التفوق اليهودي غشاوة على أعيننا

لا يمكن، ومحظور، تبرير أحداث السبت الدامي، لكن محاولة فهم أزمة الفلسطينيين هي الخطوة الوحيدة التي من الممكن أن تؤدي إلى حل. رفض النظر في المرآة واستمرار العنف المتبادل سيتركنا جميعا في الوحل
روتي لافي

ترجمة: محمد حسني

تخيم الأن أجواء مسمومة، هنا في إسرائيل. كان السم طوال الوقت في الأجواء، والآن، عبر الخوف والبشاعة من مذبحة مستوطنات غلاف غزة، فإنه  يتسرب إلى أرواحنا ويؤدي إلى ما يشبه مطاردة المشعوذات لكل من لا يقول آمين “للإعلام الإسرائيلي”.

الكثير والكثير من العنف ينفجر ضد من يرفضون الخطاب الذي يُعرِّف مخلوقات آدمية بالوحوش مباح تصفيتهم وتصفية نسلهم. تجاه من تتجرأن على الحديث عن المعاناة الفلسطينية. تجاه  من تؤمنَّ أن البحث عن وحوش واجب تصفيتهم هو نفسه ما يخلق الوحوش القادمة، والبشاعات القادمة. تجاه من تفهمن أن الخطاب الذي يستخدم تعبير الحيوانات الآدمية يبرر في نهاية الأمر  دعوة سموتريتش “آن أوان الوحشية”  ويدعم توجهات سموتريتش في السلطة.

أنا أتَفهّم الخوف والهلع، والحاجة للبحث عن الحماية بالمفهوم الشعبي، والمفهوم القومي، بأن نكون يهود. إنني أتفهّم الخوف من كل محاولة لفهم ما حدث حتى في ضوء ما كان قبل ذلك، طوال سنين.

أنا أتفهّم كذلك العنف النابع من الخوف من التامل في البشاعة ومحاولة التفكير فيما تسبب فيها- لكنه الخوف نفسه الذي يعيشه الفلسطينيون في المناطق وفي داخل إسرائيل طوال حياتهم. والحماية الوحيدة لحياتنا جميعا هي تَفهُّم الخوف ، ولكن أيضا الخروج منه، ان نخرج منه فيما بعد كي نعطي فرصة للمستقبل.

محاولة فهم لماذا، لم تأتِ لتبرير ما قد جرى، ولكن من دونها لن نستطيع منع البشاعة القادمة-

التي سنتعرض لها أو يتعرض لها آخرين، هم أيضا من خلق الله.

هذه محاولة لتقديم أمل لمستقبل، لا يمكن أن يوجد إن لم نستطع أن نزيل عن اعيننا الغشاوة التي تسمى التفوق اليهودي. تلك الغشاوة التي لا يشعر البعض بوجودها، ووجهة النظر التي يقدمها بسببها قد بدت، ولا تزال تبدو “طبيعية”

والآن، ولكي لا أتعرض للإعدام حرقا (لفظيًا على الأقل) مع كل رفيقاتي من اليسار المتطرف (اليسار الذي يجرأ على الحديث عن الإنسانية- وهو تطرف رهيب في أيامنا هذه) لذا فإنني أبادر بالقول: كلامي هنا ليس محاولة للتبرئة أو محاولة لتبرير كل تلك الأعمال البشعة. بل أنها محاولة لطرح الأمل- أمل في مستقبل لا يمكن أن يوجد إن لم ننجح في أن نزيل عن أعيننا الغشاوة التي  تسمى “التفوق اليهودي”، التي أنبتناها ربما دون ان ندري وغرسناها في داخلنا.  تلك الغشاوة التي لا يشعر البعض بوجودها، ووجهة النظر التي يطرحها بسببها  تبدو “طبيعية”.

أوتوماتيكية التنديد

أريد أن أبدأ بقصة عن حرب أخرى. عملية السور الواقي. تذكرتها، عندما رأيت الكثير من اليهود الذين يتسائلون لماذا لا يشجب سكان غزة  مذبحة مستوطنات الغلاف ويطرحون ذلك (أي عدم التنديد) كسبب كاف لتصفيتهم. في 2002، في قلب جنين، قُتل عشرات الفلسطينيين، وهدمت الجرافات بيوت كثيرة. يمكن أن نرى الشيطنة التي اجتاحت المجتمع اليهودي في إسرائيل واستباحت دمهم، في أقوال أحد سائقي الجرافات، والتي وردت في تحقيق صادوق يحزقئيل في يديعوت 31 مايو 2002.

“لم ارَ أناس أحياء يسقط البيت عليهم. ولكن وإن كانوا، لم يكن ذلك ليهزني. فإنني متأكد أن أناس ماتوا في تلك البيوت، ولكن تعذرت رؤيتهم. كان هناك غبار كثيف وقد عملنا في الليل. كنت أشعر بمتعة كبيرة مع كل بيت يُهدَم، لأنني كنت أعرف انهم لا يكترثون للموت، لكن البيت يؤلمهم أكثر. إن هدمت بيت فقد دفنت 40 أو 50 إنسان على مر أجيال. إن كان هناك شيء يؤلمني فهو أننا لم نمحُ  المخيم بأكمله”

في تلك الأيام، كان هناك لقاء خاص بوزارة التعليم بين مدرسات يهوديات وفلسطينيات (عربيات باللفظ الشائع). في ذلك اللقاء حكت إحدى المدرسات اليهوديات عن مدرس يهودي أطلق بالونات مرسوم عليها قلوب بجوار الجدار، حتى يرونها على الجانب الآخر أيضا. وبعد ذلك نظرت باستنكار إلى المدرسات العربيات وسألت لماذا لم يطلق المدرسون في جنين بالونات كهذه إلى الجانب اليهودي. حدقت بها (لأنني يهودية فأمكنني أن أسمح لنفسي بذلك، فالمدرسات العربيات خشين أن تتفوهن بكلمة) وقلت ببساطة: لم يكونوا يستطيعون، فقد كانوا مدفونين تحت الأطلال.

إننا نطالبهم مرارا وتكرارا أن ينددوا بمذبحة لا يوافقون عليها ولم يقترفوها. زلكن ماذا يفعلون إن كانت تلك المذبحة تعطي مشروعية لتصفية شعبهم وعائلاتهم؟ فبينما يحاولون رثاء عائلاتهم وشعبهم- سيُطلَق عليهم فورا “مؤيدي حماس”

ومرة أخرى، بعد عشرين سنة، نقرر مصير سكان غزة، ندفنهم تحت الأنقاض، دون مياه، أو طعام أو كهرباء أو الحد الأدنى من الحماية من القصف-  ونغضب أنهم لا ينتصبون للتنديد، ونحن لا نحاكمهم وحدهم. بل أيضا مواطني إسرائيل الفلسطينيين إننا نطالبهم مرارا وتكرارا أن ينددوا بمذبحة لا يوافقون عليها ولم يقترفوها. زلكن ماذا يفعلون إن كانت تلك المذبحة تعطي مشروعية لتصفية شعبهم وعائلاتهم؟ فبينما يحاولون رثاء أهلهم وشعبهم- سيُطلَق عليهم فورا “مؤيدي حماس”.

والأكثر من ذلك، مرارا وتكرارا طوال سنوات وجود دولة إسرائيل، هم مطالَبون بإثبات برائتهم. إثبات أنهم عرب طيبون، وبالأخص وقت الحرب. دون الانتباه، من وجهة النظر اليهودية (التي أصبحت الأعلى والأوحد) كل القصص عن “العرب” الذين يعيشون في الجنوب، الذين ساعدوا ودعموا جيرانهم اليهود وقتبتهم حماس، ويمثلون هذا التوجه “هناك أيضا عرب طيبون”. عندما تقوم جمعية-مثلا- بجمع التبرعات لدعم البدو- فإنها تبادر بعرض أعمالهم البطولية ومسانداتهم. بدون أن نشعر نحن نجذّر مرارا الفرضية اليهودية “الطبيعية”، أن من لا يساند اليهود لا يستحق دعم دولته، التي هي بالبديهة “يهودية ديموقراطية”

تعالوا إذًا، نسمح لأنفسنا، دون خوف، أن نتأمل قليلا  في المرآة، ونحاول أن نربط بين ما يبدو فيها وبين ما حدث وما سيحدث، على أمل أن يحدث بشكل مختلف. تعالوا نكف عن البحث عن الوحش القادم دون أن نفهم أن تأمله وحسب يجعلنا نشبهه. تعالوا نحاول أن نفتح أعيننا ليس عن طريق استباحة دماء آخرين بوسوم مثل “مؤيدي حماس” و”يسار متطرف” المفرغة من أي مضمون ماعدا استباحة الدم. كما استبحنا دماء مواطني غزة ببساطة شديدة.

تعالوا نتأمل في المرآة

نحن، من لم نفلح بالديموقراطية النسبية، في منع نظام حكم قاتل شجع بشكل سافر قتل الفلسطينيين، وطرد شعب، نطالب بتصفية مواطني غزة لأنهم لم يفلحوا في إزالة سلطة حماس أو معارضتها.

نحن، من نعيش في رفاهية نسبية، ويعيش معظمنا باحترام، نطالب بمعاقبة مواطني غزة  الذين يعيشون مفتقدين الأمان في البقاء، ظمئى وجوعى، لأنهم لم يتبدلوا سلطة حماس أو يعارضوها.

نحن، من نتمتم كل مرة مجددا أن “نوعر هاجفعوت” والمستوطنين لا يمثلون الشعب وأن هناك أيضا مستوطنين إنسانيين، نبرر قتل مدنيين وتعريض حياتهم للخطر عن طريق قطع المياه والكهرباء والغذاء، بزعم أنهم يستحقون ذلك لأنهم لم يعارضوا حماس.

نحن، من نجحنا في ألا نرى وألا نسمع كيف تصفي إسرائيل كل نشطاء السلام الفلسطينيين، نصرخ الآن أنهم لا يريدون سوى قتلنا.

نحن، من عرفنا الظروف غير الإنسانية، التي يُربى فيها الصغار، ويعيشها الكبار -في خوف دائم، وضبابية- نقوم لنصرخ أنهم ليسوا بشرا ومباح قتلهم

نحن، من عرفنا الظروف غير الإنسانية، التي يُربى فيها الصغار، ويعيشها الكبار -في خوف دائم، وضبابية- نقوم لنصرخ أنهم ليسوا بشرا ومباح قتلهم.

نحن، من تعج مدارسنا بالعسكرة التي تشدد كيف يحاولون قتلنا، نقول أن أطفال غزة يتعلمون كراهية اليهود في المدارس وأنهم مُسممون ولذلك مباح قتلهم.

نحن، من تعامينا، طوال فترة الاحتجاج والنضال، من الاعتداءات واللعنف السافر  وقتل الفلسطينيين في المناطق، لأن “هناك أمور أهم الآن”، نطالب بتصفية أهل غزة لنهم لم ينتفضوا لمعارضة حماس وإزاحتها.

نحن، من تحولنا من مفرط الألم والخوف الرهيبين، لإله يصب غضبه على الآخرين، من منطلق أنه مباح لنا وحسب أن نتصرف كذلك وأن الخوف والألم والانتقام مباحين لنا وحسب، كيهود.

نحن، من ندعو لقتل الأطفال، بذنب من هم ليسوا آبائهم حتى، ولكن نبرر ذلك بضرورة حماية أطفالنا.

نحن من نعج بدعوات الإبادة الجماعية من قِبَل يهود، لكننا نعتبر أي تعبير بسيط لدى فلسطيني عن الألم  كتهديد وسبب للاعتقال.

نحن من نصطف حول “الشعب” و”الأمة” ومستعدين للتضحية من أجلهم ليس بحياة الفلسطينيين وحسب بل وبحياة المخطوفين وحياة سكان سديروت وأوفكيم وعسقلان وغيرها باسم الانتقام، لكننا نصور الفلسطينيين كوحوش يضحون بأبنائهم.

أنا أعرف، من الصعب أن نتأمل إلى المرآة دون خوف، الخوف من أننا قد نحمل بداخلنا إثما،  ككل مخلوق بشري. الخوف من أن نكشف بداخلنا عن ذلك الشر الذي نريد إبادته. والآن، هذا التأمل الذي أقترحه، ينطوي على أمل في المستقبل، أمل يستند إلى إمكانية التغيير، إمكانية أن يكون مختلفا.

دائرة الانتقام والخوف السحرية

يقول عالم النفس فيكتور فرنكل “المعاناة لا يمكن قياسها” معاناة الفرد تملأ كل حياته. الأمرنفسه بالنسبة للمعاناة التي يحياها اليهود والفلسطينيين على حد السواء، لأن من يعيشون في خوف دائم على أرواحهم من المستوطنين، لا يمكنهم أن يواسوا أنفسهم بأن حماس أكثر خطورة. الفلسطينيين الذين يخافون على أهلهم في قطاع غزة لا يمكن أن يواسوا أنفسهم بفكرة أنهم سيُقتَلون بالقصف وليس بالسكاكين. من اضطروا لمشاهدة الأطفال والأغنام يقضون نحبهم ظمئًا لأن الجيش اليهودي سد آبار مياههم وحطم الخزانات، لا يمكن ان يواسوا أنفسهم بفكرة أن حماس أكثر قسوة. والأمر كذلك بشأن تصنيف البشاعات- فكل واحد وواحدة منا يعيش البشاعة التي حدثت له دون مقارنتها ببشاعات أفظع.

إن كان هناك شيء واحد يجب تصفيته وإبادته- فإنه  تلك العَدَسة غير المرئية “التفوق اليهودي”. يمكن أن نكون يهودا ويهوديات دون أن نبحث كيف نحمي أنفسنا عن طريق تصفية شعب آخر أو شيطنة دين آخر.

إن نجحنا في النظر دون عدسة “التفوق اليهودي” ربما ننجح في الكف عن مناقشة من أكثر قسوة، ومن هم الحيوانات البشرية، ومن هم الوحوش البشرية-و أن نبدأ في محاولة منع أي معاناة كانت. نبدأ في التفكير في مخلوق إنساني وليس في شعب أو أمة، وإن لم نفعل، فقد ضعنا، لأن الانتقام يستمر دائما في التحرك والبحث عمن يقضي عليه الآن، أي انتقام كان.

الانتقام، الرغبة في تصفية من يهددني، واستعراض قوتي وقدرتي على تصفيته- هو من يخلق الخوف القادم. إن نجحنا في تأمل الخوف دون الهروب نحو الانتقام، فربما ننجح أيضا في رؤية خوف الآخرين، الذين لا يعرفون إن كانوا سيعيشون للغد، أو إنه سيكون لديهم طعام وماء في الغد، خوف من استبحنا دمائهم، وأهملهم العالم وليس لديهم أي نطاق آمن يعطيهم القليل من الأمل.

هكذا هي الدنيا: كلما كنا أكثر قوة وأكثر إرهابا، كلما ظللنا نخلق الخوف منّا، الذي يؤدي غلى ضرورة تصفية الخطر.عندما تكون إزالة الخوف تتم عن طريق القضاء على أسبابه وحسب، ستستمر التصفية والموت بداخلنا أيضا.

إن كان هناك شيء واحد يجب تصفيته وإبادته- فإنه  تلك العَدَسة غير المرئية “التفوق اليهودي”. يمكن أن نكون يهودا ويهوديات دون أن نبحث كيف نحمي أنفسنا عن طريق تصفية شعب آخر أو شيطنة دين آخر.

סמוטריץ' וסטרוק
ח”כ אורית סטרוק וח”כ בצלאל סמוטריץ’ בכנסת, 2022. צילום: יוסי זמיר, שתיל סטוק
وسوم: