15 عامًا على أكتوبر 2000: تغيير الإجراءات ضدّ راشقي الحجارة ليس إلّا كارثة!

هدم البيوت وبناء مستوطنات بهدف تهويد الحارات تدفع الشّباب العرب إلى اتّخاذ تدابير بإستطاعتها تسليط الضّوء على واقع حياتهم الّذي لم يعد يطاق
محمد بسّام

صادق مجلس وزراء الأمن السياسيّ بدعم من المستشار القضائيّ للحكومة على سلسلة خطوات هدفها، حسب إدّعاء الحكومة، إثارة الرّعب والتّرهيب بين راشقي الحجارة الفلسطينيّين. من بينها وإلى جانب العقاب الجماعيّ المفروض على سكّان القدس الشرقيّة، سمحت الحكومة لرجال الشّرطة إطلاق الرّصاص الحيّ، بحيث لم يعد هناك تمييز بين القاصر والبالغ في مسألة رشق الحجارة، كما أنّه صار مسموحًا للقنّاصة استخدام بنادق ال- “روجر”.

كلّ هذا إلى جانب تصعيد التّشديد في العقوبات من خلال سنّ تشريعات قانونيّة. إنّ اتّخاذ تدابير كهذه تؤكّد على أنّ أحداث أكتوبر 2000، والّتي قُتل فيها 13 شابًّا عربيًّا في نيران قوّات الشّرطة الإسرائيليّة، لم تكن خطأً عشوائيًّا بل سياسة عنصريّة بحتة.

وفقًا للقانون الإسرائيليّ، الّذي يُفترض تطبيقه على كافّة المواطنين دون تمييز في القوميّة والعرق، إنّ استخدام أداة قادرة على القتل الفوريّ كالرّصاص الحيّ، أمر محظور إجمالًا، إلّا إذا تواجدت أحكام وشروط مشتقّة من مبدأ “الضّرورة” في القانون الجنائيّ. وحسب هذا المبدأ، يجوز-بعد فحص كافّة الوسائل المتسبّبة بضرر أقل- استخدام وسائل قاتلة في حالات استثنائيّة ومتطرّفة بشكل خاصّ، والّتي تهدّد سلامة وحياة الفرد.

تحيد التّعليمات الجديدة بخصوص راشقي الحجارة في القدس الشرقيّة والنّقب عن القانون وتطالب بتنفيذ قانون أشدّ صرامة على “المشاغبين” العرب.

قتل 48 مواطنًا عربيًّا على يد قوّات الأمن الإسرائيليّ منذ عام 2000.
قتل 48 مواطنًا عربيًّا على يد قوّات الأمن الإسرائيليّ منذ عام 2000.

تنتهج إسرائيل سياسة عنصريّة ترى بالمواطن العربيّ خطرًا أمنيًّا وديمغرافيًّا يشكّل تهديدًا على الدّولة. يشرّع تطبيق السّياسات الجديدة فقط بحقّ راشقي الحجارة العرب، في القدس الشرقيّة والنّقب، بينما يتمّ الحفاظ والتّشديد على تعليمات إطلاق الرّصاص المتّبعة عندما يتعلّق الأمر بالمواطنين اليهود. فيثبت هذا مجددًّا سياسة الكيل بمعيارين في تعامل سلطات تنفيذ القانون مع المظاهرات، التّجمعات والمواجهات الخاصّة بفئات مختلفة من المواطنين. من الواضح أنّه ليس هنالك تأثير للدّافع وراء رشق الحجارة أو هوية راشق الحجارة القوميّة-الأيديولوجيّة على الخطر المحتمل الّذي قد يلحق بالمّارة. تستمدّ هذه الحقيقة صحّتها على ضوء المعطيات الّتي تشير إلى قتل 48 مواطنًا عربيًّا على يد قوّات الأمن الإسرائيليّ منذ عام 2000.

 عقود من الاحتلال، نهب وسرقة أراضي السّكّان، هدم البيوت وبناء مستوطنات بهدف تهويد الحارات تدفع الشّباب العرب إلى اتّخاذ تدابير بإستطاعتها تسليط الضّوء على واقع حياتهم الّذي لم يعد يطاق.

لم تكتف لجنة “أور” التي فُوّضت للتّحقيق في أحداث أكتوبر 2000 بتحليل تعامل قوّات الأمن والقيادة السياسيّة مع موجة المظاهرات الّتي اجتاحت الدّولة آنذاك، إنّما كشفت عن أسباب أعمق أدّت إلى انتفاض الأقليّة العربيّة ضدّ كلّ رموز المؤسّسة. تقف وراء المواجهات -من رشق الحجارة إغلاق الشّوارع وحرق إطارات- سنوات طويلة من القمع، التّمييز، العنصريّة وتاريخ دمويّ كلّها حُفِرت في الوعي الجماعيّ للأقليّة العربيّة.

معاناة الشّباب العرب الفلسطينيّين في القدس الشرقيّة أشدّ بكثير من ذلك. يقف وراء كلّ حجر يُلقى وكلّ مواجهة إنسانٌ يشعر بالمذلّة. تبنّت الحكومات الإسرائيليّة المتعاقبة سياسة تهدف إلى دفع المواطنين العرب في القدس الشرقيّة خارجها. عقود من الاحتلال، نهب وسرقة أراضي السّكّان، هدم البيوت وبناء مستوطنات بهدف تهويد الحارات تدفع الشّباب العرب إلى اتّخاذ تدابير بإستطاعتها تسليط الضّوء على واقع حياتهم الّذي لم يعد يطاق.

وعلى ضوء ذلك، من الناحية القانونيّة، تغيير إجراءات إطلاق النار وتوسيع نطاق استخدام الرّصاص الحيّ ضدّ راشقي الحجارة هي فعلًا كارثة. من الجدير بالذّكر أنّ الوضع القانونيّ السّاري اليوم يمنح قوّات الشّرطة، عند وجود خطر فعليّ، تقديرًا شخصيًّا فضفاضًا لحجم وتوقيت استخدام سلاح مميت مع إعفاءهم من أيّ مسؤوليّة جنائيّة. وبالتّالي، تستخدم الشّرطة أسلحة مميتة ضدّ السّكّان والمواطنين العرب دون أن يتمّ التّحقيق في القضيّة بعناية ومهنيّة.

فإذًا، 15 عامًا على أكتوبر 2000 ولا تزال السّياسة العنصريّة مستمرّة. لقد أشار تقرير لجنة أور بأنّ استخدام القوّة المفرطة وغير الضروريّة شكّل أحد العوامل المؤديّة لتصعيد المواجهات، ومع ذلك لم يدفع المسؤولون ثمن جرائمهم. إنّ توسيع الصّلاحيّات والتّقديرات الشخصيّة الممنوحة لرجال الشّرطة سيؤدّي إلى تفاقم اعتماد سياسة “الأصبع الخفيف على الزّناد”، كما سيعفيهم من أيّ مسؤوليّة جنائيّة حتّى عند إطلاق الرّصاص الحيّ أثناء الاعدام الميداني لراشقي الحجارة. وبهذا الشّكل، تُنتهك حياة الشّبان العرب الفلسطينيّين مرّة تلو الأخرى على يد الدّولة.

محام يعمل في مركز “عدالة”

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.