صدور الترجمة العربية ل"تشحلة وحزقيل"

الترجمة من العبرية إلى العربية، هي أيضاً عملية تذكر غامضة لتاريخ العربية، مثل عملية التذكر التي يمر بها حزقيل وتشحلة والحكيم لبغداد وللغة العربية
خاص ب"اللسعة"

 

صدرت يوم 19 يناير، 2016 رواية “تشحلة وحزقيل” عن دار “الكتب خان”، وهي الترجمة العربية لكتاب الأديب والناشط الموج بيهار (37 عام) اليهودي ذو الأصول العراقية. ويأتي الاصدار الجديد قبيل المعرض الدولي للكتاب الذي سيعقد في القاهرة بين 27 يناير و-11 فبراير.

في عجينة ضخمة يسبك ألموج بيهار حكاية حزقيل، الملازم للحاخام والذي يحاول كتابة الشعر وهو يتذكر ماضي آبائه البغدادي ولغتهم. من بغداد إلى القدس تنمو حكاية عن اللغة والدين وكتابة الشعر، عن حزقيل وراحيل والحكيم وأمه جورﭽيا. على مدار صفحات الرواية، يسعى الأبطال لتذكر العربية، قبل هجرة آبائهم لإسرائيل. التذكر في الرواية هو فعل لرأب الصدع بصدع آخر. يقول صديق البطل: ” منذ مائة سنة نتمزق بين العرب غير اليهود وبين اليهود غير العرب”. هذا التمزق ليس سهلاً، هو تمزق بين لغتين وثقافتين، هو تمزق الراحلين من المنفى إلى المنفى. “ليس منفى الألفين وخمسمائة عام كمنفى السبعين عاماً”، كما تقول جورﭽيا.

على مغلف الكتاب: صورة لجد وجدة ألموج بيهار بيوم زواجهما في بغداد عام 1939.
على مغلف الكتاب: صورة لجد وجدة ألموج بيهار بيوم زواجهما في بغداد عام 1939.

لكل بطل من أبطال الرواية اسمان، اسم عبري واسم عراقي عربي. فحزقيل أو حسقيل، هو النطق العراقي للاسم العبري “يحزقئيل” (ويعني “الرب يقوّي”). أما راحيل، نطق العراقيون اسمها كـ”كحلة”، ثم أصبح على لسان بعضهم “تشحلة”. الحكيم عوﭬاديا (ويعني اسمه “يعبد يهوة”)، ترجمه العراقيون إلى عبد الله، وسمي عوﭭاديا على اسم جده الحكيم عبد الله القادم من بغداد، كما ينادّى هو نفسه بعبد الله أحياناً.

ومثلما يسعى الأبطال لتذكر لغتهم القديمة، العربية اليهودية في بغداد، ينشغل حزقيل بالصمت، لاستعادة لغة الرب، قبل أن تتحطم الأواني المقدسة ومن شرر تحطمها يُخلق العالم، بحسب “القبالاه” اليهودية. تشكو راحيل زوجته من صمت حزقيل، غير القادر على الكلام، أية زيجة هذه التي تزوجتها؟. ينتظران عشاء ليلة الفصح، ينتظران مولودة جديدة، وفي هذا الانتظار يتعرف حزقيل على الشعر، على أخيه المسلم، على صديقه الناشط السياسي، وعلى جارته المولدوﭬية. يعرف حزقيل حياة أخرى خارج حياة الكنيس، ويحاول التوفيق بين السماء والأرض، بين الداخل والخارج، بين الصمت والكلام.

الرواية هي الاولى التي يقوم الأديب والمترجم المصري نائل الطوخي بترجمتها بيد ان اختياره لهذه المهمة لم يكن من قبيل الصدفة. فالطوخي الذي تعلم العبرية في جامعة عين شمس وسبق له ان ترجم كتابات عديدة من العبرية، يبحث منذ سنوات في العلاقة ما بين العربية والعبرية وكان من ضمن ذلك ان نشرت له مؤخراً سلسلة تحت عنوان “كيف تعلمنا العبرية شيئاً عن ذواتنا؟”. يقول الطوخي في مقدمته للكتاب: “بموازاة النص الأصلي، فالترجمة من العبرية إلى العربية، هي أيضاً عملية تذكر غامضة لتاريخ العربية. مثل عملية التذكر التي يمر بها حزقيل وتشحلة والحكيم لبغداد وللغة العربية، هكذا يمر المترجم بنفس العملية في الاتجاه المعاكس.”، ويضيف: “كان السؤال أثناء الترجمة، كيف يمكن نقل مستويات اللغة المتعددة في النص إلى العربية. كيف يمكن نقل تشبيك الكلام اليومي بالكلام المقدس، ونقل الفصول عن اللغة ونقل خلطة اللغات التي استعملها الكاتب. ساعدني التشابه الكبير من ناحية الجذور بين العربية والعبرية على الالتزام بالترجمة الحرفية في الغالب. أكثر الفصول تعقيداً من ناحية الترجمة كانت تلك المتعلقة باختلافات النطق بين العراق وإسرائيل، بين اليهود القادمين من أصول شرقية والقادمين من أصول غربية، وقد اخترت كلمات عربية لشرح اختلافات النطق الشائعة في العبرية المتحدَثة اليوم، مثل الخلط بين القاف والكاف، بين الحاء والخاء، بين العين والهمزة وغيرها.”.

تعرفن؟ أريد أيضا أن أشرح لهم (للعرب) أننا، نحن الشرقيين، الناصريون الحقيقيون، نحن المحاولة الأكبر لإقامة الوحدة العربية التي حلم بها جمال عبد الناصر.

ويستذكر الطوخي بداية حكايته مع “تشحله وحزقيل” التي قرأها قبل حوالي الثلاث سنوات ليستعيد فقرة لفتت نظره في حينه، يقول بمعرضها اليهودي القادم من أصول مغربية لمجموعة من النساء القادمات من أصول عراقية:
“تعرفن؟ أريد أيضا أن أشرح لهم (للعرب) أننا، نحن الشرقيين، الناصريون الحقيقيون، نحن المحاولة الأكبر لإقامة الوحدة العربية التي حلم بها جمال عبد الناصر. نحن المكان الوحيد الذي نجحت به الوحدة العربية. لقد جاؤوا بعرب من كل البلدان، من العراق وسوريا ولبنان واليمن ومصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، وجعلوا منهم شعباً واحداً له ثقافة واحدة. سوف أقول لهم في قناة الجزيرة أنه ينبغي أن يزورنا هنا عالم اجتماع مصري من أجل دراسة حالتنا، نحن اليهود العرب”.. ولا يخفي الطوخي حبه للرواية حين يقول: “هذه الرواية بلا مبالغة هي واحدة من اجمل الاعمال الادبية اللي قرأتها بالعبرية، وأكثرهم بالنسبة لي كشفاً للعلاقات بين العبرية والعربية، وبين الله والإنسان، بين لغة الله ولغة الإنسان. عملت على هذه الرواية الساحرة والرائقة مدة سنتين، سنتين كاملتين وأنا اقرأ وأترجم وأبحث عن مقابل عربي، وإن كان غير شائعاً، لكل كلمة عبرية، سنتين وصلت خلالهما لفهم أكبر لحقيقة تداخل اللغتين”.

أما الكاتب بيهار فقد زف خبر صدور الترجمة العربية عبر الفيسبوك قائلاً: “اذا كانت لي مسيرة أدبية، فهذه هي قمة مسيرتي الأدبية. لكي أحقق حلمي بأن أصبح كاتباً عربياً كنت بحاجة لوساطة مترجم يعيد هذه القصة التي تحدث في القدس ولكن تتذكر بغداد، تحدث بالعبرية ولكن تتذكر العربية، الى الأحرف العربية والى دار نشر عربية تستطيع كتبها الوصول أيضاً الى بغدادنا.”. وتلخص شوشانا جباي، الاعلامية والناشطة صاحبة الأصول العراقية، أهمية الحدث حين تكتب في تعليق لها: “هذا شرف كبير! شكراً لكما الموج ونائل لأنكما تكسران الحصار الذي فرض علينا هنا”.

بيهار الذي أعد رسالة الدكتوراة عن المنشدين اليهود في القرن العشرين في بلدان العالم الإسلامي، يخصص مكانة مركزية للثقافة اليهودية-العربية في كتاباته. وهو حائز على جائزة رئيس الوزراء للأدباء العبريين وعلى الجائزة الاولى بمسابقة القصة القصيرة لجريدة “هآرتس” عن قصته “أنا من اليهود”. بالإضافة الى رواية “تشحلة وحزقيل” صدرت له ثلاثة كتب ومجموعات شعرية كان أولها ديوان “عطش الآبار” (2008)، تلته المجموعة القصصية “أنا من اليهود” (2008) وديوان “خيط معقود من اللسان”(2009)، ظهرت بعض القصص والاشعار فيها بالعربية الى جانب العبرية. ترجمت بعض كتاباته أيضاَ إلى الإنجليزية والإسبانية والبرتغالية والإيطالية والصينية والفرنسية والرومانية.

فيما يلي مقتطفات من الرواية اختار الكاتب مشاركتنا بها.

((  كانت الجَنينة تجول في جسد تشحلة، وفمها وبطنها مفتوحان تجاه أمها ولكن قلبها أصبح يدق وحده وعينيها تريان عبر البطن الحامل الشفافة. كانت الجنينة تسير مع تشحلة في الشارع وتلاحظ الأجنة في بطون جميع النساء الأخريات، ترى لدى هذه توأماً ملتصقاً، ابناً وابنة، تقريباً لا يتحركان في البطن المزدحمة، ولدى تلك جنين يبلغ شهراً، لم يحسم أمره بعد بين الذكر والأنثى، وهذه جنينة جميلة في نظرها، وهذه جنينها ليس جميلاً وشكله لا يشبه البشر وإنما حيوانات الحقل، وهذه ما زالت البويضة في جسمها تنتظر البذرة لتصبح جنيناً، وحتى يحين هذا تحلم أحلاماً. وبين الأجنة تتردد أصوات دقيقة كأصوات حيوانات البحر وينادي أحدهم على الآخر من داخل البطون، يتبادلون علامات على السعادة ويتذكرون في نفسهم أوقاتاً كانوا فيها جزءين ارتبطا ببعض ونبتا.

عندما صحت الجنينة من حلمها رأت نهاية حلم تشحلة، أطفال كثيرون يخرجون من الأرحام، ولغتهم، كما تتخيلها تشحلة، ليس كلغتهما أبداً في الحقيقة.

والآن ونحن نتطلع للجنينة، تشحلة نائمة، وحتى الجنينة في بطنها نائمة، وكلتاهما تحلمان. ترى تشحلة في حلمها بطوناً مفتوحة تخرج منها أجنة بدون أحبال سُرية وتبدأ في التجول في العالم والتحدث بلغات كثيرة غير معروفة، فقط تثير أصداء بعيدة. أما في حلم الجنينة فالأمهات يخلعن بطونهن ويضعنها على أزواجهن، يضعن تعبيرات جامدة على وجوههن ويخرجن لتتحدث هذه مع تلك، هن أيضاً بلغات غير معروفة، ولكنها لا تثير أصداء، بينما الرجال يبدأون في التألم، يصرخون لمجيء المخاض، لمجيء انفتاح الجسم، وكل أجسامهم تمتلئ بالعرق البارد ويفقدون صوابهم. كل منهم أبكم يركض نحو صاحبه، الصراخ فحسب في حناجرهم، عيونهم تدور باحثة عن النساء، ليعيدوا إليهن البطون، وأي رجل يعثر على امرأة، وإن لم تكن امرأته، يحاول نزع البطن من عليه ليلبسها إياها، ولكن البطون لم تعد تنزع، ويعلو بكاء مرير من الرجال الذين يبحثون بعقلهم عن ثقب في جسدهم ليخرجوا منه وتبقى الأجنة بداخلهم.

ترى الجنينة أباها حزقيل أيضاً وهو يسير صارخاً وزاعقاً هكذا، يسير على طول شوارع كثيرة وبطن تشحلة الحامل لاصقة فيه وهي بداخلها، وهو يحاول شدَّ البطن لخلعها ولصقها بإحدى النساء الأخريات المارات في الشوارع، وهن جميعاً يرفضنها، إلى أن يصل للحكيم عوڤاديا والحكيمة مزال، الواقفين أمام باب بيتهما، ولا يعرف ببطن من سيلصق البطن، ويردان عليه سوياً، تعالَ يا حزقيل، يمكنك وضع البطن علينا وترتاح، يكفيك هذا العرق الذي يملأ جسمك، هذا الخوف، أعطنا البطن والطفلة ولتعش نفسك. نادت الجنينة حزقيل، ألا يكفيك أنك تشد كل خيوط روح أمي بصمتك وسيرك، تريد أيضاً الذهاب ووضعي في بيت الأغراب، وإن كانوا حكماء، ألا يكفيك أيضاً أنك لا تريد التجهز أنت أيضاً لأن تكون أبي الذي أدعوه أبي.

هكذا تحلمان، هذه بداخل تلك، الجنينة وتشحلة، وكل منهما تجد أحلاماً كثيرة تتحاور معها وتنساها. عندما صحت الجنينة من حلمها رأت نهاية حلم تشحلة، أطفال كثيرون يخرجون من الأرحام، ولغتهم، كما تتخيلها تشحلة، ليس كلغتهما أبداً في الحقيقة. حاولت الجنينة أن تضع كلمات قليلة تخصها في فم الأطفال الذين تراهم أمها، وحاولت الهمس لها لتهدئتها، رأيتُ أبي في أحلامي، أصبح راغباً في أن يكون أباً لي، أصبح راغباً في أن يكون زوجاً لك، ليس أبداً كالزوج الحائر الذي تخيلتِه طول العمر. بصوت عال جداً قالت الجنينة كلماتها هذه المرة حتى كادت تنجح في إيقاظ أبيها وأمها. ))

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.