رفض المقدسيان سامر وحجازي لأوامر الابعاد: خروج من خانة المفهوم ضمناً

تجربة الاعتصام في مقر الصليب الاحمر والمستمرة حتى بعد اعتقال سامر وحجازي تعتبر تجربة جريئة وبإمكانها ان تتحول لنموذج مقاومة يحتذى به مستقبلاً
علاء محاجنه

 

“مش طالعين”، بهذه الكلمات رد المقدسيان سامر ابو عيشة وحجازي ابو صبيح على أمر الابعاد العسكري الذي صدر بحقهما والذي يقضي بإبعادهما قسرياً عن بيتهما وعن مدينة القدس “الكبرى” لفترة ستة اشهر. وتأكيداً على رفضهما تنفيذ قرار الابعاد، قام سامر وحجازي بالاعتصام لفترة اثنى عشر يوماً متواصلة في مقر الصليب الاحمر في حي الشيخ جراح في مدينة القدس موجهين من هناك رسالة واضحة وجريئة ضد قرار الابعاد بحقهما وضد السياسات والممارسات الاستيطانية التي تنتهجها اسرائيل في الشق الشرقي لمدينة القدس منذ احتلالها عام 1967 بهدف تهويد المدينة.

وطوال اثنى عشر يوماً أصبحت خيمة الاعتصام مزاراً يتوافد اليه المتضامنين بشكل يومي وتحولت لفعل سياسي بحد ذاته تدار فيه الناقشات والندوات حول وضع المدينة في ظل الاحتلال لا سيما مع التصعيد الخطير الحاصل مؤخراً، مشهد غاب طويلاً عن المدينة. قبل عدة أيام، وكما هو متوقع، داهمت قوات خاصة مقر الصليب الاحمر وقامت بالقبض على سامر وحجازي وكلاهما ما زال محتجزاً للآن بأمر من المحكمة بتهمة التحريض وعدم الانصياع للأوامر!.

صورة من حملة الهاشتاغ على الفيسبوك #مش طالع
صورة من حملة الهاشتاغ على الفيسبوك #مش طالع

حقيقةً، لا يمكن اعتبار الابعاد القسري اجراءاً جديداً حيث لجأت اليه اسرائيل في السابق واستعملته مراراً ضد فلسطينيين في حالات عديدة ومناطق مختلفة كما تم استعماله ايضاً ضد المقدسيين في محاولة لقمع وإخماد اي عمل مقاومة أو مواجهة لسياساتها وممارستها الاستيطانية التهجيرية في القدس. من الناحية القانونية وخلافاً لحالات اخرى تم فيها الابعاد عن طريق الغاء الإقامة، فقد تم اصدار امر الابعاد بحق سامر وحجازي وفق انظمة الطوارئ والتي يعود تاريخها لفترة الانتداب من العام 1945، موقع عن طريق الحاكم العسكري للمنطقة ومعلل بذرائع امنية واهية. ففي حين يمنع الامر تواجدهما في مدينة القدس “الكبرى” فهو يسمح بتواجدهما في اي منطقة اخرى داخل حدود ال- 48، مما يدحض بالضرورة الادعاء بوجود خطر امني(!).

الابعاد القانونية للأمر العسكري عديدة وهي تستوجب الوقوف عندها من خلال مقال منفصل وخاصة ان الحديث عن امر ابعاد عسكري في منطقة تعتبر وفق المفاهيم الاسرائيلية جزء من الدولة اليهودية منذ عام 1967، وكون الامر يتعارض مع مفاهيم القانون الدولي الانساني وهو القانون النافذ في شرقي القدس بمثابتها اراضي محتلة وفق قرارات مجلس الامن  ومحكمة العدل الدولية، وأيضاً بسبب تعارض الأمر مع القانون الدستوري الاسرائيلي نفسه. لكن الوقوف عند معنى وأبعاد عملية رفض تنفيذ قرارات الاحتلال التعسفية وغير المبررة، ضمن عملية الاحتجاج السياسي الذي يخوضه المقدسيين الأصلانيين في وجه سياسات التهجير والاستيطان، هو الامر الاكثر اهمية.

رفض الانصياع لممارسات تعسفية هو بمثابة تصعيد نوعي في وجه الاحتلال لما فيه من محاولة لاختراق انماط سائدة ومعتادة من الاحتجاج السياسي

منذ عام 1967 تمارس اسرائيل يومياً وبشكل ممنهج سياسات تعسفية بحق الأصلانيين ابناء القدس تهدف من خلالها اجبارهم على مغادرة المدينة من اجل تحقيق التفوق الديموغرافي ألمنشود وبالتالي تهويد المدينة. في هذا السياق يمكن ادراج سياسات عديدة مثل هدم البيوت ومصادرة الاراضي وإقامة المستوطنات عليها وإبطال “الاقامة ألدائمة” من المقدسيين وعزل المدينة بإقامة جدار الفصل العنصري حولها وبترها عن امتدادها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي مع سائر مناطق الضفة الغربية والاعتقالات التعسفية والكثير غيرها. وبفعل كونها الطرف الأقوى، تفرض اسرائيل سياساتها وممارساتها القمعية هذه بالقوة مستخدمةً المنظومة القانونية أو وسائل حوكمة اخرى. في المقابل، اقتصرت مواجهة المقدسيين لهذه الممارسات غالباً على وسائل محدودة بطبعها مثل الاعتراضات والتوجهات القانونية، وتطورت في بعض الاحيان لتصبح هبات شعبية. وعليه، فان نهج رفض الانصياع لممارسات تعسفية من خلال سياسة مواجهة شاملة هو بمثابة تصعيد نوعي في وجه الاحتلال لما فيه من محاولة لاختراق انماط سائدة ومعتادة من الاحتجاج السياسي والتي وبمرور الوقت اصبحت ضمن هامش العمل المسموح به وفق المفاهيم الاسرائيلية في ادارة الصراع مع السكان الأصلانيين.

بمقدور نهج الرفض هذا اذا ما تمت منهجته في مواجهة بعض السياسات التهجيرية، بموازاة استعمال الوسائل المتاحة الاخرى، فليس القصد هنا التخلي عنها، بمقدوره تحدي موازين القوة القائمة في العلاقة ما بين المحتل والأصلاني، وبأقل تقدير، اجبار الاحتلال على اعادة حساباته وتقديراته لمفاهيم هذه العلاقة. تجربة الاعتصام في مقر الصليب الاحمر والمستمرة حتى بعد اعتقال سامر وحجازي تعتبر تجربة جريئة وبإمكانها ان تتحول لنموذج مقاومة يحتذى به مستقبلاً بأي حراك شبابي وشعبي. التجربة تثبت ان الانصياع لأوامر الاحتلال التعسفية ليس مفهوماً ضمناً، وبالتالي، يمكن ان تلهم العديد ممن يتعرضون لهذه الممارسات بأن بإمكانهم رفضها او بأقل تقدير محاولة افشالها. مجرد الرفض هو خروج عن خانة المفهوم ضمناً في معادلة القوة التي تحاول اسرائيل فرضها في المدينة ولذلك فمن الممكن بان يلزم اعادة الحسابات من جديد.

محامي وناشط حقوقي

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.