القلب في الشرق... واللغة في الغرب: معرفة اللغة العربية بين اليهود في إسرائيل

ولكن ماذا يعرف اليهود عن اللغة العربية؟ وكم منهم يفهمون ماذا نقول عندما نتحدث بالعربية الى جانبهم؟ هل يخافون منا أم من اللغة؟ أم من الاثنين معًا؟ وماذا عن اليهود الشرقيين؟ أو اليهود العرب؟ هل ما زالوا يذكرون اللغة العربية؟
ميسلون دلاشة

 

في ظل الأحداث الاخيرة في البلاد، أو ما يسمى لدى بعض الفلسطينيين بالانتفاضة الثالثة، أو موجة الارهاب لدى الإسرائيليين، بات من الأمر الخطير التحدّث باللغة العربية في الشارع الاسرائيلي- لنا نحن الفلسطينيون سكان الداخل أو من نعرّف بعرب الـ 48 أو عرب إسرائيل أو غيرها من التسميات. فقد يحدث ان تمشي في الشارع، ويكون مظهرك الخارجيّ عربيا أكثر من اللازم، ناهيك عن استخدام الهاتف النقال والتحدث بالعربية في الشارع. فقد أصبحت اللغة العربية مصدرًا لقلق المشاة في الشارع، حيث بات العرب يتجنبون الحديث في الأماكن العامة في البلاد، أو بالأحرى تلك التي يختلط بها العرب واليهود في ذات المكان. لا جديد تحت الشمس، فهذا هو الوضع القائم عادةً، لكنه راح يتفاقم في الآونة الاخيرة. هذا هو حال اللغة العربية في اسرائيل، عام 2015. ولكن ماذا يعرف اليهود عن اللغة العربية؟ وكم منهم يفهمون ماذا نقول عندما نتحدث بالعربية الى جانبهم؟ هل يخافون منا أم من اللغة؟ أم من الاثنين معًا؟ وماذا عن اليهود الشرقيين؟ أو اليهود العرب؟ هل ما زالوا يذكرون اللغة العربية؟ وما هي آراء السكان اليهود في اسرائيل حول مكانة اللغة العربية كلغة رسمية في البلاد؟

أخبرتني أمي في يومٍ من الأيام، أن عليّ الحذر من اليهود الذين يجيدون ويتحدثون اللغة العربية، هي على الأغلب ستغضب إن علمت بأنني أكتب هذا الكلام. فهي مدرّسة لغة عربية. قالت لي، إن غالبية الطلاب اليهود الذين تعلموا معها في الجامعة العبرية في القدس، كانوا من الأجهزة الامنية الاسرائيلية، وكانوا يتقنون اللغة العربية بشكل ممتاز. أمي تُدرّس اللغة العربية في مدرسة إعدادية في احدى القرى شمالي البلاد. كانت تحكي لنا في الصغر الحكايات ما قبل النوم، وكانت تبحر في الأدب العربي. من خلالها عرفت ميخائيل نعيمة، ومي زيادة وطه حسين والطيب صالح والكثير من الأدباء العرب. من خلال حكايات امي وحبها واتقانها للغة العربية الفصيحة، أحببت اللغة وكنت أتمنى أن أتقنها حد الكتابة الأدبية. أما أبي، فإلى جانب بحر التاريخ والمعلومات التي يعرفها، تعرفت من خلاله الى موسيقى محمد عبد الوهاب، ومارسيل خليفة، وصباح فخري، وطبعًا فيروز وأم كلثوم وأسمهان. هذه هي ثقافتي العربية، الى جانب مأكولات أمي طبعًا وحكايات جدّي عن أيام زمان، أيام الانجليز، واستخدامه للغة عربية بلهجة قروية ثقيلة العيار، ولكنني أفهم معظم حديثه وأحاول ان أتخيل كيف كانت أيام زمان.

photo: cc-by zeevveez
photo: cc-by zeevveez
فاللغة العربية قد اختفت عند اليهود الذين أتوا من البلاد العربية، مثل العراق واليمن، والمغرب. في الاستطلاع المذكور، حين سُئل المشاركون باي لغات كانوا يتحدثون مع الأهل والاجداد، أجاب البعض بأنهم تحدثوا باللغة “المغربية” أو “العراقية”. حتى أن اللغة العربية صارت تسمى بتسميات أخرى، وكأن الحديث عن اللهجات المختلفة وليس عن اللغة، لتتحول الى لغة تراث ليس إلا

وبالمقابل، علاقة غالبية اليهود باللغة العربية في البلاد، هي معاكسة لعلاقتي. فهم بالكاد يعرفونها. من خلال استطلاع رأي شاركت في إعداده وكتابة البحث حوله مع البروفيسور يهودا شنهاف ورامي افنيملخ والبروفيسور نسيم مزراحي من قسم العلوم الاجتماعية والانتروبولوجيا في تل ابيب، ود. يوني مندل من معهد فان لير في القدس، فحصنا بواسطة عيّنة تمثيلية، مكونة من 500 مشتركة ومشترك، معرفة اللغة العربية بين السكان اليهود في إسرائيل ونظرتهم إليها. اتّضح أن نحو %10 من اليهود في إسرائيل يعرّفون أنفسهم على أنهم يتحدثون أو يفهمون اللغة العربية بصورة جيدة. تنخفض هذه النسبة كثيرًا عند الحديث عن قراءة النصوص وفهمها، وتصل نسبة الذين يعتقدون أن بمقدورهم قراءة صحيفة باللغة العربية إلى %2.6, وأولئك الذين باستطاعتهم قراءة كتاب تصل الى أقل من 1%. وتوضح نتائج البحث، أيضا، أن نسبة اليهود من أصول أوروبية (الأشكناز) الذين تعلموا العربية في الجامعات أكبر بأربع مرّات من النسبة القائمة بين اليهود القادمين من بلدان عربية؛ وأن نسبة اليهود من أصول أوروبية (الأشكناز) الذين تعلّموا العربية في إطار الخدمة العسكرية في الجيش أكبر بثلاث مرّات من النسبة بين اليهود القادمين من بلدان عربية. ما يشير الى حال معرفة اللغة العربية في البلاد منذ نحو خمسين عامًا: انخفاض حاد في “العربية الشرقية”، احتلت مكانها “العربية الأشكنازية”، تلك البعيدة والغريبة حتى النفور عن منطقتنا هذه، التي يسودها متحدثو اللغة العربية، وتحويلها الى لغة عسكرية وأمنية.

ما يحيرني في علاقة اليهود مع اللغة العربية، هي العلاقة ما بين الأجيال، وأتساءل احيانًا كيف كان يحكي الأجداد حكايات أيام زمان لأحفادهم؟ فاللغة العربية قد اختفت عند اليهود الذين أتوا من البلاد العربية، مثل العراق واليمن، والمغرب. في الاستطلاع المذكور، حين سُئل المشاركون باي لغات كانوا يتحدثون مع الأهل والاجداد، أجاب البعض بأنهم تحدثوا باللغة “المغربية” أو “العراقية”. حتى أن اللغة العربية صارت تسمى بتسميات أخرى، وكأن الحديث عن اللهجات المختلفة وليس عن اللغة، لتتحول الى لغة تراث ليس إلا، يقلل من حدة تهديدها لنسبها الى لغة العدو. وبهدف ان يُنسى الأصل العربي لليهود الشرقيين. فقد توصّلنا من خلال الاستطلاع إلى نتيجة مفادها أن الشرقيّين يتقنون اللغة العربية بصورة أكبر نسبيا في جميع المستويات، وأن هنالك اختلافات كبيرة وواضحة بين أجيال الشرقيين في هذا الباب. إن الهرم المقلوب الذي يرسمه أمامنا هذا الاستطلاع بشأن خسارة هذه الفئة السكانية اللغة العربية بالغ الوضوح: تصل نسبة إتقان اللغة العربية (كلامًا أو فهمًا أو قراءةً) ضمن شريحة أبناء الجيل الأول من اليهود العرب إلى %25.6، وهي أكبر بمرّتين من نسبتهم في الجيل الثاني وأكبر بنحو عشرين مرّة من نسبتهم في الجيل الثالث (%1.3). ولكن، وبالرغم من ذلك، فلا تزال نسبة اليهود القادمين من بلدان عربية من أبناء الجيل الأول الذين يستطيعون قراءة النصوص بالعربية ضئيلة جدًا (%2.4)، وذلك، من جمل الاسباب، لأنهم هاجروا إلى البلاد على الغالب وهم في جيل صغير.

عمومًا، هو ذا حال اللغة العربية لدى اليهود في البلاد، وهنالك المزيد من النتائج المهمة التي سيتم عرضها خلال يوم دراسي في جامعة تل ابيب، في قسم العلوم الاجتماعية والانسانية. من المثير للاهتمام ان هذا المؤتمر، الذي وبصراحة أنا من منظميه، سيعقد بغالبيته باللغة العربية، بشكل غير مسبوق في جامعة تل أبيب، ضمن مبادرة نحاول من خلالها تعزيز مكانة اللغة في الحيز الأكاديمي في البلاد. في هذا المؤتمر، سيعرض غالبية المحاضرين باللغة العربية، من ضمنهم يهود بشكل عام ويهود شرقيين بشكل خاص، ربما لم يتحدثوا باللغة العربية بصوت عالٍ أبدًا، وطبعًا ليس على منبر أكاديمي، فاللغة العربية لا تشكل فقط خطرًا كما ذكرت في البداية، بل كثيرًا ما ينظر إليها كلغة أقل قيمة من اللغة العبرية. إلى حين اليوم الدراسي، في الثالث من كانون الأول، عليّ أن أبذل مجهودًا في التحضير لهذا اليوم، الى جانب قضاء بعض الوقت مع المحاضرين اليهود باللغة العربية، اولئك من الأصول الشرقيّة تحديدًا، الذين أعمل مع بعضهم على تحطيم الحاجز ما بينهم وبين اللغة العربية، الا ان بعضهم يهابون اللغة العربية ويعتبرون القاء محاضرة اكاديمية، يكاد يكون مجازفة.

أشعرُ بالتفاؤل بعض الشيء، ففي الأعوام الأخيرة، كنت أعطي دروسًا خصوصية في اللغة العربية لليهود. وبالرغم من اشواك العنصرية الممنهجة التي باتت تتوغل في كل بؤرة، فان اللغة العربية قد تنبت يومًا براعم لتكسو هذه البؤر. كان لتعلّم اللغة العربية اقبال شديد، وليس من دواعي الخوف أو الشعور بالخطر أو للأهداف الأمنية، وكنت أُسمعُهم أغاني فيروز، وأحدثهم عن الأحوال الاجتماعية والسياسية في العالم العربي، وأحاول أن أدب فيهم ولوّ قليلا من حبي للغة العربية. مما جعلني أيضًا أغيّر نظرتي الى اليهود الذين يتحدثون اللغة العربية، علّها تصير جسرًا ثقافيًا، لا تهديدًا أمنيًا، نعبره في يوم من الأيام. وإن لم نعبره، فالقدر والأوضاع السياسية والأمنية في البلاد سيسخرون منّا. إن اللغة العربية ليست وحدها ما يقضّ راحة الاسرائيليين، بل صار المظهر الشرقي هو الغول بعينه، فمن شدة الخوف من كل ما هو عربي، وتحت وطأة هذا الخوف عانى الفلسطينيون بالدرجة الأولى، إلا أن الحابل اختلط بالنابل وراح ضحيتهم، أيضًا، اليهود الشرقيون، الذين لربما سُلِبَت منهم لغتهم العربية، ولكن ولسوء حظهم، سواد شعرهم وسمار بشرتهم، كانوا أكبر مصائبهم، فكيف لنا أن نمحي سمات العروبة من وجوههم؟

لمزيد من التفاصيل حول اليوم الدراسي الذي سيعقد في 3.12.15

تدرس ميسلون دلاّشة لنيل شهادة الدكتوراة في قسم العلوم الاجتماعية والإنثروبولوجيا في جامعة تل أبيب، وتتناول رسالتها لنيل اللقب تأثير الدراسة في مدارس ذات توجّه إدماجيّ، ومدارس ذات توجّه انعزاليّ على الخرّيجين العرب الفلسطينيّين في إسرائيل (مع التشديد على أهمّيّة اللغتين العربيّة والعبريّة في إنشاء الهُويّة خلال فترة الدراسة وبعدها)، وعلى اندماج هؤلاء في مؤسّسات التعليم العالي وفي عالم التشغيل. وفي هذه الأيام، تركّز في معهد فان لير في القدس منتدى المترجمين من العربيّة إلى العبريّة وتعمل مركِّزةً شريكةً لمشروع تعزيز مكانة وحضور اللغة العربيّة في الحيّز الأكاديميّ في إسرائيل.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.