لقاء الكيشيت المزراحيت (حركة القوس الشرقيّ) مع أبو مازن: اليوم الذي انشرح فيه قلبي من جديد

كان اللقاء الأول ناجحًا، وقد خلّف انطباعًا بوجود قاعدة أساس لحوار من هذا النوع على الرغم من أنه كان مصحوبًا بتردّد طفيف وطبيعيّ من قبل بعض المشاركين. وربمّا، ربمّا فقط، تجني هذه الجلسة تفاؤلًا متجدّدًا بما يخصّ محادثات السلام
سيجال هروش-يونتان

 

قبل بضعة أسابيع، وبصمت مطلق بعيدًا عن رادار الإعلام، عُقدت في مكاتب حركة القوس الديمقراطيّ الشرقيّ جلسة مع ممثلين عن السلطة الفلسطينية. أقيمت الجلسة بمبادرة الدكتور زياد درويش، صحافيّ فلسطينيّ وعضو في اللجنة الفلسطينية للتواصل مع المجتمع الإسرائيلي، التي يترأّسها محمد المدني. والدافع من وراء إجراء جلسة كهذه يكمن في عاملين رئيسيين: يأس الطرف الفلسطيني من تجميد المفاوضات السياسية المستمر، وإدراك القياديين في السلطة، إدراكهم القديم والجديد في آن، بأنه لا بد أن تكون هناك مجموعة ما داخل إسرائيل يمكن العثور بحوزتها على المفتاح الذي يتيح بناء جسر حقيقيّ بين الشعبين (تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنه سُجّلت محاولات في الماضي لتفعيل الحوار بين ناشطين يساريين شرقيين وبين فلسطينيين، مثل مؤتمر تولدو عام 1989 وحتى قبل ذلك في بودابست عام 1987).

كان اللقاء الأول ناجحًا، وقد خلّف انطباعًا بوجود قاعدة أساس لحوار من هذا النوع على الرغم من أنه كان مصحوبًا بتردّد طفيف وطبيعي من قبل بعض المشاركين. وربمّا، ربمّا فقط، تجني هذه الجلسة تفاؤلًا متجدّدًا بما يخصّ محادثات السلام. بعد ذلك بفترة وجيزة، تم تعيين زيارة متبادلة لوفد من ممثلي القوس الديمقراطيّ إلى مقرّ السلطة الفلسطينية. جرت هذه الزيارة يوم الأحد الفائت، وحظيتُ بشرف المشاركة بها برفقة كل من الدكتور إيتسيك سبورتا، ياعيل بن يفيت، أورطال بن ديّان وعيدان بينك.

أقلّنا ممثلو السلطة الفلسطينية في سيارات محصّنة مباشرة إلى مكتب المدني، وهو سياسيّ مخضرم ومثير للإعجاب، ذو شأن وصاحب تأثير لدى القيادة الفلسطينية. أصغى المدني والطاقم الذي رافقه إلى كل واحد وواحدة منا بأشدّ انتباه – حيث تكلمنا عن مخاوفنا، إحباطاتنا، عن الأمل وعن الموقع الشخصي لكل منا داخل هذا الحوار. لم يتغيّب السياق الثقافيّ، والذي سأتناوله لاحقًا، عن محادثتنا، إذ أشار كل واحد وواحدة منا وبروح جماعيّة إلى خلفيّة والديه مما نجح بإذابة جليد الحواجز وأتاح تبادل النكات. واصلنا الجولة بعد هذا اللقاء اللطيف إلى مكتب الرئيس أبو مازن.

غنيّ عن الإفصاح أنّ حدّة الإثارة كانت قد اشتدّت في هذه المرحلة من الزيارة. تعامل بعضنا مع هذه المشاعر بصمت، ويمكن تفسير ذلك على أنه نوع من التهيّؤ التأمليّ لللقاء المرتقب، بينما استطاع البعض الآخر منا التنفيس عن توتّره بثرثرة خفيفة. بعد مشوار قصير في شوارع رام الله – شوارع مُعتنى بها بالإضافة إلى تشييد مكثّف لمباني ومحلّات تجاريّة ومصالح نَشِطة – كنا قد وصلنا إلى منطقة المقاطعة. طُلب منا بلطف ترك هواتفنا المحمولة داخل السيارة مع ضمان من ديوان الرئيس بتولّي أمر التصوير. كان للسير وحده باتجاه مكتب أبو مازن في قلب المقاطعة وقع مفاجئ بلطفه – وفي طريقنا صادفنا وجوهًا بشوشة ومجامِلة. أشار زياد، مرافقنا خلال الزيارة، أنه على يسارنا يرقد ضريح عرفات.

ثم دخلنا. كانت الغرفة فسيحة ومرحّبة على الرغم من تواضعها، الجدران مزيّنة بصور لرام الله والقدس وسجاجيد معلّقة من حائط إلى آخر. جلسنا وقد اعترانا توتّر شديد، ووصل الشاي كما هو متوقع. بعد بضع دقائق، وبينما غمرنا الحماس من حقيقة أن الرئيس قام بتخصيص حصة من وقته للقائنا، دخل أبو مازن الغرفة برفقة الحراس الأمنيين والمستشارين السياسيين.

ثم دخلنا. كانت الغرفة فسيحة ومرحّبة على الرغم من تواضعها، الجدران مزيّنة بصور لرام الله والقدس وسجاجيد معلّقة من حائط إلى آخر. جلسنا وقد اعترانا توتّر شديد، ووصل الشاي كما هو متوقع. بعد بضع دقائق، وبينما غمرنا الحماس من حقيقة أن الرئيس قام بتخصيص حصة من وقته للقائنا، دخل أبو مازن الغرفة برفقة الحراس الأمنيين والمستشارين السياسيين. يتعذر عليّ تفسير تلك اللحظة: إذ بمجرد دخوله إلى الغرفة، وقد علت على وجهه ابتسامة مشعّة خالية من الكبرياء والتكبّر، انزاح عني التوتّر وتبدّد الإحساس بالضغط والانفعال واستبدلهما شعور ما بالارتياح. مرّ أبو مازن علينا وصافحنا واحدًا واحدًا، حرص على التقاط صورة مع كلّ منا على انفراد، على التعرف على أسمائنا، أصلنا ومهنتنا. بعد لفة تعارف قصيرة وبعيدة عن الرسميّات، باشرنا في الحوار. مُنحت لي أولوية الحديث فاغتنمتها لإدانة عملية القتل في دوما وتقديم التعازي، ثم التمنّي أن تكون هذه الحادثة خاتمة الأحزان لكلا الطرفين.

جرت المحادثة بحميميّة اعتياديّة، في حين أشعل أبو مازن سيجارته وعرض علينا السجائر (هنا سمحت لنفسي الاسترخاء على الكرسي). استعرض الرئيس إطّلاعه الواسع بالشأن الشرقيّ: تحدث عن الهجرات المختلفة من الدول العربية إلى اسرائيل، وعن تاريخ الشرقيين في البلاد وفي البلاد العربية وعن القاسم الثقافيّ المشترك بيننا. فمثلًا خاطبني أنا وأورطال – “المغربيّات” كما سمّانا – متحدّثًا عن محمود الخامس ملك المغرب الذي دافع عن اليهود من حكم فيشي ورفض تسليمهم له. ثم حدّث عيدان عن نضال الأكراد.

abu-mazen
لقاء القوس الديمقراطي بعبّاس، رام الله، 09.08.15

 

ومع هذا، لا تخطئوا الظن: كان محمود عباس على قدر كاف من الحكمة لكي يعي أن وضع الشرقيين في البلاد ليس هيّنًا ولا يسمح للانشغال بمحادثات عن السلام. أكّدنا على ذلك، وقد أبدى عباس من طرفه تفهّمًا جيّدًا للأمر دون حاجة منا لتفسيره، أن الشغل الشاغل لأغلبية الشرقيين هو الصراع على البقاء، كما أن الكثير من المستوطنين وصلوا إلى هناك لاعتبارات اقتصادية، بالإضافة إلى أن معظم الشرقيين الذين ينتمون إلى صف اليمين، دُفعوا إلى هناك بسبب الرفض الذي لاقوه من “اليسار” الأشكنازي، بنسخة ماباي وشبيهاتها. نال الحديث عن الثقافة بكافة تشعباتها – اللغة، التاريخ المشترك، العادات والانتماء إلى الحيز – جزءًا مركزيًّا في الحوار. وقد رأى كلا الطرفين كيف يمكن للثقافة أن تبني جسورًا تربط ما بين الشعبين، مدّ خيوط الوصل ووضع السلم الذي يمكننا البدء بتسلقه. أشرتُ – بدرجة ما من التواضع – إلى أنه على الرغم من أهمية الثقافة في التجسير، علينا الحذر من البقاء في منطقتها المريحة، وأن نسعى لاستغلالها وتحويلها إلى خطوة سياسية جريئة. ومن جانبه، عبّر محمود عباس عن توقه لتحقيق السلام وعن مدى استعداده للتنازل والذهاب بعيدًا للجلوس على طاولة المفاوضات. استمعنا إلى تصريحاته بتفاؤل كبير وفي نفس الوقت راودنا شعور بالتشنج – ها هو يقف أمامنا رجل يمد يدًا حقيقية نحو السلام ولا يوجد أحد في الجهة الأخرى ليتلقفها. وبالفعل، إن اليأس من الجمود السياسي كان جليّ في كلامه.

تحدث أيضًا عن التعاون القائم مع إسرائيل في مجالات مختلفة مثل الاقتصاد (كانت إحدى التوضيحات المثيرة في الطريق من رام الله إلى القدس تفضي بمدى اعتماد اقتصاد الدولتين الواحد على الآخر). فكرتُ بكم المعاناة التي كان بإمكان كلا الشعبين تفاديها، وبعلاقات الجوار الحسنة، فكرتُ بالميزانية التي يمكن تخصيصها للتربية، الصحة والرفاهية. عند منتصف الجلسة، دخل الغرفة ضيف غير متوقع ولكنه مثير، جلس بهدوء على أحد الكراسي مصغيًا باهتمام لما يدور من حديث. هذا الشخص المذكور هو صائب عريقات، رئيس بعثة المفاوضات الفلسطينية وسياسيّ مخضرم وصاحب خبرة واسعة. وبعد محادثة لطيفة جدًّا استمرت نحو 45 دقيقة نهضنا من أماكننا للوداع. كان الوداع حارًّا، مفعمًا بالأمل والتفاؤل، على الرغم من أننا لم نتحدث عن شيء ملموس، لكن كانت هذه بداية لأمر جديد ومثير. عند الوداع، سُنحت لنا فرصة الحديث مع عريقات، طلبنا منه مازحين بأن يجتهد أكثر في مساعيه فردّ قائلًا بأنه يبدو أن هنالك شيئين لن يتغيّرا أبدًا – الأول هو الله والثاني هو رئيس دولتنا والذي – مع كل شيء – ذكره بنوع من المودة. وافترقنا.

غنيّ عن القول أن العمل الحقيقي بدأ الآن. سيستمر الوفدان بالاجتماع، وسيستمران بتداول الأفكار، كما أنه سيتم تحديد إطار النشاط في المستقبل. قد نُخذل هذه المرة أيضًا، وقد نتلقّى صفعة أخرى، ولكن واضح لنا جميعًا أنه علينا المحاولة، علينا ألا نفوّت هذه الفرصة النادرة التي صادفناها في طريقنا. سأنهي الحديث عن تجربتي في هذا اليوم النادر، مع الجملة الوحيدة التي استطعت استحضارها من نفسي في عربية غير مغربية، وقد قلتها للمدني بعد وجبة غذاء فاخرة: “الأولاد – هناك موجودة الأمل”.

 سيجال هاروش يونتان هي المتحدثة بإسم الكيشت المزراحيت الديمقراطية (القوس الديمقراطي)

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.