فوتو بغداد

مجموعة صور عائلية لنعيم عيني ختم من خلفها عنوان “El Dorado Photo Baghdad”، الى جانب صورة باسبورت لاولاد عائلة رجوان، والتي تحيي من جديد لحظات تاريخية للتغيير الاجتماعي والجنوسيّ الذي طرأ على يهود عراق
سيفان مزال رجوان شطانج

 

في زيارة لي الى منزل اخت جدتي، رنا عيني رحمها الله، والذي كنت اقوم بزيارته بصورة دائمة في طريقي الى البيت بعد دوامي في المدرسة الابتدائية “نيتسنيم” في رمات جان، استلمت مجموعة من الصور التي خلّفتها وراءها. كانت من بين المجموعة صورا لها ولزوجها نعيم عيني رحمه الله. من بينها ايضا صورتان التقطتا في بغداد في عشرينيات القرن المنصرم ومن الخلف كتب عليهما EL DORADO PHOTO BAGHDAD. الصورة الاولى. عيني الشاب، ظهره للكاميرا ويده ممدودة لرجل يرتدي بدلة بيضاء خلال مراسم تخريج الفوج الاول لكلية الطب العصرية في بغداد. تعرض الميداليات التي حصل عليها عيني في متحف في اور يهودا للتراث اليهودي في بابل.

في الصورة الثانية. يقف عيني الى الجانب الايمن من اخواته وفي الجهة اليسرى يقف اخوه، وامامهم الوالدان. يقوم الرجلان من خلال بدلتيهما الداكنتين بتشكيل الاطار الذي يحيط الصورة العائلية، اذ يتمثل بذلك، حاضر الثقافة والجنوسية ليهود العراق انذاك. تظهر الامرأتان بتسريحات شعر وفساتين خاصة بسنوات العشرين الاوروبيّة،-والتي بدأت في الغرب كجزء وتعبير عن عملية تحرير الذات التي قادتها النساء- محروستان\مجنّحات من قبل اخويهما، وبذلك يظهران دعمهما لها. مظهر الاختين يشير الى انكشافهما لثقافة وتعليم غربيين، على ما يبدو انهن تلقنتا تعليمهما في الاليانس (مؤسسة عالمية لدعم اليهود مركزها باريس وشعارها: كل اليهود أخوة).

تظهر على وجوه الاخوين والاخت التي تقف في الجهة اليمنى من الصورة، تعابير فرح وافتخار، بينما تظهر تعابير مختلفة واقل بهجة على وجه اختهما في الجهة اليسرى. ربما تشبه تعابير الوالدين، جيل الماضي، لا يزالوا يرتدون ازياء شبيهة بملابس المسلمين الذين عاشوا معهم. طبيعة التعابير المزدوجة هذه، تستحضر الى الاذهان البشرى والعهد التي اتت بها مجريات العصر الحداثي للنساء من الطبقة النخبوية في العراق انذاك، حينما قامت العائلات بتشجيع بناتهم على الخروج لتلقّي العلم. ومن جهة اخرى، وبنظرة الى الوراء، تستحضر هذه التعابير المستقبل المنتظر مع الهجرة الى اسرائييل الذي اوقف مسار تعليمهن، كما اشارت الباحثة عزيزة كازوم.

هذه الصورة العائلية قد اججت عواطفي منذ اللحظة الاولى. اذ تتجلى بها مشاعر فخر واعتزاز ونوع من التناظر المثالي والتي تستحضر احساسا باحترام النفس. ولكن وبأثر رجعي، يبشر هذا الانقسام بنقطة تحول تاريخية في طور وحال النساء والرجل اليهودي في العراق.

ففي عهد الامبراطورية العثمانية، كان لليهود دورا متميزا في ادخال تاثير غربي على الدول الاسلامية. وهذا في اعقاب علاقاتهم مع يهود العالم، وبفضل اعمالهم الاقتصادية والتجارية، اذ عملوا كوسطاء بين مواطني بلادهم والاوروبيين. ولذلك، النخبة اليهودية التي لم تعتبر الدين والتحديث والتعليم مجالات متضاربة( خلافا ليهود شرق اوروبا الذين توجسّوا من العلم والتعليم)، وهؤلاء الذين رحبوا بالاستعمار البريطاني، بحيث صاروا من حلفائه على الفور، خضعوا لعملية “تغرّب” معجّلة.

جاء الانتداب البريطاني(1917-1932) بتبدّلات على الطبقة الاجتماعية ليهود العراق. كان التغيير الاكثر وضوحا هو توفّر امكانية الانتقال من المهن التقليدية الى مهن جديدة و”حرة”، والتي تطلبت درجة ما من التعليم، من بينها الطب الحديث. لهذه التغييرات كان تاثيرا بالدرجة الاولى على الرجال اليهود الى جانب تغيير طفيف على خروج النساء اليهوديات الى سوق العمل.

بيد انه تبع هذه التغييرات تطوران مركزيان: اولهما، تولّد استقطاب داخلي في المجتمع اليهودي، عندما ظهرت نخبة يهودية برجوازية جديدة والتي سيطرت على قوة اقتصادية كبيرة، الى جانب شريحة يهودية قد حُرمت من هذا المنصب. ثانيهما، بداية قطيعة ونفور بين اليهود والمسلمين، ترافق ذلك لتعميق الفجوات الاجتماعية والاقتصادية بينهما. كلما زاد التواصل الثقافي لليهود مع الاقلية المستعمرة، وكلما اصبح مظهرهم الخارجي وسلوكهم شبيه بتلك الغربية، وجدوا أنفسهم منشطرين بين غالبية اسلامية انفصلوا عنها بسبب مجريات التحديث والحداثة، كما وبسبب الصهيونية والصراع اليهودي عربي، وبين الاقلية الكولونيالية التي لم تتقبلهم والتي احضرت معها شكلا جديدا للعدائية السامية.

الفرق الصارخ بين لباس الجيل الشاب والجيل الاكبر في الصورة العائلية يمثل هذه اللحظة في التاريخ، اي في تطور البغض والانقسام الداخلي بين اليهود انفسهم من جهة وبين اليهود والمسلمين من جهة اخرى. هذه هي اللحظة ايضا في رأي الكثيرين التي ستؤدي لاحقا الى هجرة اليهود من العراق الى اسرائيل، حيث ستعرض عليهم الصهيونية احتوائهم، لكن ليس قبل ان تخصص لهم مكانا وفقا لمفاهيمها الاستشراقية- إبطال كافة مكونات هويتهم باستثناء ذلك المكون الذي يتماشى مع المصالح الصهيونية، وهو الديانة. لقد سميت هذه العملية بعملية “التديين” الذي اشار اليها يهودا شنهاف: الزم الشرقيون قبل اي شيء بتطهير انفسهم من المكونات العربية التي تشكل هويتهم(بهدف تمييزهم عن السكان المحليين، الفلسطينيين) بحيث تصير ديانتهم علامة لانتماءهم، اي تحويلهم من اليهود العرب الى يهود دون المركب العربي.

الصورة الثالثة. في العراق، لحظات قبل اعتلاء طائرة متجهة الى اسرائيل، أمّي، أخوتها وأخواتها يلتقطون صورًا لأجل جواز السفر. خلف مظهرهم الغربي الحداثي حكاية تُحكى عن جدتي، التي تعلمت في الأليانس برفقة أختها، رنا (التي اقترنت فيما بعد بنعيم عيني في العراق). بعدما فقدت العائلة ممتلكاتها بسبب موت أبيهن انتقلن للعمل والتعلم لدى السيدة شولر- التي نزحت عن المانيا وهاجرت الى العراق بعد الحرب العالمية الأولى. عند السيدة شولر، والتي كانت تحيكُ الملابس لأجل عائلة الملك فيصل، تعلمن الحياكة، خياطة تامة الاتقان، وقمن بعرض الملابس التي خطنها في بلاط الملك. أمي تروي أن جدتي لبست في العراق فساتين “كفساتين مارلين ديتريك”، خاطتهن في ورشة عمل لدى شولر وتلقتهن مقابل قسم من عملها.

في البلاد، جدتي كانت تنقض غزل الملابس التي أتت بها من العراق ثم تخيط لأمي وأخواتها الملابس، “لأنه لم يكن هناك مال كاف لمثل هذه الاقمشة”. الحداثة التي تشربتها عائلتي في العراق لا تتناقض لديها مع تقليديتها، وكما يبدو من صورة جواز السفر، اهتمت جدتي بتسريح شعر أطفالها وكسوتهم بأسلوب نعرفه بصفته من مميزات عشرينيات القرن العشرين الأوروبي. دائما كان يراودني أن هذه التعابير الحزينة في الصورة سببها متاعب الخروج الصعب من العراق، ولقد انخرطت في ذهني قصةً قصتها علي أمي (اليوم هي حتى لا تذكر القصة..)، والتي دائما ما تتركني مبتسمة – وهي، أن الطفلة الأصغر منهم، دفعت ونازعت اخوتها كي تظفر بمركز الصورة.

الصورة الرابعة. هاجر نعيم عيني الى اسرائيل في الخمسينيات، وتم تعيينه مباشرة للعمل كطبيب في بيت المسنين العمومي “ملبن” في برديس حنا. الى اليوم، ما زال يعمل وفقا لبنية بيت للمسنين لكن طبيعته تبدلت وتغير اسمه – “المركز الطبي شوهام”، وفي الموقع الالكتروني الخاص بالمركز يتضح الاسم القديم لبيت المسنين: “بداية المؤسسة (المركز الطبي شوهام) تعود الى سنوات الخمسين الاولى، حينها امتلأت الدولة بموجات هجرة كبيرة، جزء منهم يتألف من شريحة اجتماعية متأخرة الجيل أتت من شرق اوروبا ودول الغرب. هؤلاء المهاجرون تم إسكانهم في مخيمات للمهاجرين، أحد هذه المخيمات كان هنا، فوق مخيم بريطاني مهمل. مع مرور الزمن نجح قسم من المهاجرين بالاندماج في المجتمع الاسرائيلي قيد البناء. هناك آخرون بقوا متمركزين في المكان وشكلوا نواة سلسلة مؤسسات لمعالجة العجائز تحت ادارة شراكة أمريكية، تحت مسمى “ملبن – מלב”ן” – مركز لشؤون المهاجرين الجدد. الاكبر من بين هذه المراكز كان في برديس حنا.”

في الصورة “العائلية” الجديدة، الذي يربط بين الشخصيات ليس رابطا بيولوجيا انما رابط رؤيوي لأخوّة قومية. انه لا يحيط بالعائلة، انما العائلة هي التي تحيط به.

*   *   *

يطرقني حلم أرى فيه أنني أدخل دكانا للكتب، أتجه الى رفوف أدب الأطفال، وأرى هناك مجموعات أغانٍ راقية لأطفال من العراق، ايران، المغرب، كتب في الأدب لأطفال من اليمن، سيبيريا، موسكو، قصص ما قبل النوم من أوكرانيا، ليبيا، الجزائر.

القصص سوف تكتبها أيدي أبناء وبنات الجيل الثاني، الثالث، الرابع والخامس للهجرة الى اسرائيل. سوف يجمعون صورا عائلية تاريخية، يطلبون من أصحاب هذه الصور أن يحكوا قصصا عن الصور، سيتأملون طبيعة اللباس، التصميم المعماري، التعابير، يستكملون الصورة من خلال قراءة تاريخية (كتبها أهلهم)، الصورة التي تخفيها الدولة بمنهجية، ويفتتحون عالما من المعرفة والتشابيه يمثلون من خلالها أنفسهم بأنفسهم.

وولتر بنيامين كتب عن اختفاء الألق في عدد من القصص في العصر الحديث، ووجد بالصور وسائل جديدة يمكننا من خلالها ان نمرر تجربتنا الخاصة مقابل الرواية التي التاريخية التي تصاغ لنا وتمحونا في ذات الوقت، “مشاركة الآخرين بهذه التجربة الخاصة، وأن نكون سببا لكي يقوموا هم بمشاركة تجاربهم مع الآخرين”، كما صاغت ذلك اريئيل ازولاي.

بالنسبة لي، النظر في هذه الصور، ثم السؤال الذي أوجهه الى أمي عنهن، ثم أن اجد نفسي ملزوزة الى قراءة تاريخ يهود العراق، وهكذا أخلق من جديد الصورة التي اهتمت الثقافة الصهيونية بعرضها عن اليهود القادمين من البلاد المسلمة، هذه بداية عالم. رواة القصص – التاريخية، الخيالية وغير ذلك- دائما يوظفون البُعد الخيالي لكي يملؤوا الفراغ الذي يفصل معلومة ومعلومة أخرى. انني أنتظر رؤية هذه الزاوية من صحيفة اللسعة تفيض بقصص وتأويلات لصور عائلية، تأويلات تعبر من التاريخي التوافقي، الى التاريخي السياسي، الى التاريخي المتخيَّل، والى تاريخ المستقبل، عوضا عن ذلك.

المستقبل هو الخيال. من خلاله نستطيع أن نخلق، نرسم ونصنع تاريخنا من جديد، نصًّا ورؤيا، كما لم يظهر من قبل.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.