لا يسعى إلا للحفاظ على معادلة القوة القمعية، على مكانة اعتبارية كشريك للنضال لدرجة اجراء مفاوضات معه على شرعية وجود رموز قومية في التظاهرة؟ هذا هو خطاب الأسياد ذاته الذي يحدد للفلسطينيين كيف وماذا ومن- من يقرر ماذا سيحصل في ساحة رابين وما هي الحدود الشرعية للاحتجاج.

تحت رعايته وبسببه، بسبب هذا اليسار-وسط الصهيوني الذي لن يتنازل يوماً عن مراكز القوة والامتيازات وسيستمر في التحدث إلى الفلسطينيين بلغة عسكرية وأمنية- مر في الكنيست ليس فقط قانون القومية بل كذلك قانون النكبة، قانون لم الشمل، قانون الجمعيات.. أكثر من 55 قانون عنصري تم تشريعها في دولة كل مواطنيها أمام ناظره وصمته. لا يعقل بأن يقرر اليسار الصهيوني متى يريد ومتى لا يريد وكيف يريد أن يكون شريكاً للنضال الفلسطيني بناء على أرباح واعتبارات سياسية.

مصيبة الفلسطينيون ليست قانون القومية ولا سلسة القوانين العنصرية التي مرت في الكنيست بدعم او بصمت من اليسار الصهيوني. المصيبة بأن الفلسطينيين في إسرائيل يؤمنون بأنه بالإمكان عقد تحالف مع اليسار الصهيوني، وبمجرد اعتيادهم على الفتات السياسي الذي يبقيه لهم. التحالف المشترك هو أمر ممكن ولكن ليس مع اليسار الصهيوني. كما أن ذلك لا يمكن أن يكون بمثابة أمنية لدى المقموعين: هناك مراجع وممارسات عديدة لبناء تحالف مقموعين ويجب دراستها وتنفيذها خارج الكنيست، خارج بيت السيد.

كان بالحري ممن اعتلوا المنصة خلال التظاهرة بألا يعيبوا حكومة نتنياهو التي لم تعد تفاجئنا انما أن يعيبوا اليسار الصهيوني المنافق الذي لم يحرك ساكناً عندما قصفوا غزة وما زال يقف مكتوف الايدي عندما يقصفون غزة ويفتحون النار بشكل موضعي ويغتالون الناس بشكل موضعي، وعندما يتواجد أكثر من 800 قاصر فلسطيني في السجون العسكرية وتصلب دارين طاطور- والقائمة طويلة! ما هو الانجاز السياسي الذي حققناه من هذه الكتف الغدارة؟!

كان بالحري ممن اعتلى المنصة بأن يصرخ صرخة تصم الآذان وأن يقول بوضوح: كفى لهذا النفاق، كفى للتعاون مع هذا النفاق، كفى للاستجداء السياسي وللفتات الذي يرميه اليسار الصهيوني صوبنا. من هم أذكى مني، نساء ناشطات ونسويات سود، قلن بسنوات الستينات بأن أدوات السيد لن تهدم بيت السيد: لكي نقوم بذلك علينا الاستعانة بكتف أخرى!

 

رجاء ناطور هي صحافية، مترجمة وشاعرة. تعمل كمراسلة للتلفزيون الاجتماعي وزميلة بحث في منتدى التفكير الاقليمي. تكتب عن النساء في الشرق الأوسط.

 

المزيد:

قانون القومية ومنظومة الامتيازات في إسرائيل”، أمل جمال. “

 

التعليقات