"أن نكون مواطنين في إسرائيل": ملاحظات الأخصائيين التي لم تسمع

معدي كتاب المدنيات الإشكالي “أن نكون مواطنين في إسرائيل” تفاخروا ب”تنوع الأخصائيين الأكاديميين” ولكنهم نسيوا ان يذكروا بأن وزارة التربية قطعت الاتصال مع جزء من هؤلاء بعد ان ارسلوا ملاحظاتهم النقدية
يوسي دهان

 

اثر الانتقاد الشديد الذي وجه للصيغة المعدلة الجديدة لكتاب المدنيات “ان نكون مواطنين  في إسرائيل”، أصدرت وزارة التربية بياناً للصحافة ادعت من خلاله بأن عملية الكتابة كانت مطولة وشملت “مراجعة وقراءة وملاحظات من قبل أكاديميين وأخصائيين بمجالات الدولة والقضاء أصحاب توجهات متنوعة.. خلال عملية دقيقة ومعمقة، تطرق طاقم الكتابة لمئات الملاحظات التي استلمت على مدى المراحل المختلفة”.

عن طابع عملية الكتابة “المطولة والمهنية والمنهجية” للكتاب و”تنوع التوجهات” التي يتضمنها، ممكن ان نستدل من خلال تعامل طاقم الكتابة مع الأخصائيات والأخصائيين الأكاديميين اللذين ارسلت اليهم نسخة عن الكتاب. يبدو بأن المسؤولين عن اعداد الكتاب- ومن بينهم د. يوسف ملآخ، المراقب الرئيسي بموضوع المدنيات، وهو محاضر ب”مركز شاليم” وب”كلية الدوبلوماسية” وعضو “منتدى كوهيليت” الذي يحمل توجهاً يمينياً سياسياً واقتصادياً، والذي كان المستشار الأكاديمي الوحيد للجنة- يبدو بأنهم توجهوا للأخصائيين فقط لكي يقولوا بأن الكتاب أعد “تحت مراقبة مباشرة من قبل أخصائيين أكاديميين”. على ما يبدو، طاقم الكتابة والمسؤولين عنه لم يهتموا منذ البداية لملاحظات الأخصائيين. هم سوف يكتبون الملاحظات ونحن سنتجاهلها. لنعد كتاب مدنيات لأولاد إسرائيل وفق رؤيا “مركز شاليم” و”كلية الدبلوماسية” و”البيت اليهودي”. ستقوم ضجة اعلامية صغيرة لبضعة أيام، ثم تتم المصادقة على الكتاب وعلى تلقين أولاد إسرائيل، اليهود والعرب، وفق رؤيتنا.

لنعد كتاب مدنيات لأولاد إسرائيل وفق رؤيا “مركز شاليم” و”كلية الدبلوماسية” و”البيت اليهودي”. ستقوم ضجة اعلامية صغيرة لبضعة أيام، ثم تتم المصادقة على الكتاب وعلى تلقين أولاد إسرائيل، اليهود والعرب، وفق رؤيتنا(!!)

عودةً الى “العملية العميقة والمنهجية” لإعداد الكتاب، فواحدة من الاخصائيات التي توجه لها طاقم الكتابة هي د.حنا ليرنر، محاضرة كبيرة بكلية العلوم السياسية بجامعة تل أبيب، وهي أيضاً شريكتي بالبحث بمواضيع أخرى. د. ليرنر كتبت ورقة طويلة وشاملة تمتد على 27 صفحة حول صيغة الكتاب التي أرسلت لها. نتيجة مراجعتها كانت: “اوصي بعدم نشر الكتاب التعليمي بصيغته الحالية. بدلاً من ذلك، اوصي بأن يتم استخدام كتاب “الجهاز السياسي في إسرائيل” ليتسحاق جالنور ودانا بلاندر ( اصدار “عام عوفيد”، 2014) كقاعدة لتعليم المدنيات بكافة الاوساط في جهاز التربية”.

من المفروغ منه بأن وزارة التربية تجاهلت توصيتها. كما أنها لم تحظى برؤية الصيغة المعدلة للكتاب وبتقديم الملاحظات عليها، ولم تبلغ أي من ملاحظاتها قبلت وأي منها رفضت. وزارة التربية ببساطة قطعت الاتصال معها بعد ان أرسلت لها بعض الأجزاء التي مرت بتغييرات طفيفة. بنفس الأسلوب تعامل طاقم الكتابة مع بروفيسور تمار هيرمان من الجامعة المفتوحة بعد استلام ملاحظاتها الكثيرة واستنتاجها بأنه يجب عدم نشر صيغة الكتاب التي أرسلت لها بسبب انعدام التوازن البنيوي الذي يتضمنه بكل أجزائه وخاصة بالجزء الأول في التركيز على اليهودي مقابل الديمقراطي. “الكتاب يعرض رؤيا ضيقة الأفق وإستعراقية، ولا مكان له على رف كتب التعليم في دولة ديمقراطية”. اختفى أعضاء طاقم الكتابة. وكما ذكر اور كشتي بصحيفة “هآرتس”، بنفس تكتيك قطع الاتصال والتجاهل تعامل هؤلاء مع بروفيسور أسعد غانم من كلية العلوم السياسية في جامعة حيفا الذي اعتقد هو الآخر بأن هناك عدم توازن بين المركب اليهودي والديمقراطي في الكتاب وبأن الكتاب يتناول الهوية العربية بشكل مغلوط. لا أذكر أية عملية تقدير أكاديمية رفض خلالها نص بشكل واضح بهذه الصورة ومع ذلك نجح بالصدور(!).

أما بخصوص “تنوع التوجهات” الذي افتخرت به وزارة التربية، فلم يكن هناك بهذا التنوع التعددي مكان لكاتب او كاتبة عربية ضمن طاقم الكتابة. حتى عضو لجنة المهنة، ووظيفتها تقديم الاستشارة للوزارة، عمرو اغباريه استقال من اللجنة، من بين أمور أخرى، على خلفية “التجاهل المستفز للمعلم والطالب العربي”.

الصيغة الجديدة لكتاب “ان نكون مواطنين في إسرائيل” لا علاقة لها بتربية الطلاب ليصبحوا مواطنين بالغين ونقديين، مواطنين منخرطين بدولة ديمقراطية. الكتاب، والذي بحسب آراء الأخصائيات والأخصائيين الأكاديميين ليس فقط مغلوطاً من ناحية قيمية انما أيضاً مليء بالادعاءات الخاطئة والبلبلة بالمفاهيم، هو جزء من المسعى الأوسع  للتلقين القومي الضيق الذي يشمل الرقابة على روايات “تشجع الاختلاط” (بين اليهود والعرب)، والتمويل بمئات الملايين من الأموال العامة لمشاريع ايديولوجية تهدف الى “تعميق الهوية الذاتية اليهودية”، ورفض “الاعتراف بالآخر” وتقويض الديمقراطية.

محاضر بمجال القانون ومدير أكاديمي في “وحدة حقوق الانسان” في المركز الأكاديمي للقانون والأعمال في رمات جان، يدرس الفلسفة في الجامعة المفتوحة، ويرأس مركز “ادفا” لدراسة المجتمع في إسرائيل.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.