لا حقائق على الأرض، فقط خرافات

في السابق، اليسار الذي وقف ما بعد “ميرتس” وسابقيه من الأحزاب كان “واهياً” أما اليوم فأصبح “متطرفاً”، وكل برنامج ايلانه ديان هو لائحة اتهام تسعى لإظهار هذا التطرف من خلال عزرا ناوي
نعمان هيرشفيلد

 

شاهدت الحلقة ال-600 من “عوفدا” والتي أظهرت الناشط في حركة “تعايش” عزرا ناوي كمن اوقع بفلسطينيين ارادوا بيع أراضي بالضفة الغربية ليهود. ومن ثم قرأت بيان نتنياهو عبر الفيسبوك والقائل بأن “الاستقصاء الذي نشر ببرنامج “عوفدا” يكشف عن الوجه الحقيقي لمتطرفين بيننا أخرجتهم كراهية الاستيطان عن طورهم  وجعلتهم يسلمون اناس أبرياء للتعذيب والاعدام”. بعد ذلك، قرأت التحليل الممتاز ليوسي جوربيتس بمدونة “أصدقاء جورج” والذي يطرح علامات سؤال جدية حول العلاقة بين جهاز الأمن والمنظمة المستحدثة “عاد كان” لكني أشك بأن معدة البرنامج ايلانه ديان ستقبل اقتراحه بأن تفحص في الحلقة القادمة “ان كانت الجهات الأمنية بإسرائيل تدير حملة ضد منظمات حقوق الانسان بالتعاون مع الجيش؟ وإن كانوا يفعلون ذلك من خلال جمعيات وهمية؟”.

في نهاية تقريره في موقع “سيحا مكوميت”، يتسائل حجاي مطر “.. كيف يحدث بأن تقوم وسيلة اعلام مركزية، بأوقات الذروة، بالاعتماد على منظمة غير معروفة، دون أدنى حد من النقد ودون ان تسأل اسئلة جدية او تؤكد الحقائق، لتعرض تقريراً كل هدفه مناكفة اليسار بلا أية قاعدة من الحقائق لا عن اليسار ولا عن الشخص الذي يقف في مركز القصة- عزرا ناوي- بالفترة التي تشكل فيها مثل هذه الهجمات على اليسار الهواية المفضلة على اليمين والحكم.. كيف يحدث ذلك؟ ربما يكون الجواب بالسؤال نفسه”.

مجرد صعود اليمين بهذا الشكل غير المتكافئ، بالتوازي مع شعور التهديد لنشطاء اليمين وملاحقة نشطاء اليسار، من المفترض بأن تضيء  لدى الناس اشارات تحذير مومضة من فترات مظلمة وفظيعة وأنظمة استبدادية من هذا النوع او ذك ولكنها لا تنجح بذلك.

لا فكرة لدي كيف حدث ذلك. ليس من الواضح ما يحرك صحافية مخضرمة مثل ايلانه ديان لأن تعد عملاً سطحياً من هذا النوع. لكن الحقيقة بالواقع أخطر من ذلك: تقرير ديان الذي حصلت عليه من منظمة قد تكون مستقلة وقد تكون وهمية وتابعة لجهاز الأمن، أعد كبروباغندا ناجعة بأسلوب شبه وثائقي، وهو الأسلوب الذي تختص فيه ديان منذ سنوات طوال. لا شك بأن السبب المركزي لاختيار برنامج “عوفدا” من قبل منظمة “عاد كان” يعود لسمعته الجدية، ومن المؤسف بأن تقوم ديان بإهانة نفسها بهذه الطريقة. لكن المشكلة لا تقف عند غياب الاستقصاء، وهو أمر خطير بحد ذاته من ناحية صحافية، فهناك أمور أخرى لعبت دورها بالبرنامج كالميلودراما والميثولوجيا. مشاهد الحرب خلال البث و”الأكشن” الإسرائيلي هي فقط نقاط الذروة بالقصة التي موقعت بشكل تدريجي نشطاء اليمين من “عاد كان” كأبطال مقابل نشطاء اليسار “المتطرف”، ويجدر الانتباه هنا لكلمة “متطرف” التي اختارتها ديان لوصف المنظمة اليسارية “تعايش” بالدقائق الأخيرة من البث المباشر بالاستوديو. خلافاً لبقية أجزاء البرنامج المسجلة والتي تمت المواظبة خلالها على استخدام المصطلح المحايد “منظمات حقوق الانسان”، فجأة تسمح ديان للتناظر الشكلي بالسقوط- هذا عملياً تعاون دلالي مع اليمين المهيمن وتطرفه: في السابق، اليسار الذي وقف ما بعد “ميرتس” وسابقيه من الأحزاب كان “واهياً” أما اليوم فأصبح “متطرفاً”، وكل برنامج ايلانه ديان هو لائحة اتهام تسعى لإظهار هذا التطرف من خلال عزرا ناوي. البرنامج لم يسعى لأن يكون استقصاءاً تلفزيونياُ جدياً او حديثاً فكرياً، إنما لأن يكون صوت آخر ضمن الأصوات المتناغمة والمذهلة للميثولوجيا الصاعدة لليمين المتطرف حول اليسار. بقلب هذه الميثولوجيا يقف عزرا ناوي، الرجل وأفعاله، بينما “الحقائق على الأرض” فليست مهمة بتاتاً. المهم بأن بإمكانه ان يكون خرافة تمثل “اليسار المتطرف”، نقطة.

هذه  شعبوية رخيصة ولكن ماذا يقول ذلك عن الواقع السياسي في إسرائيل؟ هذا سؤال لم تسأله ديان ولكني أفترض بأن الإجابة واضحة للجميع- دولة إسرائيل موجودة بأوج عملية تفكك فكري وأيديولوجي. مجرد صعود اليمين بهذا الشكل غير المتكافئ، بالتوازي مع شعور التهديد لنشطاء اليمين وملاحقة نشطاء اليسار، من المفترض بأن تضيء  لدى الناس اشارات تحذير مومضة من فترات مظلمة وفظيعة وأنظمة استبدادية من هذا النوع او ذك ولكنها لا تنجح بفعل ذلك. مجرد وجود تلفزيون متحزب كهذا، الى جانب ظواهر أخرى لا تعد ولا تحصى، كل هذه شهادات متراكمة لعملية التفكك هذه. انا اؤمن بأن للصحافة وظيفة جوهرية وهامة بالتغيير ولكنها في إسرائيل تخون هذه الوظيفة بشكل منهجي كما نشهد اليوم بأحيان كثيرة- أكثر من اللازم.

طالب دكتوراة بمعهد العلوم الثقافية بجامعة هومبولديت في برلين

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.