اليمين واليسار- مجرد لعبة أقنعة!

يبدو لنا بأن هناك فرق بين اليمين واليسار، بين المستوطنات وحركة الكيبوتسات، بين ال”كيرن كيَمت” وميرتس ولكن عملياً بكل هذه هناك أغلبية أشكنازية تربح من قواعد اللعبة السياسية
توم مهاجر

 

في نظام ديمقراطي مع أجهزة عدل وقضاء تعمل كما يتوجب عليها ان تعمل، التعامل مع عتير-ام الحيران كان سيكون مغايراً تماماً. بدل المصادقة على خطة الدولة لإخلاء الأهالي وبناء بلدة يهودية على أنقاض قريتهم، المحكمة كانت ستطالب الدولة بتقديم تفسيرات: بما انه لا يوجد هناك سؤال حول كون الحكم العسكري هو من أعطى تعليماته، بعام 1956، لقبيلة ابو القيعان لتنتقل الى المكان، لماذا لم تخصص لهم الدولة اراضي بما يتناسب مع حجم تلك التي كانت بمليكيتهم في 1948؟. لو كانت لمحكمة العدل العليا أية علاقة، ولو ضعيفة، بالعدل لما كانت القبيلة هي التي تدافع عن نفسها أمام الدعاوى والادعاءات بل الدولة التي من المفترض ان تقدم تفسيرات لإخفاقاتها وسياستها العنصرية على مدى كل هذه السنوات.

من الملفت للنظر بأن تاريخ الاقتلاع والترحيل لقبيلة ابو القيعان يعكس “حركة الاستيطان” الصهيونية منذ 48 وحتى اليوم. من يريد السكن اليوم على انقاض قريتهم هي نواة “حيران” التوراتية أما في ال-48 فقد كان ذلك كيبوتس “شوفال” الذي سيطر على اراضي القبيلة بمنطقة وادي زبالة. البعض من أعضاء الكيبوتس يعرفون أنفسهم كاشتراكيين يصوتون لليسار. هل تم تحويل أراضي القبيلة التي أخذها كيبوتس “شوفال” لأغراض عقارية أم بعد؟، يجدر فحص ذلك!.

لا يوجد هنا مكان للمصادفات. في كل ما يتعلق بالمصالح الاقتصادية، حركة الكيبوتسات وما يسمى عادة باليسار تتعاون بشكل كامل مع المؤسسات المسؤولة في الميدان عن ترحيل الشعب الفلسطيني. هكذا على سبيل المثال، فقد قامت ال”كيرن كيَمت” التي تسيطر على 13% من أراضي الدولة وتبيع الأراضي لليهود فقط، بتحويل أموال لحزب “ميرتس”: حركة الكيبوتسات وقعت على اتفاق أراضي مع “دائرة اراضي اسرائيل” التي ترأسها آنذاك رئيس مجلس المستوطنات “يشاع” السابق بنتسي ليبرمان: أما ايتان بروشي، مدير عام حركة الكيبوتسات السابق، فصوت لصالح الائتلاف الحالي بمسألة تنظيم مكانة “شعبة الاستيطان”. وعليه، اذا ما نظرنا للمصالح الاقتصادية بدل التصريحات والتصورات، فلا يوجد في البلاد يسار ويمين.

النظر الى النظام السياسي في البلاد بمصطلحات يسار ويمين هو بالي وعديم الفائدة. السؤال الحاسم هو بأية طرق وحلبات تتجسد علاقات القوة بين الاشكنازيم والمجموعات الأخرى لتكرر نفسها.

على شكل شبيه، أيضاً مجال الاعلام في البلاد هو عملياً صراع بين نخبتين اشكنازيتين، تعرف الاولى كيمين والثانية، لسبب ما، كيسار وأحياناً حتى كيسار “متطرف”. انظروا مثلاً الى اقوال افيشاي عفري من “قناة 20” ونوعام شيزاف من موقع “سيحا ميكوميت” بالإشارة الى الاثيوبيين والشرقيين. هكذا يكتب عفري في صفحته على الفيسبوك: “نعم، عندما يجلس اصحاب بشرة غامقة على مقعد بحي “رمات أفيف” بالليل فذلك سبب لتوقف دورية الشرطة. نعم، حقيقة كون بشرتهم غامقة تقول بأنهم لا ينتمون للحي، دورية شرطة بحي اثيوبي في “رحوفوت” لم تكن لتقف بجانبهم بالضرورة. نعم، اذا اجابوا بأنهم من “رحوفوت” وبأنهم يتجولون هنا فقط، فهذا سبب اضافي للشك من قبل رجال الشرطة”.

قبل أيام من ذلك قام شيزاف برسم معالم الهوية الشرقية، ب”ال” التعريف، بناءً على تشخيصات ضعيفة تتعلق بالنشاط السياسي لعزرا ناوي وطالي فحيما على النحو التالي: “تعاطف ناوي وفحيما مع الفلسطينيين هو شامل وعاطفي أكثر، هم يقبلون المنطق القومي الفلسطيني، ومن ضمنه أيضاً التعامل مع “المتعاونين” (في حالة عزرا)، الامر الذي لا يبرره اليسار لأسباب واضحة. من الصعب الامتناع عن التفكير بأن هناك علاقة بين هويتهما الشرقية وبين طابع سياستهما التي تشكل بديلاً ايضاً لليسار وايضاً لليمين”.

بنظرة سريعة تبدو هذه الاقوال مختلفة أيضاً لأننا نعتقد بأن المتحدثين أنفسهم مختلفين. شيزاف معرف مع اليسار وهو معارض شديد للاحتلال اما عفري فهو العكس تماماً. لكن الحديث عملياً عن نفس الفرق البلاغي بين كيبوتس “شوفال” ونواة “حيران”. أيضاً شيزاف وأيضاً عفري يمرران رسالة تقول بأن ذوي البشرة الغامقة يميلون أكثر للتصرف بعنف. بالتوازي مع ذلك، فمن جهة الاثنان، الهوية الاشكنازية البيضاء هي أمر محايد لا علاقة له بالعنف اللذي يكتبون عنه.

على مستوى آخر، بالامكان التمعن في التمثيل الذكوري الاشكنازي في سياق النظام السياسي-الحزبي مع التركيز على من يكونون “ابن فلان” و”ابن كذا”. من بنيامين نتنياهو في الليكود، مروراً بيئير لبيد في “المركز” ويتسحاق هرتسوغ رئيس المعسكر الصهيوني، وحتى يوسي ساريد ودوف حنين- كلهم كأنهم حصلوا على مسيرة سياسية بالوراثة.

بالنتيجة، النظر الى النظام السياسي في البلاد بمصطلحات يسار ويمين هو بالي وعديم الفائدة. السؤال الحاسم هو بأية طرق وحلبات تتجسد علاقات القوة بين الاشكنازيم والمجموعات الأخرى لتكرر نفسها. في محكمة العدل العليا، حركة الكيبوتسات، حركة المستوطنات والمؤسسات الاعلامية المختلفة هناك أغلبية يهودية أشكنازية. منذ قيام الدولة وحتى يومنا هذا، المجموعة الاشكنازية (يمين، مركز و”يسار”) هي الرابحة من قواعة اللعبة السياسية. لهذا فالتحدي الكبير لمن يسعى للتغيير السياسي هو محاربة الهيمنة الاشكنازية على اشكالها المختلفة.. أما الامور الاخرى فهي مجرد لعبة أقنعة.

ناشط بجمعية عمرام لتنمية الثقافة والهوية الشرقية

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.