حول داعش، إلعاد وتدمير الآثار

ما يقوم به الغرب في المواقع التراثية، ثم الأضرار التي يسببها بإدعاء محاولته لإنقاذها، وتحت رعاية القانون أو وفقًا لقواعد سنها لنفسه، يقوم به داعش أمام الكاميرات كإعدام موثق
يونتان مزراحي

سيعقد مؤتمر الآثار السنوي الذي تنظمه جمعية إلعاد في مدينة دافيد هذه السنة تحت عنوان “داعش: هل بالإمكان وضع حدّ للتخريب؟”، وسيتناول المؤتمر حقًّا، وبشكل جزئي على الأقل، مسألة تدمير الآثار في العراق. بات تدمير داعش للآثار العتيقة حقيقة لا جدال حولها – فالتنظيم يقوم بتوثيق ذلك بنفسه، لا وبل يتفاخر بهذا الفعل – وقد وردت هذا الأسبوع أنباء عن تدمير معبد رئيسي في مدينة تدمر السورية. ولكن عنوان الحدث المذكور يلمّح بأنه، بالإضافة إلى الحرص على سلامة الآثار والتراث، هناك جهة ما تدرس تدابير وخطوات لمنع هذا التدمير- وهذه الجهة هي جمعية إلعاد، الجمعية ذاتها التي تدير الموقع الأثري “مدينة داوود” الذي يقع في قلب قرية سلوان في القدس الشرقية.

ما يقوم به الغرب في المواقع التراثية، ثم الأضرار التي يتسبب بها بإدعاء محاولته لإنقاذها، وتحت رعاية القانون أو وفقًا لقواعد سنها لنفسه، يقوم به داعش أمام الكاميرات كإعدام موثق

في الواقع، لا تكمن مصالح واهتمامات إلعاد في تدمير الآثار في العراق، بل هي هنا – في سلوان، جبل الهيكل والقدس الشرقية. يقولون “داعش” ولكن القصد هو لما يرتبط هنا في القدس بمفهوم “الإسلاميين المتطرفين”. لا تستطيع الجمعيات الإسرائيلية منع تدمير الآثار في العراق وسوريا، وبصراحة، حتى المجتمع الدولي ليس بإمكانه منع ذلك، لغاية الآن. ومع هذا، إذا قمنا بتمعن الخطاب الإسرائيلي حول تدمير الآثار، فإنه، ووفقًا لتقييم جمعية إلعاد، هناك الكثير مما يمكن فعله، وترى الجمعية نفسها بأنها تقف منذ زمن في مقدمة التصدي للتدمير الإسلامي للآثار.

بعد عمليات البناء التي قام بها الوقف الإسلامي، والتي أدت إلى تدمير الآثار في جبل الهيكل/الحرم الشريف في تسعينات القرن الماضي، كانت جمعية إلعاد هي الجهة التي استثمرت الأموال وعملت على تصفية التراب الذي ألقي في وادي كدرون (وادي النار). وهذا هو أحد المشاريع المركزية التي تمولها وتشغّلها الجمعية في القدس الشرقية. ولكن هذا النشاط الذي يُقدّم على أنه محاولة لإنقاذ خراب آثار جبل الهيكل، لا يحمل أي قيمة علمية، وأهميته في الأساس هي سياسية تربوية فقط – وهذا ينطبق على باحثي الآثار العاملين في تصفية التراب وكذلك على المستوطنين. والرسالة واضحة: يدمر المسلمون الآثار وعلى إسرائيل التدخل لمنع ذلك.

يتمحور الصراع المركزي لجمعية إلعاد حول سيطرتها على سلوان. يعتبر الموقع الأثري “مدينة داوود”، الذي تديره الجمعية، الوسيلة والذريعة التي تتمسك بها الجمعية لإحكام قبضتها على القرية، والأداة التي تستخدمها لتقدم نفسها على أنها جهة راعية للأثريات ومهتمة أشد الاهتمام بتراث القدس القديم. يعتز المستوطنون بأنفسهم كحماة للآثار بينما يتم عرض الفلسطينيين كفئة غير مكترثة بالآثار بالمطلق، أو على أنهم بإمكانهم إلحاق الضرر في الموقع في اللحظة التي تغيب فيها الحراسة الإسرائيلية عن المكان.

عالم الاثار اوستن هنري ليارد ينهب نمرود، العراق 1850
عالم الاثار اوستن هنري ليارد ينهب نمرود، العراق 1850

أثارت مسألة تدمير داعش للآثار أسئلة مبدئية حول العلاقة ما بي علم الآثار وبين التواجد الغربي في الشرق الأوسط، أسئلة حول استخدامات الغرب للأثريات، على من تقع مسؤولية الحفاظ على القطع الأثرية والمواقع التراثية، والمزيد من ذلك. ترتبط نشأة علم الآثار مع حلول الاستعمار في الشرق الأوسط في أوائل القرن التاسع عشر. لقد رأى الغرب في الماضي ضرورة استكشاف المواقع الأثرية هذه ومن ثم نقل البقايا إلى باحاته وقصوره. على الرغم من أن هذه المواقع أصبحت في ممتلك الدول السيادية التي استقلت فيما بعد، إلا أن معظم الأبحاث التي أجريت تمت من قبل جامعات غربية،  كما أن غالبية زائري المواقع كانوا قد توافدوا من الغرب. حتى أن التجارة بالأثريات تعتمد على زبائن من الغرب المهتمين بشراء أثريات مسروقة من تجار في البلاد العربية.

أجريت الحفريات في القرنين ال- 18 وال- 19 وبداية القرن ال-20 دون الاستناد على نهج أو طريقة علمية منظمة وقد تم تنفيذها بهدف العثور على قطع أثرية ثمينة. ألحقت هذه الحفريات أضرارًا في المواقع الأثرية وأعاقت قدرتنا على فهم تاريخ هذه الأثريات وتطورها. بقيت معظم المواقع الأثرية على حالها دون أن يمسّ بها أي أذى لآلاف السنين، إلى أن جاء الاستعمار للشرق الأوسط. في الوقت الذي تخلت فيه الأبحاث في مجال الآثار منذ زمن عن جزء كبير من المناهج التي كانت متبعة في القرون الماضية، لا تزال سلطة الآثار في القدس، بتمويل من جمعية إلعاد، تعتبر انتهاج هذه الأساليب في سلوان والقدس الشرقية شرعية. فعلى سبيل المثال، إزالة الطبقات الإسلامية في الحفريات التي تقام في حنيون جفعاتي، وكذلك في حفريات الأنفاق والتجاويف التحت أرضية – طريقة الحفر هذه التي تقوم بتدمير الآثار وقد تلاشى استخدامها عالميًّا منذ مئة عام – لا زالت تستخدم عندنا بعزم لأسباب أيديولوجية.

ما يقوم به الغرب في المواقع التراثية، ثم الأضرار التي يتسبب بها بإدعاء محاولته لإنقاذها، وتحت رعاية القانون أو وفقًا لقواعد سنها لنفسه، يقوم به داعش أمام الكاميرات كإعدام موثق. فبدلًا من أن يقوم التنظيم بقطع رؤوس أسرى غربيين، يدمر آثارًا يعتبرها إرثًا مرتدًّا عن الإسلام ومرتبطًا بالغرب. يستخدم تنظيم داعش وتنظيمات اليمين في الغرب وفي إسرائيل مسألة الأثريات للغرض ذاته: لتمييز أنفسهم عن الآخرين وترسيخ ثنائية الخير والشر. إذ أن صدمة الغرب من تدمير الآثار ترتبط بمفهوم الفجوة الكبيرة بين الثقافتين، وعلى وجه الخصوص الغرب المحافظ الذي يرى بالإسلام تهديدًا. هذه الفجوة ليست فجوة دينية فقط، بل إنها فجوة ثقافية بين من يعتبر مهد الحضارات جزءًا لا يتجزأ من هويته وبين من يسعى إلى تدمير صُلب الهوية الغربية (على الرغم من أن الآثار تعرّف على أنها أملاك الحضارة الإنسانية). وفي الوقت الساري، إلى حين انتهاء الغرب من الانتصار على داعش، لما لا نقوم بدعم إلعاد وإنقاذ القدس القديمة.

من السهل أن ننسى أن الفلسطينيين ليسوا تنظيم داعش، وأن جمعية إلعاد ليست “مخلصة للأثريات” كما تدعي، وأن القدس هي مدينة إرث مشترك. قد لا نجد جدوى في إحصاء عدد المواقع التي يتم تدميرها في سوريا والعراق، لكن في حيزنا هذا تحديدًا – التعاون المشترك للحفاظ على آثار الماضي هو ما سيضمن مستقبل مثل هذه المواقع قدرتنا على احترام وتقبل بعضنا البعض.

عالِم اثار وعضو في جمعية عمقشبيه

 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.