تجربتي مع اللاجئين في بريشيفو

اسراب الناس المهاجرة تجتاح التلال بنظام وثقة وكأنها تعرف هذه الطريق التي عبرها اللاجئين قبل زمن ليس ببعيد ولكن بالاتجاه المعاكس
د. ذياب كبها

 

مضت عدة ايام على العودة لكن العقل والقلب سوف يبقيان هناك الى حين!. لا ادري من ترك ذاك الاثر بي أهو فهد؛ فهد اسامة سعيد، ابن الثلاث سنوات، من دير الزور التي ما زالت تئن تحت وطأة مجرمي داعش وجيش البطش النظامي الذي هلك الزرع والضرع، فهد الذي كان مصاباً بمتلازمة “داون” وحلم والديه الشابين بعلاجه لكن صحته خانته بسبب البرد فسعل دون ان يلقى علاجاً في العيادة الصربية في المخيم التي لم تكن اكثر من اسم من غير فعل، سعل حتى لفظ انفاسه الأخيرة، ولم يكن بوسعنا حين وصلنا إلا ان نعزي ذويه ونطمأنهم بأن هناك بجانب المخيم مدينة البانية الاصول فيها مسجد ومقبرة، وبأن فهد الصغير سيفوز بقبر صغير فيها، اما هم فسنسعى لأن يكملوا رحلتهم بالقطار صباحاً، هم سيصلون الى قبلتهم أما فهد الصغير فلن يصل ابداً .

ربما كانت تلك حنان من الرمادي وأطفالها الثلاثة الهاربون من نيران التطهير الطائفي، أم هو ابراهيم الذي كان مهندساً ناجحاً في سوريا الى أن وجد نفسه فجأة محارباً ثم هارباً ولاجئاً، ام ام ليان خريجة كلية الطب في دمشق، فلسطينية الاصل التي تلجأ من لجوئها الاول لتلحق بزوجها الذي سبقها الى المانيا، حاملةً احلامها بالتخصص في قسم التوليد وبمستقبل افضل لليان. ربما هي عائلة محمدي الافغانية، التي قطعت جبال ايران وهضاب تركيا سيراً على الأقدام لتستقل البحر وتصل الى القارة العجوز، عائلة محمدي التي خلعت نعالها لأول مرة منذ اسابيع وربما أشهر لنكتشف أصابع تملؤها “الغنغرينا” فتفوح سواداً وتعفناً من شدة البرد والسير الطويل، ام هي فاطمة التي هربت وعائلتها من نيران مخيم اليرموك لينقلب الباص فيهم في تركيا ولتفقد اباً واختاً وطفلي الأخت، فتركب البحر وحيدة إلا ان يتبناها اهل منطقتها؛ كانت تملأ المكان عويلاً ونوبات الهلع لا تتركها حتى ساعدني القدر على تهدئتها وانتزاع ابتسامة منها بدت الاولى منذ زمن.

پريشيڤو، الحدود الصربية المقدونية، بداية ٢٠١٦.
پريشيڤو، الحدود الصربية المقدونية، بداية ٢٠١٦.

عن من أتحدث؟. عن ياسمين من ريف دمشق المنكوب التي احضرها زوجها الحزين الي ليخبرني انها ادمنت حبوب “الترامادول” بسبب القصف والدمار، ام اتحدث عن كريمة الكردية التي بكى زوجها كالطفل حين احضر لها جراب دافىء لتبدل ذاك المبلول، وقبلني حين قلت له بان الجنين ابن الشهرين في بطنها بخير، ام محمد من درعا الذي فقد صيدليته بعد أن وزع الدواء مجاناً على الناس، ام امير من العراق الذي استوطنت به كل امراض الكون ولم تتسع الدنيا لفرحته حين استطعت تزويده بوجبة من الانسولين من عيادة مجاوره تعينه على اكمال الرحلة، أم محمد الذي هرب من سوريا الى السويد مع اهله ثم اصابه الاكتئاب ثم الانفصام بالشخصية، فتخيل مخابرات بلاده تطارده تارة وتلك الاوروبية تارة أخرى، الى ان اتخذ قراره بالعودة للبلاد لأن “نار الوطن افضل من صقيع الجنة السويدية”، لكنه علق على بوابة بلاده مع تركيا وانتهى به الامر بمستشفى الامراض العقلية في الاناضول حيث حاول حرق نفسه وجواز سفره، الى ان هدأت حالته وقرر الرجوع الى السويد ولكن هذه المرة كلاجئ من دون جواز سفر.

عن من اتحدث لأتحدث؟. عن الحاجة اليفة من كردستان التي احضرها الي متطوعون من سويسرا لأنهم لم يفهموا هلعها فحدثتني انها اضاعت رشيد زوجها وبناتها وأولادها وزوجاتهم وأحفادها، وما اكبر فرحتها حين تم لم الشمل بعد ان استعملنا كل الطرق لتحديد مكانهم، ام عبد ورفاقه الذين حدثوني بلهجة مغربية انهم من سوريا، وان العصابات التي اعترضت طريقهم قبل الحدود ضربتهم وسرقت كل ما يملكون حتى جوازات السفر والبطاقات الشخصيه، نعم عبروا من شمال افريقيا الى تركيا ونالوا الدخول الى اوروبا كسوريين وهم ليسوا كذلك  لكنهم فضلوا العيش باسم وجنسية مستعارة لمدى الحياة.

من أتذكر؟. شاكر من ديالا العراق الذي شكى لي الورم في رأسه ونوبات الصرع التي تنتابه، وكم من المال وفرت له العشيرة لكي يهرب من الطائفية ويتلقى الرنين المغناطيسي في المانيا ومن ثم الجراحة العصبية التي قد تشفيه، ام عبيد الله من افغانستان، ابن الحادية عشرة، الذي لم يستطع الوقوف بسبب الحرارة المرتفعة والأوجاع في المفاصل والطفح الجلدي في القدمين، حتى كان بحاجة لمستشفى وتحاليل لأيام طوال؛ في قسم اطفال محترم ربما كان سيتحول لموضوع جلسات الصباح لأسابيع أما بالواقع فالقرار، بعد استشارة هاتفيه بظل رداءة الإرسال وتقطعات “الواتس-اب”، كان اعطاءه دورة علاج بالستيرويد وبطاقة فيها شرح عن حالتة علقتها على صدره على أمل بأن يحصل على الرعاية المناسبة بعد عبور الحدود للاتحاد الاوروبي ووصوله لمكان ذو كفاءة وجدية اكثر من مستشفيات جنوب صربيا المتآكلة.

كيف لي ان انسى منظر الاهالي المحملين بأطفال وعتاد اغدقته عليهم مؤسسات الإغاثة على اشكالها العديدة، يثقل كاهلهم فيرمون قسطاً منه خلال الطريق، وأرجلهم تتأرجح على ثلج وطين

في مساء احد الأيام وقبل اغلاق العيادة في المخيم والذهاب لاستراق بضع ساعات من النوم، ذهبت لأطمئن بأن سيئي الحظ الذين لم ينالوا الفرصة لركوب الباص او القطار خلال النهار بحالة جيده وبأن اياً منهم ليس بحاجة لطبيب. لمحني عبيد الله الذي كان هزيلاً في الصباح، وركض الي وكأنه انسان اخر تشرق عيناه الرمادية الخضراء طاقة ونشاطاً، وكانت معه امه العجوز، فهمت سعادتها وامتنانها حين دعت لي بالفارسية ولو أني لم افهم من كلماتها غير “الله”. هل أذكر احمد ابن السابعة عشر الذي هرب من سوريا خوفاً من ان يؤخذ عنوة للتجنيد كما أخذ اخواه وعذبا حين حاولا التملص والهروب، فسعى لنيل حياة اطهر بجوار عم له في النمسا. كيف انسى العجوز من القامشلي التي فقدت بصرها بسبب التفجيرات حيث بكى زوجها حين أحضرها للعلاج وسب العرب ظناً منه بأنني مجرد ناطق للعربية ثم سب نفسه بعدها اعتذر مني وقال بأننا كلنا اخوة او ربما كنا كذلك قبل حين.

عن من اتحدث بعد؟. عن قتيب الذي احضره اخاه على كرسي متحرك ليبدل له صديق لي جروح الجلوس الطويل من حمص الى تركيا ثم الى”البلم” (القارب المطاطي المنفوخ ذو التسعة امتار الذي يعتليه ما بين ال ٥٠-١٠٠ مغامر)، ام عن حسن مصمم الازياء من الحسكه الذي فقد كل شيء لكنه أبى إلا ان يجتاز البحر بكامل أناقته!، ام عن محمد الذي تباهى بمنجرته في ريف دمشق واستل هاتفه الذكي ليريني صور التحف الخشبية الشامية التي ينحتها وليثبت لي كم هو “معلم بالنجارة”، وليشرح لي كم اراد ان يظل هناك حتى ينهي ابنه وابنته الدراسة الجامعية في دمشق لكنه مل رؤية الجنود يفتشونهم دخولاً وخروجاً من المدينه لكي لا يدخلوا قمحاً او خبزاً او مشروباً، فهرّبهم الى اوروبا وها هو لاحق بهم وهو يحلم بفتح ورشة اخرى وصنع الكثير الكثير من التحف الشامية.

كيف لي ان انسى منظر الاهالي المحملين بأطفال وعتاد اغدقته عليهم مؤسسات الإغاثة على اشكالها العديدة، يثقل كاهلهم فيرمون قسطاً منه خلال الطريق، وأرجلهم تتأرجح على ثلج وطين. كيف لي ان انسى نظرة عز لشاب يرمق صحفياً يلتقط صورة، وشاب اخر يقول لصديقه “صرنا فرجه يا اخي”. منظر الحشود تقفز الى قطار مهتريء يتوقف في ذاكرتي وكأنه صورة قد تجمدت وعلقت على حائط في معرض لاختيار افضل صورة لهذا العام. منظر اسراب الناس المهاجرة تجتاح التلال بنظام وثقة وكأنها تعرف هذه الطريق التي عبرها اللاجئين قبل زمن ليس ببعيد ولكن بالاتجاه المعاكس هرباً من صربيا الى مقدونيا، في السهل والنهر والتلال ذاتها. منظر المتطوعين الذين يقدمون الشاي الحلو جداً بعد ان قيل لهم ان اللاجئين يحبون الشاي هكذا(!)، منظر الجمعيات الإنسانيه جاءت بعضها بدوافع انسانية بحق أما بعضها الآخر فللدعاية ولنشر اجندتها السياسية ونثر شعاراتها في كل مكان. منظر اصحاب سيارات الاجرة ينتظرون الناس من بعيد لاصطيادهم واكتساب بضع الدولارات. والأطفال وهم يلهون بقطعة ثلج او يتراشقون كرة وجدوها على طرف سكة القطار. منظر طفل ينادي على كلب تائه مبتل وخائف، فيحاول ترويضه وطمئنته. ورماد سجائر لا تنطفئ بأفواه اللاجئين والسكان المحليين، وفي الخلفية مصنع دخان سوڤييتي معطل منذ الحرب الاهلية وانهيار يوغوسلافيا.

هي فقط مشاهد وأسماء تسلسلت في الخاطرة الآن. كثير من الاسماء مرت دون ان أعرفها. كثيرة هي العيون التي رمقتها وفهمت قصتها دون ان تتكلم. عيون خائفة حائرة وأخرى يملؤها الامل. كثيرة هي الاسماء التي مرت قبل ان اكون هناك او ستمر بعد ان عدت. عدت ولم تكتمل المهمة، وربما لن تكتمل ما دام هناك ظلم وتطرف واستعمار.

طبيب شاب يختص بطب العائلة بمستشفى سوروكا

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

  1. ام محمد

    بارك الله بجهودك….يا ريت نغدر نعمل اشي لنساعدهن.

  2. ام محمد

    بارك الله بجهودك ويعطيك الصحه والعافيه