عن أصول العنصرية في إسرائيل

العنصرية لم تبدأ بكهانا بل قبله بسنوات، بأفكار وأعمال من اعتقدوا بأنه يجوز لهم اقتلاع ناس من بيوتهم. هؤلاء لم يكونوا أقل عنصرية.
مرزوق الحلبي

 

في الوقت الذي تصول فيه العنصرية وتجول ويتحول التحريض على الفلسطينيين مواطني الدولة لنوع من الروتين، يجب التذكير بعدة حقائق تضيع في التفافات الكلام الصادر عن العنصريين أكثر والعنصريين أقل. من الجدير، مثلاً، التوقف، ولو قليلاً، عند السياق التاريخي والسياسي للكينونة الإسرائيلية. ربما يساعدنا ذلك على فهم الأمور.

في ظل العنصرية الفظة، تجلس على الكرسي في الصالون عنصرية “غير ضارة”، تلك التي تشكل ارض خصبة لمكملة دربها التي نشهدها اليوم. في الثمانينات عندما قام كهانا وقطيع مرعاه بالتحريض ضد الفلسطينيين في إسرائيل، كان هناك من استمتع بغسل يديه من الموضوع- ها هو كهانا يأخذ الملف على عاتقه ويعفي الجميع من خزيه. آخرون قالوا لنا، وكأنهم يوقفونا على خطئنا، بأن “اليهود اللذين عانوا على مدى التاريخ من عنصرية، لا سامية ومذابح مدبرة لا يمكن ان يتحولوا لعنصريين يوماً ما”.

لكن البداية لم تكن ب”الكهانية” بل سبقت هذه بسنوات كثيرة. بأفكار وأعمال كل هؤلاء اللذين اعتقدوا بأنه يجوز لهم اقتلاع ناس من بيوتهم، منعهم من العودة، تهويد الحيز، سلب اناس من ممتلاكاتها ومصادرة أراضيها. هؤلاء لم يكونوا أقل عنصرية حتى لو قاموا بتلك الأعمال في ظل الحكم وبوسائل قانونية منها ما تمت وراثته من الانتداب البريطاني ومنها ما وضع هنا بعد 1948. اذا ما عدنا الى الوراء، سنجد نوع آخر او نوعين من العنصرية لكننا نوجه أنظارنا دائماً الى العنصري المناوب او العنصري الذي لم يعد يستحي، وهؤلاء يملئون البلاد اليوم واسمهم يسبقهم.

هناك ثلاثة مصادر للعنصرية في إسرائيل: مبنى القوة الذي يميل لصالح الأغلبية اليهودية ويسمح للعنصري بأن يكون عنصرياً: أفكار وعقائد تعيسة حول الاستعلاء و”الشعب المختار” و”النور للأغيار” (أي غير اليهود): مخاوف وصناعة خوف من خروج من هم تحت السيطرة، أي الفلسطينيين، عن السيطرة. مما يعني بأن العنصرية ليست ضربة ربانية، والناس هنا لا يولدون عنصريين او مسممين بعنصرية وضيعة بل هم “وجه وطنهم” أي نتاج السياق الذي كبروا فيه. والسياق هو كهذا، مختبر لإنتاج العنصريين من كل الأنواع، الأحجام والأجناس. هناك الجنس الفاخر والراقي، والجنس الرخيص والشعبوي، وهناك الجنس “غير الضار” الذي لا يرون عليه، عنصري متخفي، رائق، “ملح الأرض”.

القيادة “المتنورة” لا تحاول حتى ان توجه بعض كلمات المواساة او التهدئة لمجتمع اصلاني كامل، 20% من السكان في إسرائيل! ولا كلمة، ولا حتى لعيون الاعلام وفي سبيل قطف عنوان باليوم التالي!

في ظل العنصري الصريح يسكن العنصري المبهم. دائماً سيكون هناك عنصري “غير ضار” يوبخ العنصري الفظ- لئلا يكشف سرهم العميق أو المكشوف أصلاً. هذا هو الوضع في إسرائيل اليوم. فغالبية السياسيين والإعلاميين اللذين يتظاهرون بالانفتاح ويحاولون تمييز أنفسهم عن العنصريين بأساليب وطنية، لا يقولون كلاماً جازماً ضد العنصرية والتحريض وضد الأعمال الوضيعة لرئيس الحكومة بأيام الانتخابات. طوابير من المذيعين ومقدمي البرامج يكررون، دون رهبة او تساؤل، حكاية الحكومة حول المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل والفلسطينيين عامةً. غالبيتهم الساحقة لا تلتزم بمعايير التوازن الصحفية لكي تحضر صوتي، على سبيل المثال، بل تحضر بالذات خطاب الكراهية لرئيس الحكومة وأعضاء حكومته.  القيادة “المتنورة” لا تحاول حتى ان توجه بعض كلمات المواساة او التهدئة لمجتمع اصلاني كامل، 20% من السكان في إسرائيل! ولا كلمة، ولا حتى لعيون الاعلام وفي سبيل قطف عنوان باليوم التالي!. في المقابل، يقوم هؤلاء أحياناً بمنافسة متحدثي الحكومة لإثبات “صهيونيتهم”، “وطنيتهم” وغيرها من مظاهر القومجية والشعبوية للجماهير، عندما يتطرقون للمواضيع المطروحة على الأجندة العامة. ويظهر من كلامهم، الواضح او المشفر، بأنهم هم أيضاً ينظرون للأقلية العربية  في إسرائيل كمجتمع مشبوه ومخيف حتى. والمسافة بين الخوف والعنصرية هي مثل المسافة بين العين والحاجب.

لا أشعر بالشماتة بسبب انقضاض عنصريي اليوم على عنصريي الأمس وانتصار العنصرية الفظة على تلك “غير الضارة”. لا استطيع ان استهين بحملة التحريض ضد منظمات حقوق الانسان والمجتمع المدني والأعلام الثقافية المبجلة، خاصة وان لدي هناك أصدقاء، معارف وأناس اقدر عملهم من اجل العدل والقيم الانسانية التي أتماهى معها. لكن لا يمكنني إلا ان اعرض امامهم موقفي بهذا الموضوع المؤلم. لعنصرية اليوم هناك جذور بعنصرية الأمس. الفطام لن يكون ممكنناً لا بالسكوت ولا بالاستواء وفق مسطرة الكين، دانون ولفين. عندما يكرر هؤلاء كالببغاوات أقوال رئيس حكومتهم حول الارهاب الفلسطيني ويتسابقون معه في ذلك، عليكم ان تقوموا وتقولوا بأن الاحتلال هو المصيبة الكبيرة للمجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني. عندما يدلي رئيس الحكومة بأقوال باطلة حول التحريض بمناطق السلطة، عليكم الخروج بمؤتمر صحفي في تل أبيب-يافا لتستنكروا التحريض المنفلت لرئيس الحكومة وقطيع مرعاه على الفلسطينيين وأبو مازن رئيسهم. عندما يسيطر الجيش على أراضي فلسطينية ويسلمها للمستوطنين. عندما قامت الجرافات بهدم البيت في الطيبة الاسبوع الماضي، كنت اتوقع منهم بان يمنعوا الهدم بأجسادهم: فهذا ليس موضوعاً للعرب فقط، هذا هو لب السياسة المسؤولة، المواطنة الحسنة، الديمقراطية والنضال على المبادئ. ليس المواطن من الطيبة هو من خالف القانون بل كل مؤسسات التنظيم، أي سلطات الدولة.

عبرة واحدة من عبر الفترة التي تلت قتل رابين- أمام القومجية المسيحانية، العنصرية العنيفة، لا يتوجب التراجع بل الخروج لحرب

لكن ماذا أطلب من اناس محسوبين على المجموعة التي تتمتع بميزات فائضة على حساب الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل والشعب الفلسطيني عامةً. وماذا اتوقع من أناس يؤمنون بأنفسهم لنتنياهو ويدخلون بحالة تأهب كلما أطلق أكاذيبه وحذر من “تدفق العرب الى الصناديق” (ولا استغرب ان قام جزء منهم بالتصويت له حتى). لا أحمل بشرى ولا اريد ان اترك فتحة للأمل أيضاً فلا أمل في جعبتي بالسياق المذكور. العنصرية الفظة التي تفشت في أماكننا لا تقوم بتبييض العنصرية “غير الضارة” حتى اذا نجحت بدفعها الى داخل الصالون. ومن يعارض العنصرية الفظة والحملات ضد المثقفين واليساريين وناشطي المجتمع والحقوق عليه ان يقوم ويحرك ساكناً، وعلى الأقل، بأن يصرح بشكل واضح بأن هذه الأمور لا تتم باسمه وبأنه في الغد يجب الخروج لمحاربة العنصرية ك”حرب على البيت”. لا يوجد هناك خطر، مهما كان كبيراً، يوازي خطر العنصرية التي تذهب باتجاه حرب أهلية. عبرة واحدة من عبر الفترة التي تلت قتل رابين (رئيس الحكومة الاسرائيلي)- أمام القومجية المسيحانية، العنصرية العنيفة، لا يتوجب التراجع بل الخروج لحرب، وإلا ماذا أعتقدتم؟!.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.