حكاية إغلاقُنا لجنوب غزّة من أجل مسيرة درّاجات هوائيّة

هكذا تم إغلاق جنوب قطاع غزة لنصف يوم في أعقاب إنطلاق مسيرة الدراجات التي ينظمها سكان جوش قطيف
نداف بيريتس

 

تبقّى خمسة شهور لمشارفة خدمتي العسكرية على الانتهاء: 21 آذار من عام 2001. وعندها ستنتهي هذه السنوات الثلاث الصعبة. عدت من بعثة إلى الولايات المتحدة في أيلول 2000 وكنت قد خططت حياتي بعد تسريحي من الخدمة كالتالي ووفقًا للمنطق البسيط الذي قد يصدر عن صبي يبلغ من العمر 21 عامًا: الاستيقاظ متأخرًا، احتساء القهوة السوداء (التركية) في كوب زجاجي مقعّر الحواف، استحمام ساخن، رومانسيات عابرة وإبريق ممتلئ بالنبيذ والثلج. ماذا يمكن أن يحدث بعد؟ إذ أن السلام على الأبواب – باراك هو رئيس الوزراء، وها قد انسحبنا من لبنان، وحان الوقت للاستمتاع من الحياة.

اندلعت هبّة الأقصى في 28 أيلول عام 2000، في أعقاب دخول شارون للمسجد الأقصى ومقتل الملازم الأول دافيد بيري في مستوطنة نتساريم. ذهبت سريعًا إلى قطاع غزة برفقة قائد كتيبتي دون استعداد مسبق، في سيارة تيوتا عسكرية بيضاء مرتديين سترات مضادة للرصاص. كيف ظهر فيلم كهذا في مثل هذا التوقيت؟ لا بد أننا ذاهبون إلى الفرقة العسكرية، وسينتهي هذا الخراء عاجلًا ثم سنعود الليلة إلى السرير الذي يئن في قاعدة التدريب التابعة لكتيبة جفعاتي في قتسيعوت. يللا، يوم-طوف سامية هذا تربطه علاقات طيبة مع دحلان. سيأتي الصباح في الغد وسيعقد صفقة ما معه، فيقوم دحلان بتهدئة كل من يحتاج إلى تهدئة، وبهذا ستنتهي القصة.

أثناء تواجدنا على مدخل قطاع غزة، حشونا مخازن الطلقات في أسلحتنا. دخلنا في التيوتا البيضاء عن طريق كيسوفيم ثم انعطفنا جنوب-غربًا فشمال-غربًا ومباشرة بعد التفاف حادّ اتجهنا جنوبًا إلى غوش قطيف على طول خط “أمسجدة”. رفع القائد صوت الراديو. استمعنا إلى ريد هوت تشيلي بيبرز بينما انسكبت أضواء السيارة على الشارع الأسود المتصاعد نحو كتيبة غزة، تلك التي تقع على تلة ترابية مطلة على خان يونس. أشعل القائد سيجارة، فتح الشباك وقام برفع صوت الراديو مجدّدًا. غنينا سوية بصوت عال “Music is my airplane”. هبت نسمة مالحة من البحر عبر الشباك مفعمة بخليط من رائحة كثيفة وقوية لجوافة بداية أكتوبر المنعشة. ها قد أتى الخريف والطقس صار باردًا. من اليمين يمكن رؤية بساتين المواسي، التي تقع أسفل التلال الرملية عند المياه الجوفية في قطاع غزة، والتي تضيف على الفاكهة الكبيرة حلاوة، وتبعث برائحة تعطّر الجو، وقد اختلطت الآن بدخان سيجارة الضابط.

عندما وصلنا إلى مقر الفريق، كانت قد انتصبتا على الرمال، دبّابتان مجهّزتان على جانبي المدخل بينما صوبتا برج مدافعهما نحو الظلام. ماذا تفعل هاتين الدبابتين هنا الآن؟ نزلنا من سيارة التيوتا، بينما اخترقت مئات الرصاصات السماء وأحدثت صفيرا وخدشًا في هذا الظلام الدامس. بسّط فريق منتخب من القناصين على ساحة باطون صغيرة وبين البناء العسكري المجهّز، ذخيرة وموجهات البواريد. وسوف يتم تصويب موجهات الأسلحة قريبًا نحو سواد خان يونس المنقطعة عن الكهرباء. شبابيك قليلة فقط، مضاءة بواسطة سعال المولّد الكهربائي المرتبك والمتقطع، بحيث يشق وميض نوره طريقًا ما في الظلام الدامس هذا، والذي يتوّق جمجمة المدينة الفلسطينية. عصر القائد علبة سجائر الكامل (الجمل) الرقيقة بيده، وانقذ منها سيجارة ملتوية وتمتم بأن ما يجري هو حرب. دبابات، قتلى، طائرات، وكل ما تحتاجه الحرب.

وهكذا مر يوم تلو الآخر ونحن لا نزال في غزة. أصبحت الصورة أدق وأوضح ونحن بدورنا تغبّشنا بالأوساخ وبالزيّ الملوث الذي التصق بظهرنا المتعرّق الواقع تحت وطأة سترة الوقاية من الرصاص السيراميك التي أجبرنا على ارتدائها.

جوش كاطيف، 2005/ تصوير:yoel ben avraham, cc by-nd
جوش كاطيف، 2005/ تصوير:yoel ben avraham, cc by-nd

في بداية عيد العرش وصل إلى مقر الفرقة أحد مسؤولي الأمن في غوش قطيف. رجل مسن، لطيف ومبتسم. جلس في الجهة المقابلة لضباط كتائب مختلفة بحيث عرض مشروعه أمام الجلسة المحترمة. “سنقيم هذد السنة أيضا مسار الدراجات التقليدي لغوش قطيف”. أخرج خريطة، انحنى على الطاولة، تناول قلم وعلّم المسار الذي ستسير فيه الدراجات في هذا الحدث التقليدي. أرخبيل إسرائيلي يسطع بسطوحه الحمراء ويضيئ الدفيئات، محصورًا بالطرقات والجدران التي تفصل خان يونس ورفح عن الأراضي الزراعية لمزارعي المواسي.

شخصية أمنية بارزة هو، قام بغرس أصابعه عند تقاطع الطرقات المؤدية من الغرب إلى الشرق وقضى بجزم وتسلط: “أتسمعونني؟ أريدكم أن تغلقوا وتزيلوا الحواجز لبضع ساعات حتى انتهاء مسيرة الدراجات. لا بد أن تأخذنا عدة ساعات حتى ننتظم، نخرج ونصل إلى هناك. إفهموا! هدفنا أن نمنع عبور سيارات العرب من المواسي إلى خان يونس ورفح، بالذات الآن بسبب جلبتهم هذه. اُنصبوا في كل حاجز جيب سوفا (مركبة عسكرية) فريق متأهب من اللاسلكي، مسعف وكل ما يحتاجه يوم كهذا كي يسري بسلام.”

وكان قد دهش أحد الضباط وقال متجّهًا نحونا: “هل تفهم ماذا يعني هذا البرنامج؟ أنت تطلب من الجيش أن يغلق لك لمدة نصف يوم نصف المقاطعة وسط أجواء قتالية لكي تقيمون مسيرة دراجات. أنت تطلب من الجنود الوقوف في الشمس لتوقيف سيارات الفلسطينيين القادمين من المواسي والمحملين ببضاعة التي يجب نقلها. ربما وعلى أثر ما يحدث هذه السنة يجب إلغاء مسيرة الدراجات وكذلك تقليص التواجد العسكري في الأماكن التي ليس من الضرورة ولا حاجة للتواجد فيها؟” رد عليه الرجل صاحب الشخصية الأمنية البارزة مع ابتسامة ونبرة يسودها الهدوء: “هذه المهمة هي المهمة الأكثر أهمية للجيش. الآن وبصورة خاصة يجب أن نريهم أننا نعيش كالمعتاد وبأن الجلبة التي يحدثونها لا تحرك عندنا ساكنًا. وبالإضافة إلى هذا، صدقني عندما أقول لك أن العرب يعلمون جيّدًا من هو الزعيم، وخاصة هؤلاء فلاحي المواسي. فقد اعتادوا على أنواع الحواجز كهذه. وبات وجودها طبيعي بالنسبة لهم.

هكذا تم إغلاق جنوب قطاع غزة لنصف يوم في أعقاب إنطلاق مسيرة الدراجات التي ينظمها سكان جوش قطيف.

وأدركت في ذلك اليوم أنها فقط مسألة وقت حتى ينفذ صبر الفلسطينيين إزاء هذه الحواجز وتقييدنا لحركتهم، وللواقع الأرخبيلي هذا الذي فرض عليهم. فهمت أن الاستيطان في قطاع غزة يزدهر على حساب واقع يعاني من فصل وحشيّ.

وأدركت في ذلك اليوم أنها فقط مسألة وقت حتى ينفذ صبر الفلسطينيين إزاء هذه الحواجز وتقييدنا لحركتهم، وللواقع الأرخبيلي هذا الذي فرض عليهم. فهمت أن الاستيطان في قطاع غزة يزدهر على حساب واقع يعاني من فصل وحشيّ. وأن هدف الجيش هو الاستمرار بالحفاظ على هذا الفصل العبثيّ والخالي من المنطق في سبيل “حياة طبيعية”. أُنشئت وازدهرت هذه المستوطنة على أكتاف الجيش وميزانيات هائلة استثمرت من أجل “الحفاظ على”، “الحماية من”، “التعهّد بـ” و”لنريهم من الزعيم”. وبعد انقضاء ما يقارب الخمس سنوات، تم تدمير غوش قطيف واقتلع وهُجّر سكانه إلى الأبد، وعلى أنقاض المستوطنات المزدهرة، نمى نبات الدمسيسة.

بإمكاني تفهّم معاناة سكان جوش قطيف، ولكن إلى جانب الحزن العميق، والذكريات المؤلمة، والتهجير السريع لمستوطنات مزدهرة بنيت بأمر من دولة إسرائيل، ربما علينا تذكر وتعلم الدرس الفظيع من أجل المستقبل، ومن اجل مستقبل المجتمع اليهودي في هذا الفضاء: طالما أن هذا الازدهار الإسرائيلي قائم على بنية أرخبيلية منعزلة ومغلقة بإحكام وترى تحقيق حقها في الوجود عن طريق سدّ طرق المرور – الفعلية والمجازية – تكمن في ذلك خطورة في انفجار وتبدد فقاعة الصابون هذه. وقد يحصل هذا بشكل مفاجئ وأسرع مما نظن. طالما أن ما نعتبره ونسميه “حالة طبيعية” و”احتماء” يمسي استعراضًا عشوائيًّا وغير ضروري بتعسف يعزل مليونيّ إنسان، يمكننا فقط مواساة أنفسنا بهدوء وهمي.

 

موجّه مجموعات بمواضيع العنصرية والسياسة الهوياتيّة المجتمع الاسرائيلي في مركز رابين ومعلّم تاريخ

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.