مسمار آخر في تابوت "الدولة اليهودية والديمقراطية"

اوضح رئيس الامن الداخلي، جلعاد اردن متهما: “ان الحركة الاسلامية تموّل مواصلات الى الحرم القدسيّ من اجل خلق احتكاكات مع قوات الامن، السياح والزوار”. هل يوجد هنالك بندا في القانون الجنائي يحظر من تنظيم مواصلات لمواقع عامة؟
توم مهاجر

صحيح انه من حيث مدى انتهاكات حقوق الانسان وخطورتها، فان الوضع في الاراضي المحتلة أسوأ بكثير مقارنة بوضع الاقلية  العربية-الفلسطينية داخل الخط الاخضر. لا يخضع الفلسطينيون مواطني اسرائيل، خلافا لابناء شعبهم في الضفة وقطاع غزة، لسيطرة عسكرية مباشرة( في الضفة الغربية) او لحصار وغزوات شديدة(على قطاع غزة). ومع ذلك، من المهم النظر الى الوضع السياسي للاقلية الفلسطينية في اسرائيل، بهدف استبيان اذا ما كان والى اي حد يمكن لدولة تعرّف نفسها، دستوريا، بالدولة الديمقراطية واليهودية، احتواء سياسة فلسطينية مستقلة وناقدة للدولة.

لقد وُصم المواطنون العرب، بين السنوات 1948-1966 بالطابور الخامس، كما فرض عليهم حكم عسكري والذي مارس رقابة صارمة علي حياتهم وانشطتهم. ابان الحكم العسكري، وبواسطة انظمة الطوارئ، حُظرت حركة الارض واخرجت عن القانون. وفي وقت لاحق، اثناء يوم الارض في 1976، كما واثناء احداث اكتوبر 2000، قامت قوات الشرطة والجيش باطلاق رصاص حي وقاتل على المتظاهرين. ومنذ اكتوبر 2000، تقوم الحكومة بسن قوانين تهدف الى تصعيد سياسة كم الافواه: اذ يسمح قانون النكبة لوزير المالية فرض عقوبات مالية على الجهات الفلسطينية التي ترفض وجود اسرائيل كدولة “يهودية وديمقراطية”، او من يعتبر يوم قيام الدولة بأنه يوم نكبة، ويجعل قانونُ المقاطعة المواطنينَ -الذين يدعون لمقاطعة المستوطنات او اسرائيل- عرضةً للمقاضاة بدعوى التعويضات عن الاضرار. رفضت المحكمة العليا-والتي يفترض انها الهيئة المسؤولة عن حماية الحقوق الدستورية في البلاد- الالتماسات التي قدّمت ضد هذه القوانين.

اخراج الحركة الاسلامية عن القانون في الاسبوع الماضي، كذلك من خلال قانون الطوارئ، يمثّل مستوىَ شديد الاهمية في هذه السياسة الاسرائيلية. فضلا عن القرار نفسه والذي اتخذ بواسطة انظمة استعمارية ودون عقد جلسة استماع قبل اتخاذ خطوة متطرفة مثل حظر حركة سياسية، من الامر المهم الاستماع الى مبررات ممثلي الحكومة. فتصريحاتهم تُظهر لنا كيف لا يتم مراعاة القيم الدمقراطية الاساسية حين تقرر الدولة فرض عقوبات على انشطة سياسية للمواطنين الفلسطينيين.

بالاضافة الى ذلك، ادعى ممثلو الدولة ان قرار حظر الحركة الاسلامية جاء في اعقاب علاقاتها المالية والاديولوجية مع حماس، والتحريض الذي تمارسه الحركة. الحديث هنا عن اتهامات خطيرة فعلا. ولكن توجد في كل ديمقراطية سليمة، قاعدة اساسية تحظر على السلطة  فرض عقوبات مطلقة على مواطن قبل اثبات ادانته. اذا توفرت حقا اثباتات على وجود نشاط ماليّ بين حماس والحركة الاسلامية، فيمكن بسهولة تقديم ملف اتهام ضد الاطراف المتورطة من خلال القانون الجنائي. كذلك الامر يشترط وينطبق على افعال التحريض. فلماذا لا تقوم الدولة بذلك

في مقابلة اجريت من خلال راديو الشمس، اوضح رئيس الامن الداخلي، جلعاد اردن،  متحدثا عن قرار الحكومة في اخراج الحركة الاسلامية عن القانون. فسّر متهما: “ان الحركة الاسلامية تموّل مواصلات الى الحرم القدسيّ من اجل خلق احتكاكات مع قوات الامن، السياح والزوار”. هل يوجد هنالك بندا في القانون الجنائي يحظر من  تنظيم مواصلات لمواقع عامة؟ اليس من واجب الشرطة ردع فلان في حال قام بالصراخ في وجه سائح؟ وربما في اكثر الحالات تطرفا، اعتقاله بسبب الاخلال في النظام العام؟ من الواضح ان في الدولة الديمقراطية لا تشكل اعمال كهذه اساسا معقولا لحظر حركة سياسية.

بالاضافة الى ذلك، ادعى ممثلو الدولة ان قرار حظر الحركة الاسلامية جاء في اعقاب علاقاتها المالية والاديولوجية مع حماس، والتحريض الذي تمارسه الحركة. الحديث هنا عن اتهامات خطيرة فعلا. ولكن توجد في كل ديمقراطية سليمة، قاعدة اساسية تحظر على السلطة  فرض عقوبات مطلقة على مواطن قبل اثبات ادانته. اذا توفرت حقا اثباتات على وجود نشاط ماليّ بين حماس والحركة الاسلامية، فيمكن بسهولة تقديم ملف اتهام ضد الاطراف المتورطة من خلال القانون الجنائي. كذلك الامر يشترط وينطبق على افعال التحريض. فلماذا لا تقوم الدولة بذلك؟

وقد كانت الردود المستهجنة حيال الموقف المتأخر والمتلعثم للممثلين عن “اليسار الصهيوني” في مكانها وعلى صواب. فاذا لم يكن هناك رد عندما يتم اخراج حركة كاملة عن القانون، فلماذا اذن يشتكون من الغاء حدث لحركة “شوفريم شتيكا”. على مستوى أكثر جوهرية، يجب ان يطرح السؤال فيما اذا كان من يدعي ويتظاهر في الحديث باسم العدالة، حقوق الانسان ونظام ديمقراطي سليم، لا زال يؤمن بالمفهوم الديمقراطي واليهودي للدولة؟ حتى عند تجاهل حقيقة ان اسرائيل، في معظم وقتها، تسيطر على الملايين من الناس بواسطة اخضاعهم لحكم عسكري، كما لو تم تجاهل الجذور السياسية للدولة التي اوصلت الى سياسة “تعمير الصحراء” وتهويد الدولة. هل باستطاعة الدولة تحقيق اسس الديمقراطية ازاء مواطنيها العرب؟

ترفض الاغلبية الساحقة في وسط الجمهور العربي-الفلسطيني في اسرائيل والجهات التي تمثله نموذج “الدولة اليهودية الديمقراطية”. فمن جانبهم، يعتبر الفلسطينيون الدولة من بدايتها وفي طبيعتها مؤسسةً تعمل على قمع المجتمع الفلسطيني وتطلعاته الوطنية الشرعية. وفي المقابل، لا يزال “اليسار الاسرائيلي” اسيرا للاعتقاد السائد بأن الدولة الاسرائيلية قامت على مبادئ ونظام ديمقراطي، ولكن “في الطريق حصلت علّة ما”. هذان الفجوة والفارق الجوهريان والاساسيان، يفسران رفض القائمة المشتركة لتوقيع اتفاق فائض الاصوات مع “ميرتس” اثناء الحملة الانتخابية الاخيرة.

قد قيل وسيقال الكثير حول سبب فشل اليسار اليهودي في توسيع صفوف ناخبيه خارج دائرة جمهوره الصهوني-الاشكينازي في منطقة جوش دان. ففي اعتقادي أن الفشل الاساسي في نشاط مثل هذا اليسار يكمن في تمسكهم بقيم وإنجازات النخب القديمة، التي اتت عند مجيئها من اوروبا ببشرى ديمقراطية واشتراكية. في واقع الامر، لقد أقاموا هنا مؤسسة أقل ما يقال عنها انها عنصرية، اقصائية وعدوانية ازاء مجموعات مختلفة من جهة، ولكن تعود بالفائدة على المهاجرين الاوروبيين من جهة اخرى. لذلك، ففي السياق الذي يحتوي اليسار اليهودي والاقلية الفلسطينية، قد حان الوقت للتنازل عن فكرة “دولة يهودية ديمقراطية”، والتي  بات واضحا انها تنتهك حقوق الفلسطينيين بشتى الطرق، لتبنيّ بدلا منها دولة جميع مواطنيها.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.