عندما تتغير قواعد اللعبة تجاه اليهود الشرقيين

الدولة خلقت حالة قابلة للانفجار بين الشرقيين والعرب في العفولة، وليس من المستغرب بأن تطلق من افواه أهالي العفولة تهديدات حقيقية تذكر بأجواء ما قبل الحرب الأهلية
ايتمار طوبي

 

في الفترة الأخيرة شاهدنا العديد من التقارير الإعلامية التي تتحدث عن “العنصرية الفظة لأهالي العفوله” وعن “التعايش الهش الذي يهوي أمام أعيننا” (خذوا مثالاً على ذلك سلسة التقارير التي اعدها عمري مينيف “جدار حية” للقناة العاشرة). لكن عدا عن الجانب الانفصالي العنيد لأهالي العفوله اليهود تجاه غير اليهود، هناك جانب اضافي وهو ذلك الذي يشير الى تغيير قواعد اللعبة تجاه السكان اليهود-الشرقيين اللذين يشكلون الغالبية العظمى في المدينة.

المجتمع الإسرائيلي يكبت الشرقيين بالتعليم والعرب بالأراضي، وهو الذي خلق حالة قابلة للانفجار فيما بينهما: من جهة، المجموعات الشرقية المستضعفة، ومن جهة أخرى، العرب اللاجئين من مدنهم التي لا يستطيعون البناء فيها. ردة فعل أهالي العفولة-عيليت على دخول مجموعات عربية من الطبقة الوسطى والعليا بشكل قانوني لأحيائهم قد تدل على بداية التغيير في قواعد اللعبة بدولة اليهود: فهذه واحدة من ردود الفعل، وهي ليست الوحيدة بالتأكيد، والتي قد تنزلق لعنف مدني كما اعلن أهالي العفولة أمام الكاميرات.

القواعد القديمة للعبة او ذلك العقد غير المكتوب بين دولة إسرائيل ومواطنيها يقول بأنه سيتم تفضيل اليهود على العرب، دائماً وأبداً. لكن على الرغم من التمييز الواضح والصارخ ضدهم، نجح العرب في اسرائيل بالحصول على تعليم عالي وتأهيل مهني على مستوى، الأمر الذي خلق طبقة وسطى عربية متماسكة، مندفعة وصاحبة كاريزما. احد التفسيرات المثيرة لذلك تشير الى انقطاع جهاز التربية اليهودي عن العرب: جهاز التربية المنفصل، أعفى الطلاب العرب من الالتقاء بمعلمين عنصريين يقومون بتوجيههم للتربية المهنية (كما حدث مع اليهود الشرقيين)، لهذا فالانقطاع منحهم عملياً نوع من الاستقلالية التربوية  التي عملت لصالحهم من ناحية (الوصول الى) تعليم عالي طموح ومتنوع. في هذه الأيام بالتحديد يقام طاقم أكاديمي لتقصي “صعود الطبقة الوسطى بالمجتمع العربي الفلسطيني في البلاد” برئاسة البروفيسور عزيز حيدر من معهد فان-لير. هذه هي نفسها الطبقة الوسطى التي تشتري قسائم الأراضي في العفوله والناصرة العليا وهي نفسها التي لن تقبل أبداً بالكيبوتسات الأشكنازية (ويكفي هنا التذكير بقضية قعدان التي تداولتها محكمة العدل العليا منذ سنوات) وهي نفسها التي تعاني من ضائقة الأراضي وغياب التخطيط وهي التي تلتقي اليوم بالتجمعات الشرقية المستضعفة.

الشرقيين في إسرائيل لم يحصلوا يوماً على عقد جيد بل كان نصيبهم المعاملة التمييزية بالأراضي، بالسكن وبميزانيات التربية والتعليم. المورد الوحيد الذي تبقى لهم هو “الامتياز اليهودي”.

تسمع من قبل أهالي العفولة أسباب عديدة تعبرعن قلقهم من هجرة العائلات العربية الى المدينة، منها الرغبة بالانفصال\التميز والحفاظ على هويتهم الثقافية-الدينية. من السهل التطرق فقط لمثل هذه الأقوال العنصرية على الرغم من أنها ليست بغريبة عن الوجود اليهودي التاريخي وحتى الصهيوني. من الأصعب الحديث عن الجانب الطبقي والذي يحمل معنى رمزياً واسعاً: يهود،  بمعظمهم شرقيين، من العفولة ينظرون كيف ينجح العرب بالحصول على الموارد المحدودة من الأرض بالرغم من أنهم “عرب في دولة يهودية” من المفترض بأن تميز ضدهم. مثل الشرقيين الكثر غير المتعلمين اللذين يعيشون في الناصرة العليا ويرون كيف يقوم جيرانهم العرب المتعلمين بإرسال اولادهم الى “summer school”، هكذا يرى سكان العفولة بأن امتيازهم الوحيد- أي كونهم يهود- لم يعد ينجح في تمييزهم بشكل ملحوظ. هكذا تشكل الشق الآخذ بالتصدع في ادراكهم لمواطنتهم بعد ان فهموا بأنه حتى قواعد اللعبة الانفصالية لم تعد تعمل لصالحهم بعد. في ظل غياب حل عميق لهذا الشق، تقفز منظمات مثل “لهفا” لتملئه بالطبع.

هذا الوضع الذي يبقى فيه الشرقي، بدور المواطن اليهودي المستضعف بدولة اليهود، بلا موارد ارض وبلا هوية، ويلتقي ب”العربي الجديد” المثقف والمتمكن الذي يعاني من الكثافة السكانية في مدينته، يخالف العقد غير المكتوب بين المواطنين الشرقيين لدولة إسرائيل والفكر الصهيوني، هذا الذي من المفترض ان يفضل اليهودي دائماً. عندها تطلق من افواه أهالي العفولة تهديدات حقيقية تذكر بأجواء ما قبل الحرب الأهلية ترافقها نداءات حقيقة هي الأخرى لانتفاضة يهودية ضد مجرد دخول العرب للعفولة، بينما يشتد “اللهيب” (بالإشارة الى “لهفا”) شيئاً فشيء.

الشرقيين في إسرائيل لم يحصلوا يوماً على عقد جيد بل كان نصيبهم المعاملة التمييزية بالأراضي، بالسكن وبميزانيات التربية والتعليم. المورد الوحيد الذي تبقى لهم هو “الامتياز اليهودي”. أيضاً هذا أخذ منهم في مكان ما هناك بالعفولة. اذا أردنا التخمين وفق سلسة تقارير القناة العاشرة فيبدو بأن دولة إسرائيل ستدفع ثمن ديمقراطي غالي بسبب احباط أهالي العفولة- الاحباط الذي يمثل توجه سياسي شرقي منتشر- من تغير موازين القوى بين الشرقيين والعرب. هذا الثمن قد يصيغ قواعد جديدة للعبة تكون أقل ديمقراطية مما هي عليه الآن!.

خريج كلية اللغة والأدب الألماني وحامل لقب ثاني بعلم الاجتماع من الجامعة العبرية

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.