"نكسر الصمت": سوسيولوجيا الشرعية

عندما تنبع الشرعية لانتقاد الهيمنة العسكرية من الهيمنة العسكرية نفسها فهي تستمر باستنساخها فقط. حان الوقت لأن يقوم اليسار بكسر هذا الحائط
الداد ليفي

 

مصدر قوة منظمة “نكسر الصمت” يعود لقدرتها على استعراض شهادات عن الروتين اليومي للاحتلال أمام المجتمع الإسرائيلي ووصف الحياة بالجانب الآخر من الخط الأخضر لمن لم يكن يوماً في الخليل او رام الله او “غوش عتصيون”. مما لا شك فيه بأن بعض من شرعية المنظمة ينبع من كون مقدمي الشهادات محاربين (بالجيش). ظاهرة تسخير شرعية المحارب بهدف التعبير عن نقد ليست بجديدة، ولنأخذ على ذلك مثالاُ كتاب المحاربين الرافضين من عام 2002 والذي افتتح بهذه الصيغة: “نحن، ضباط وجنود احتياط مقاتلين في جيش الدفاع الإسرائيلي، تربينا على قيم الصهيونية والتضحية والعطاء لشعب إسرائيل ولدولة إسرائيل…”. كتاب الطيارين الذي ارسل بعد عام افتتح هكذا: “نحن، طياري سلاح الجو اللذين تربينا على الصهيونية والتضحية والعطاء لدولة إسرائيل، وخدمنا دائماً في المقدمة، وكنا على استعداد لتنفيذ كل مهمة أياً كانت، من أجل حماية دولة إسرائيل وتعزيزها..”. بنفس العام قام 13 محارب من وحدة “متكال” (وحدة الكوماندو بقسم المخابرات) بتقديم كتاب يرفضون من خلاله العمل بالأراضي المحتلة. وفقط قبل عام قام جنود من وحدة النخبة في المخابرات، “8200”، بإبراق كتاب شبيه.

كل هذه الكتب تعتمد على نفس المنطق: استخدام “رأس المال الرمزي” كما نسميه بعلم الاجتماع (أي الشرعية أو القوة السياسية) من أجل نشر الرسالة السياسية. الطيارين المقاتلين والمحاربين ومن يخدمون في وحدات المخابرات هم عملياً النخبة في الجيش- مجموعة تركز كل من يعرف ومن جرب وبالأساس كل من “سمح له بالحديث عن ذلك” تاريخياً. كل هذه المبادرات حظيت لفترة قصيرة من الوقت من شرعية المتحدثين هذه. بما معناه بأن رأس المال الرمزي للنخب مكن موقعي الكتب من الحصول على انتباه لفحوى حديثهم لبعض الوقت. أيضاً “نكسر الصمت” تمتعوا بسنواتهم الاولى بالكثير من الشرعية: أقاموا معارض واستقطبوا جمهور كبير عبر عن اهتمامه بقصصهم وبتجاربهم. المشكلة بأن كل مبادرة من هذا النوع تقابل على الفور بتجنيد رأس مال رمزي مضاد، هائل من ناحية حجمه، معد لسحق المعارضين. هذه الشرعية المضادة تأتي بشكلين لا ينفصلان عن بعضهما البعض:

أولاً، معارضة الدولة فكل دولة تخوض حرباً ضروس ضد الرفض والنقد. رافضي الجيش هم عملياً أكبر خطر بحت على الدولة وصلاحيتها الشرعية. عندما تقوم مجموعة من الجنود برفض اوامر الدولة وتخرج ضدها، فهي عملياً تقضم قاعدة الدولة الشرعية لا سيما عندما يكون المنتقدين بأنفسهم من خريجي هذا الجهاز.

المشكلة بأن الرافضين بوسط اليسار او حتى المنتقدين فقط اللذين يتكئون على شرعيتهم كمقاتلين لا يدركون بأن الخدمة العسكرية لم تعد تحمل نفس المكانة المطلقة التي كانت لها بالماضي

لكن الأمر المثير للاهتمام أكثر بالسنوات الأخيرة هو الشرعية المضادة الإيديولوجية فاستنكار الدولة للمعارضين هو فعل شبه ميكانيكي أما نزع الشرعية الايديولوجي فهو أكثر تعقيداً من ذلك. في حالة “نكسر الصمت” بإمكاننا ان نلحظ تقويض لمصادر رأس المال الرمزي نفسه. ماذا يعني ذلك؟ بأن الشرعية التاريخية للمحاربين لانتقاد الاحتلال تشكل عملياً استمرارية لليسار العسكري “المحب للسلام” الذي ميز “مباي” وبالأساس “مبام” بالسنوات الاولى للدولة. المشكلة بأن الرافضين بوسط اليسار او حتى المنتقدين فقط اللذين يتكئون على شرعيتهم كمقاتلين لا يدركون بأن الخدمة العسكرية لم تعد تحمل نفس المكانة المطلقة التي كانت لها بالماضي. صعود اليمين للحكم في إسرائيل وتمركزه كقوة سياسية رائدة جلبا معهما أنواع جديدة من رأس المال الرمزي والتي قد تكون لها علاقة بالخدمة العسكرية إلا ان ذلك ليس بشرط: الاستيطان في أرض إسرائيل، والهوية النيو-صهيونية كما تمثلها منظمات مثل “ام ترتسو” او “هشومر هحداش”، واليهودية المحافظة على شاكلة الصهيونية- الدينية هي أمثلة لذلك.

وعليه، فالخدمة العسكرية لوحدها لم تعد تمنح نفس القوة الشرعية التي كانت تمنحها في الماضي. لا تصدقون؟ اسألوا اسحاق رابين، رئيس الأركان الذي احتل “يهودا” و”السامرا” وسينا والجولان خلال ستة أيام ومع ذلك اعتبر خائناً وقتل باللحظة التي حاول فيها الدفع باتجاه عملية سياسية لإنهاء الاحتلال. التفسير لذلك يعود لكون القدرة على بناء رأس مالي رمزي وشرعية سياسية تعتمد بنهاية الأمر على سيطرة مجموعات مختلفة على المجتمع. تضعضع اليسار الصهيوني وصعود هويات سياسية بديلة في المقابل، قد تكون أكثر شعبية، هي السبب من وراء صعود رأس مال رمزي من نوع آخر لا يعتمد على الخدمة القتالية فقط. محاولة نشطاء اليسار إثبات شرعيتهم لإبداء النقد من خلال خدمتهم بالجيش، هي ببساطة ليست مقنعة بما فيه الكفاية لجماعات اليمين (التي تخدم غالباً بنفس الدرجة بهذه الوحدات) والتي تقدر الاخلاص لوحدة أرض إسرائيل أكثر.

على الرغم من ذلك، فاليسار خريج الجيش ما زال مستمراً بالسنوات الأخيرة بتجنيد رأس المال هذا للتعبير عن نقده السياسي بينما يستمر اليمين بالقضاء على هذا النقد بقوته الرمزية. ما العمل اذاً؟ الربط بين النقد الخارج من قلب الجيش وبين المجتمع المدني الواسع ومؤسسات اليسار التي تمر بإعادة تأهيل، الربط بين “نكسر الصمت” وحركات اجتماعية، نقابات عمالية، مؤسسات تربوية. لا أن نعتمد على السجل العسكري كطريقة وحيدة لإبداء النقد إنما ان ننتج ببساطة رأس مال جديد وواسع أكثر، رأس مال رمزي مدني. تمدين ودمقرطة النقد هي الطريقة الوحيدة للامتناع عن قضاء اليمين على هذا النقد في كل مرة. ما دامت مصادر الشرعية لانتقاد الهيمنة العسكرية تنبع من الهيمنة العسكرية نفسها فهي فقط تقوم باستنساخها. حان الوقت لكسر هذا الحائط. نحن ننتقد ليس لأننا كنا جنوداً ومحاربين انما لأن الاحتلال هو ظلم انساني وسياسي وأخلاقي، ولا حاجة لان نكون جنود احتياط لكي نقول ذلك.

الكاتب هو طالب للقب الثاني في علم الاجتماع السياسي بجامعة بن غوريون في النقب

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.