عندما يتوقع الجمهور الإسرائيلي استنكاراً

الإسرائيليون يتوقعون استنكار حالات القتل التي يقوم به عرب بحق يهود لكن عندما تفعل المؤسسة الإسرائيلية العكس فالجميع ينفض يديه من الموضوع
توم مهاجر

 

الاستنكار الواسع في المجتمع العربي لحادثة اطلاق النار في تل أبيب لم يكن مفاجئاً، فالأحزاب العربية التي تمثل الجمهور الفلسطيني في إسرائيل، ومثلها منظمات المجتمع المدني، صرحت منذ زمن بأن النضال المدني هو قبلتها. مع ذلك، من الجدير التوقف عند التوقع الجماهيري وسط الأغلبية اليهودية، ولا سيما المؤسسة الإسرائيلية، لاستنكار المواطنين العرب للحادثة. من جهتهم المعادلة هي “ارهاب عربي مقابل ارهاب يهودي” أي مواطنين يهود يعتدون ويمسون بمواطنين عرب والعكس. فمن المريح للخطاب الجماهيري اليهودي تجاهل ما تفعله صفوة أبناءه وبناته عندما يضعون الملابس العسكرية وينفذون الاوامر بعمليات لا توصف أبداً بالإرهاب ولكنها تتسبب بالنتيجة بالقتل والثكل على مستوى اوسع بكثير وسط المدنيين.

المثال الأخير والأكثر فظاعة كان “عملية الجرف الصامد” (الحرب على قطاع غزة عام 2014). أكثر من 500 طفل فلسطيني من سكان قطاع غزة قتلوا اثر الهجمات الإسرائيلية التي نفذت من الجو بمعظمها. يبدو بأن إسرائيل تبنت سياسة “الضربة الخفيفة بالجناح” لقائد القوات الجوية سابقاً، دان حالوتس، الذي رقي الى منصب قائد الأركان العامة بعد مقولته هذه رغم استهتاره الواضح بحياة المواطنين الفلسطينيين.

اليوم، ورغم مرور عام ونصف على تقديم الشكاوى، لم يتخذ قرار بعد حول فتح تحقيقات ببضعة أحداث وقعت خلال “عملية الجرف الصامد” والتي استخدم فيها الجيش “اجراء هنيبعل” وهاجم منشآت تابعة للاونروا وتسبب بإصابات بالغة وسط المواطنين. في المقابل، فالجيش قرر اغلاق ملف التحقيق بالحادثة التي قتل خلالها 4 اولاد فلسطينيين على شاطئ البحر في غزة. وعلى الرغم من وجود شهود عيان يقولون بأنه لم يكن هناك أي نشاط مسلح على الشاطئ خلال العملية، فالجهات المسؤولة عن التحقيق في الجيش لم تأبه لدعوة من تواجدوا بالمكان للإدلاء بشهادتهم وأغلقت الملف(!).

يد الجيش والشرطة الخفيفة على الزناد عندما تكون حياة فلسطينيين على المحك لم تبدأ بصيف 2014 ولا تقتصر على الأراضي المحتلة. ففي فترة الحكم العسكري، عام 1956، تم تنفيذ مذبحة كفر قاسم. رئيس الحكومة دافيد بن غوريون حاول التستر على الأمر أما الضباط والجنود اللذي نفذوا المذبحة فحصلوا على جزاء مخفف جداً نسبة للعمل الإجرامي اللذي اقترفوه. في يوم الأرض عام 1976، في عهد حكومة رابين، قتل 6 متظاهرين، وخلال احداث اوكتوبر 2000، في عهد حكومة ايهود باراك، قتل 13 رمياً بالرصاص. لم يقدم أي من مطلقي النار للقضاء على الرغم من ان لجنة اور التي تقصت الاحداث اقرت بأن هناك اساس لمقاضاة الشرطيين ب-5 من الحالات. منذ اكتوبر 2000، قتل أكثر من 50 مواطن عربي برصاص الشرطيين لكن شرطي واحد فقط قضى عقوبة السجن بسبب اطلاق الرصاص. مشاهدة تسجيل إطلاق الرصاص على الشاب خير حمدان تظهر بشكل واضح بأنه لم يكن هناك أي خطر يهدد حياة الشرطيين اللذين اطلقوا النار عليه. الشرطة اصدرت في البداية بيانات كاذبة للصحافة وبعد ذلك تم اغلاق الملف دون ان يعاقب أي من الشرطيين على عملهم.

عضو الكنيست ايتان بروشي من حزب العمل، مدير عام حركة الكيبوتسات سابقاً، حركة تعد على انها معسكر اليسار الاشتراكي في المجتمع الإسرائيلي، امتلأ فخراً بالأسبوع الماضي اثر التمثيل المثير للإعجاب، وفق معاييره، لأبناء الكيبوتسات ضمن خريجي دورة الطيران في الجيش. من جهته ومن جهة الغالبية المطلقة من الجمهور الإسرائيلي هؤلاء هم ملح الأرض. لا أحد يلتفت حقاً للقتل والدمار الذي سيزرعوه بالمرة القادمة عندما يقرر قائد إسرائيلي الخروج ل”عملية” اخرى بقطاع غزة.

الجمهور الإسرائيلي، من جهة، يتوقع استنكاراً كاملاً وشاملاً عندما يقوم عربي بقتل يهود ولكن عندما تفعل المؤسسة الإسرائيلية العكس وعلى مستويات أفظع فالجميع ينفض يديه من الموضوع ولا أحد يفحص بجدية الملابسات من وراء النتائج المروعة.

ناشط بجمعية عمرام لتنمية الثقافة والهوية الشرقية

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.