عندما تتحول "حالة الطوارئ" لروتين يومي

لون البشرة والهيئة هي السمات الفارقة التي تميز بهذه الأيام بين الصديق والعدو، بين مواطنين ساذجين من عامة الشعب وبين مشتبهين خطيرين يضمرون نوايا سيئة، ليس فقط في الشارع انما أيضاً بالتشريع!
يوسي دهان

 

لون البشرة والهيئة هي السمات الفارقة التي تميز بهذه الأيام بين الصديق والعدو، بين مواطنين ساذجين من عامة الشعب وبين مشتبهين خطيرين يضمرون نوايا سيئة. اقتراح القانون الذي صادقت عليه الحكومة هذا الاسبوع يشدد على هذه التقسيمة الظالمة. بناء على قانون صلاحيات الحفاظ على أمن الجمهور، او “قانون اللمس” كما يعرف، سيكون بإمكان الشرطيين اجراء تفتيش جسدي بأماكن السهر ومحيطها القريب دون الحاجة لوجود شبهات عينية ضد هؤلاء اللذين يتم تفتيش أجسادهم وأعضائهم.

من الواضح من هم هؤلاء اللذين سيكونون من ضمن مجموعات المشتبهين الرئيسية التي ستقع عليها عمليات التفتيش- أصحاب البشرة الغامقة والهيئة الشرقية أي العرب والشرقيين والأثيوبيين وطالبي اللجوء. التجربة تؤكد بأن تنفيذ هذا القانون سيكون حتماً انتقائياً.

المبادرة لاقتراح القانون هذا بدأت قبل خمس سنوات حيث كان الهدف منها بالأصل محاربة العنف بأماكن السهر. وزير الداخلية (السابق) جلعاد اردان، قرر بأن الايام التي تشهد اعتداءات (أمنية) هي فرصة ممتازة لتمرير اقتراح القانون: “في أعقاب الاعتداءات الأخيرة”، صرح الوزير، “أصبحت هناك حاجة ماسة لإعطاء صلاحيات للشرطة لتقوم بالتفتيش الجسدي وتتعامل بشكل أنجع مع ارهاب السكاكين”. في الحقيقة لا يوجد هناك اية حاجة ملحة بهذا القانون، فكما يشير المحامي افنير فينتشوك من جمعية حقوق المواطن: “الشرطة لديها صلاحيات تفتيش واسعة من ذي قبل- يكفي بأن يثير أي شخص الشبهات لكي تستطيع الشرطة تفتيشه. بهذه الطريقة، مثلاً، تم احباط اعتداء قبل ايام في مجدال هعيمق”.

من الواضح من هم هؤلاء اللذين سيكونون من ضمن مجموعات المشتبهين الرئيسية التي ستقع عليها عمليات التفتيش- أصحاب البشرة الغامقة والهيئة الشرقية أي العرب والشرقيين والأثيوبيين وطالبي اللجوء. التجربة تؤكد بأن تنفيذ هذا القانون سيكون حتماً انتقائياً. التنفيذ سيقع على مجموعات ذات ملامح ترتبط لدى الشرطيين ورجال القانون بالميول للعنف. من المثير للسخرية بأنه في عام 2000 تمت المصادقة على قانون منع التمييز بالمنتجات، الخدمات والدخول لأماكن السهر والأماكن العامة الذي سعى بالأساس لمحاربة التمييز المستمر في النوادي الليلية وأماكن السهر بحق أصحاب “الهيئة الشرقية”. قانون اللمس الذي سيمكن التفتيش في ملابس وأجساد أصحاب هذه الهيئة الخاصة، سيؤدي الى التمييز ضدهم ويمس كرامتهم من قبل ان يصلوا حتى الى باب النادي!.

اقتراح قانون اللمس ينضم لاقتراح قانون أهم وأوسع ألا وهو اقتراح قانون محاربة الارهاب- الاقتراح الذي يمتد على مئة صفحة لم يتسنى لأعضاء الكنيست مطالعتها قبل ان توضع على طاولة الكنيست للقراءة الاولى. الاقتراح يوسع صلاحيات الدولة بشكل كبير والى جانبها التعريفات المتعلقة بتنظيمات ونشاطات الارهاب. فوفق هذا القانون، “العمل الارهابي” هو ليس فقط النشاط التخريبي ضد المواطنين او الممتلكات بل يكفي بأن يقوم الشخص بالتهديد بهكذا نشاط. أما العضوية بتنظيم ارهابي فلا تقتصر على الاعضاء الناشطين بل تشمل الحالات التي يتم فيها التعبير عن موافقة او تعاطف مع التنظيمات لأن هذه قد ترتبط بشكل غير مباشر مع تجنيد نشطاء لتنظيمات الارهاب(!). من حق أي دولة ان تحمي نفسها من الارهاب ولكن بهذه الحالة، باسم الحرب على الارهاب، يمس القانون بحقوق اساسية للمواطنين، كحقهم في التعبير عن الرأي وحرية التأطر، ويحد بشكل كبير من حيز الخطاب الديمقراطي.

في كتابة “حالة طوارىء” يظهر الفيلسوف الايطالي جيورجيو اجامبين كيف تحولت حالة الطوارىء والتي من المفترض ان تشير الى أوضاع خارجة عن القاعدة تبرر اعطاء صلاحيات خاصة للحكم، تحولت الى روتين يومي في الدول الديمقراطية الغربية التي تمرر عمليات تشريع “معادية للارهاب”. عمليات تشريع لا تفرق بين الصديق والعدو، وتنزلق لحياة المواطنين اليومية لتمس بحقوقهم وتقوض النظام الديمقراطي.

صورة من شريط فيديو أعدته منظمة "Just for Kids Law" البريطانية اثر المصادقة على قانون "اللمس" هناك.
صورة من شريط فيديو أعدته منظمة ” Just for Kids ” البريطانية اثر المصادقة على قانون “اللمس” هناك.

محاضر بمجال القانون ومدير أكاديمي في “وحدة حقوق الانسان” في المركز الأكاديمي للقانون والأعمال في رمات جان، يدرس الفلسفة في الجامعة المفتوحة، ويرأس مركز “ادفا” لدراسة المجتمع في إسرائيل.

*نشر المقال بتاريخ 15\10\21 على موقع “اللسعة” باللغة العبرية، ويعاد نشره الآن باللغة العربية اثر المصادقة على “قانون الللمس” بشكل نهائي هذا الاسبوع.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.