هكذا تواجه وزارة التربية والتعليم "موجة الارهاب"

تعتبر عمليات الطعن واطلاق النار من جانب الفلسطينيين في الضفة والداخل، كنوع من الظاهرة الطبيعية البحريّة، سواء شبيهة بالاعصار، او بموجة تسونامي قد فاضت لتوّها من السماء الزرقاء وتهدّد إغراق السفينة، وبما فيها من متسفّعين أبرياء على متن
افنر بن عاموس

بينما يتجوّل في هذه الايام، وزير التربية والتعليم نفتالي بينيت مرتديا مسدسا، متأهبا وبكامل الاستعداد لإعدام اوّل حاملٍ للسكين كأنه نفد جميع حرّاس الأمن في العالم، يقوم مكتبه على تحضير واعداد الطلاب لمواجهة “موجة الارهاب” الراهنة، بطريقة لا تقل غرابة ودهشة. فقد أصدر مكتب وزير التربية والتعليم وثائق كتبت على يد جهات مختلفة، من بينها، المقر للتربية المدنية، ادارة المجتمع والشباب، ادارة التثقيف الاستيطاني، قسم الخدمات النفسية الاستشارية والمديرة العامة للوزارة، التي من المزعم أن تقوم بارشاد مديري ومعلمي المدارس الى كيفية مساعدة الطلاب في الوضع الحالي والمتوتر. فغياب السياق الاوسع والتاريخي والذي بوسعه تفسير الأحداث الدامية الاخيرة هو القاسم المشترك لهذه الوثائق.

يتوافق بشكل جميل عنوان الوثيقة “قباطنة وسط بحر هائج- خطاب وقت الأزمة” مع توصيف الاعلام الشائع لسلسلة الأحداث الاخيرة “موجة الإرهاب”. حيث يشبّه العنوان مديري المدارس بالقبطان الذي تقع على عاتقه مهمة توجيه سفينة التربية والتعليم وسط هذه المياه الهائجة. وفقا لهذا الوصف، تعتبر عمليات الطعن واطلاق النار من جانب الفلسطينيين في الضفة والداخل، كنوع من الظاهرة الطبيعية البحريّة، سواء شبيهة بالاعصار، او بموجة تسونامي قد فاضت لتوّها من السماء الزرقاء وتهدّد إغراق السفينة، وبما فيها من متسفّعين أبرياء على متنها. يخضع الفلسطينيون في الضفة قرابة خمسين عام، لممارسات قمعية تشمل فيما بينها، عمليات قتل وبطش على أيدي الجنود والمستوطنين، علاوة على مصادرة الأراضي وحقوق انسانية اساسية، ولا سيما التعرّض لإذلال  يوميّ. في حينه، لا تزال وزارة المعارف عازمة على غض البصر وتجاهل الصلة بين عنف الاحتلال وحدّة ردود أفعال ضحاياه.

غالت مديرة المكتب، ميخال كوهن، عندما صرحت في رسالتها ” نستيقظ كل يوم، ليوم اخر من الارهاب مع بالغ الحزن والأسى”. فوحده التجاهل للسياق الأوسع لممارسات دولة اسرائيل في الضفة، يخلق صورة يتصادم فيها نومنا الهنيء في الليل، مع طلوع النهار الذي يرافقه بداية أعمال عنف اعتباطية من جانب الفلسطينيين.

اضافة الى هذا، فالحل للشعور بالضيق لدى الطلاب، والذي تقترحه الوزارة في “التنفيس عن المشاعر”، يدلّ ايضا على تهرّب المكتب من هذا الواقع المأزوم. حيث أدلى بيان نشره قسم الخدمات النفسية الاستشارية، اقتراحا يفيد بأنه من السليم اجراء حوار عاطفيّ مع الطلاب، من خلال طرح مجموعة من الاسئلة عليهم- “ماذا تفكرون عند سماعكم عن عمل ارهابي؟ ماذا شعرتم حينه؟ أية مشاعر تعتريكم منذ سماعكم عن هذه الأعمال؟” التمركز حول المشاعر والاحاسيس فقط، يسمح للمربّين والمعلمين المكوث في مستوى “الفرد” الضيق، اذ لا يضطرون للمخاطرة والتطرق الى الشأن الاجتماعي والسياسي.

التمركز حول المشاعر والاحاسيس فقط، يسمح للمربّين والمعلمين المكوث في مستوى “الفرد” الضيق، اذ لا يضطرون للمخاطرة والتطرق الى الشأن الاجتماعي والسياسي

حتى عند تجاوز المستوى العاطفي، من خلال التطرق الى الشأن السياسيّ، يظل الحديث حول الأخير بمثابة ترديد كلام مبتذل واجوف. على سبيل المثال، مقولة كهذه- “الاعمال الارهابية هي اعمال وحشية، غير قانونية وغير انسانية. إن دولة اسرائيل، سواء كانت متمثلة بالشرطة او الجيش، تعمل جاهدة وتوصل الليل بالنهار لوقف ومنع هذه العمليات” تتغاضى عن الاسباب التي ولّدت عمليات الارهاب. كما أن تعريف احدى أهداف الحوار في غرفة الصف ب” إعطاء أملٍ والتطلّع نحو حل” ليس الا وهما وكذبا، نظرا للدور المركزي الذي تلعبه اسرائيل في تعميق الصراع.

تكشف ردود فعل وزارة المعارف عن مسألتين طويلتي الأمد، حيث للوهلة الاولى لا صلة بينهما: اولا، إنكار الاحتلال، وثانيا، سيْكَلَجَة جهاز التربية. تعود جذور الوضع الراهن الى احداث قد وقعت قبل 48 سنة، وبالتالي هو يندرج تحت موضوع التاريخ. فشأن الاحتلال هو بمثابة الحاضر الغائب الأهم في جهاز التعليم الاسرائيلي. على الرغم من وجود ذكرٍ لحرب الأيام الستة في كتب التاريخ، ولنتائجها المباشرة، الا انه يوجد تغييب وصمت يصمان الاذان حيال كل ما يحدث منذ ذلك الحين في الاراضي المحتلة. وعلى هذا المنوال، يتم تدريس موضوع المدنيّات، فتراهم يجيدون الحديث عن التصدعات المختلفة التي تُجزّْئ المجتمع الاسرائيلي، بما فيها التشقق الاسرائيلي\عربي، ولكنهم يتناسون من ناحية اخرى، التصدّع الأكبر، الا وهو الصدْع بين المواطنين أصحاب السيادة من جهة، والفلسطينيون القابعون تحت حكم عسكري من جهة اخرى.

غالت مديرة المكتب، ميخال كوهن، عندما صرحت في رسالتها " نستيقظ كل يوم، ليوم اخر من الارهاب مع بالغ الحزن والأسى".
غالت مديرة المكتب، ميخال كوهن، عندما صرحت في رسالتها ” نستيقظ كل يوم، ليوم اخر من الارهاب مع بالغ الحزن والأسى”.

حاولت يولي تامير، وقتها وزيرة التربية، اعادة الخط الأخضر الى خرائط الكتب التدريسية،  وإن دل فشلها عليها شيء فهو يدل على مدى قوّة الانكار. حتى في منهاج المدارس غير الرسمية والذي يعنى بمنطقة الضفة، مثل “مهد جبل الامة”، غالبا ما يتم الحديث عن “الجذور” التاناخية  العميقة للشعب الاسرائيلي في يهودا والسامرة دون أي ذكر للشعب الذي يسكنها اليوم.

يضاف الى ذلك التحوّل السيكولوجي الذي وقع في سنوات التسعين في الجهاز التربوي والذي بدوره كان جزءا من الخصخصة النيولبرالية،  والتي مرت بها دولة اسرائيل. كما ادّعى نسيم مزراحي في مقاله سنة 2009، بأن ظهور ممارسات بداغوغية\تعليمية، المستقاة من المنطق السيكولوجي تجيز التمركز بالفرد الواحد، بحيث تعطي اولوية لمهاراته، انجازاته واحتياجاته. تؤدي هذه الممارسات الى تغييب السياقان الطبقي والعرقي اللذان تربى وترعرع فيهما ذلك الفرد، فتُلقي عليه، هو فقط، مسؤولية نجاحه وفشله. اذاً، وتتمة لهذا المنطق، يتم معالجة “تراومة” وصدمة الطلاب دون التطرق لاسبابها وجذورها.

اخيراً، إن انكار الاحتلال من ناحية، والتضاؤل أمام مقاييس عاطفية من ناحية اخرى، يشكلان نموذجين لمدى اشباع المناهج التعليمية والكتب الدراسية والمدارس غير الرسمية، بالسياسة.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.