عندما تطلق النار على فتاة ابنة 13، علينا ان نجد لغة جديدة

اسرائيل تقاضي جندي قام بتبليغ المنظمة اليمينية “لهافا” عن يهوديات تربطهن علاقة بفلسطينيين. هذا استعراض ليبرالي لدولة تستمر بتعميق العنف المؤسساتي بكلا جهتي الخط الأخضر: الفلسطيني ممكن ان يكون عدواً فقط، لهذا فالفتاة رقية ابو عيد هي اولاً وقبل أي شيء مخربة. أمام هذا الخطاب، علينا ان نجد لغة جديدة.
علما مريم كاتس

 

في صباح يوم الأحد الماضي سافرت بالسيارة الى العمل. قمت بتشغيل الراديو وتنقلت قصيراً بين المحطات حتى توقفت عند احداها عن طريق الصدفة. من السماعات خرجت أصوات اريئيل سيجال وبوعاز ليفي الذين قدموا البرنامج الصباحي لسيجال “لن أغلق فمي”. كلاهما تحدثا مع عضو الكنيست عيساوي فريج من “ميرتس” حول العملية التي وقعت في وقت سابق في عناتا والتي قتلت اثرها فتاة بعمر 13 عام بعد ان حاولت طعن حارس على مدخل “عناتوت”. فريج اعترض على انعدام الاخلاقية في أسلوب الرد الدارج بهذه الأحداث، على اطلاق النار بهدف القتل الذي يقوم به مواطنين ورجال أمن، ووصف هذا الاسلوب بالإعدام. فريج توجه لهما، مرة تلو الاخرى، بطرق مختلفة متسائلاً: لماذا يخاف رجل بالغ ومسلح بهذه الطريقة من فتاة لم تتعدى ال13 عاماً؟ من أين أتى الهلع الذي أدى الى اطلاق النار عليها؟. سيجال أجاب بطريقة مستعلية جداً وقال: “في دولة إسرائيل، على الاختلاف من جاراتها، لا يوجد هناك فرق بين البنات والبنين. أيضاً في الجيش هناك محاربين ومحاربات”.

في مرحلة لاحقة، صمم بوعاز ليفي على قول رأيه: “فريج أريد، بعد إذنك، ان اساعدك لحظة مقابل سيجال.. وإذا كان ذلك ولد بجيل عشر سنوات فقط، طلقة بالرأس؟ أنا أوجه سؤالي لسيجال”. سيجال أجابه مباشرةً: “اذا كان الولد ابن العاشرة يشكل خطر على حياتي..”، ليفي لم ينتظر الإجابة وقال له: “حسناً، وإن كان ابن ثماني سنوات، اذا كان ابن الثامنة هو من يحمل السكين؟”، سيجال أجابه بغضب زائد: “ولد ابن ثمانية مع سكين اذا كنت تسطيع إحباطه، لن تطلق عليه رصاصة في الرأس.. لا تستهتر، لا أحد يطلق النار هنا على أولاد صغار”. ليفي لم يكن راضياً من أجوبة سيجال، فاسترسل: “انا لست واثقاً.. ما الفرق بين ولد ابن ثمانية وابنة 13؟ انت بنفسك هل كنت سترفع مسدسك؟”، سيجال، الذي فوجئ من توجيه الأضواء الى شخصه، أجاب: “لا أعرف، اذا قام أحد بمطاردتي..”، في الخلفية سمع صوت ليفي يقول: “بنت بعمر 13! 13!”، حتى حسم سيجال اجباته قائلاً: “في هذه الحال، نعم كنت سأطلق النار عليها”.

في مرحلة معينة، أغلقت الراديو. لا اعتقد بأنني تابعت الحديث حتى النهاية لكنه علق بذهني طوال النهار. الحديث كان سريالياً للغاية بنظري وزعزعني بقوة، كما يحدث بين الفينة والأخرى في هذا المكان. إجابة سيجال الصارمة لم تفاجئني بشكل خاص لكن تصميم ليفي الذي عاين بدقة الميزة الأكثر إشكالية، المخيفة الى حد بعيد، التي تربيها إسرائيل في جنودها، شرطييها ومواطنيها، أثار عدة أفكار ومشاعر بداخلي. ليفي على ما يبدو- مع الأخذ بعين الاعتبار الآراء التي عرضها خلال الحديث وكون المحطة محطة “يهودا والسامرا”- لم يعي كم كان سؤاله دقيقاً، تماماً كالدبوس الذي يثقب بالون الخوف الذي يحيط بغالبية اليهود في إسرائيل.

في الوقت الذي يعمي فيه الخوف العميق غالبية اليهود في إسرائيل،يستمر  اليسار في استخدام شعارات خالية من التأثير، شفافة بنظر غالبية الناس.

الكلمات والجمل التي تخرج عن الناس بشكل يومي في الإعلام، دون ان يتوقفوا ويتسائلوا عندها، تظهر الكثير بالطبع عن الوضع الذي نعيش به على مستوى الوعي والعاطفة. حدود الخطاب تنكشف عندما يكون من الشرعي قول أمور من هذا النوع، التي قالها سيجال، ببث حي دون التخوف من عقاب اجتماعي. الهوية العربية تنفر اليهود في إسرائيل، هي تخيفهم لدرجة ان كل عربي\ة، بغض النظر عن جيله، يفقد انسانيته عندما يقف مقابل يهودي\ة متوسط\ة. تلك الفتاة مخربة وهذا كل ما ستستطيع ان تكونه يوماً. لو كان الحديث عن بنت يهودية مع سكين، لقام الحارس بإحباط محاولتها، إعتقالها، ارسالها لعلاج طبي مناسب ولفحص نفسي. هذا لأنها قبل أي شيء آخر بنت تمر، على ما يبدو، في ضائقة صعبة جداً. لم أكبر ببيت يساري لهذا فأنا أعرف وأتعامل مع هذا العمى لدى أقرب الناس الي في العالم. لا اريد بأن افصل نفسي عنهم، فصل من هذا النوع سيكون انكاراً لأجزاء هامة في هويتي، موجودة بداخلي.

استعراض للحدود الاخلاقية

قبل أيام نشر تقرير عن لائحة الاتهام التي قدمت ضد جندي في حرس الحدود قام بتسليم رئيس “لهافا” (المنظمة اليمينية)، بنتسي جوبشتاين، صور عن بطاقات هوية لنساء يهوديات سافرن سوية مع فلسطينيين بنفس السيارة. الجندي اوقف السيارة للتفتيش في سلوان، استعمل صلاحيته وصور بطاقات النساء دون معرفتهن. بعد ذلك، قام بإرسال الصور لجوبشتاين وكتب، من ضمن أمور أخرى، “هوية شابة نزلت مع شابين عربيين وصديقة أخرى الى إيلات. كنت سأبكي الآن. اذا كان بإمكانك ذلك، أرجو ان تنقل هذا للجهات المختصة من فضلك. أرجو الحفاظ على هويتي مجهولة”.

الضائقة التي عبر عنها الجندي بالرسالة التي بعثها لجوبشتاين تظهر الى أي حد عميق هو الخوف من ذوبان الفصل، الادراكي والملموس، الذي يحيط باليهود في إسرائيل عمن يعيشون بينهم وحولهم. الاختلاط يفهم كفقدان هوية، التمازج الذي ينتج عن معرفة وقرب، يشكل بالغالب تهديد وبحالات أخرى خيانة تكسر القلب. هذه المشاعر الصعبة تتعمق في المجتمع، ومقابلها، يفقد تعاطي منظمات اليسار صلته مع الواقع أكثر فأكثر. ذلك لأن اليسار، أمام هذا الخوف العميق، يستمر بالحديث بشعارات كلحت معانيها مثل “المساواة والعدل لكلا الشعبين، التعايش، الحياة المشتركة” وما الى ذلك.

في الوقت الذي يعمي فيه الخوف العميق غالبية اليهود في إسرائيل، اليسار يستمر باستخدام شعارات خالية من التأثير، شفافة بنظر غالبية الناس. هذه اللغة قديمة وبالية. مستعلية لأنها ليست صريحة، لا تحاول ان تخاطب أحد. في نفس النقاش التي جرى ببرنامج اريئيل سيجال، كانت هناك لحظة خاصة نجحت بإيضاح نقطة حاسمة لا يتم التعبير عنها بشكل كافي باللغة التي يستعملها اليسار بشتى “المناسبات” على الفيسبوك للمظاهرات والنشاطات الثقافية البيضاء، هكذا علينا ان نتحدث. تعاطينا مع هذه الظاهرة يجب ان يتعمق بدقته.

الاستخدام المتكرر والمكرر لكلمات كبيرة، بالوقت الذي يصبح فيه الواقع أكثر تطرفاً، اتلف هذه واخرج منها لسعتها، واسوأ من ذلك، حولها لأداة بيد من يريد الاستهتار بنا. من السهل تخيل كيف يتحدث اليساري، من السهل جداً ان يتم الاستهتار بشخصيتنا. الحديث السريالي في الراديو كان ممكناً بسبب الوضع المتطرف الذي نعيش به لكنه سمح بطرح سؤال هام دون مقاطعته او تصنيفه كخيانة يسارية سخيفة. حتى نحن أصبحنا لا مباليات حتى أننا ننكر أجزاء هامة من هويتنا. حان الوقت لأن نتوجه لليهود، لأنفسنا، لتشجيع الاسئلة، للإشارة الى تلك المظاهر اليومية للكراهية وتعريتها. ليس بالشعارات الفارغة انما بالحديث الصريح والبسيط الذي يجب العمل جيداً لإيجاده.

الخوف اليهودي في إسرائيل يغذى بشكل جيد من قبل الحكومة. حقيقة محاكمة الجندي على أعماله ليست مفهومة ضمناً. فكيف يعقل بأن الحكومة نفسها التي تربي أجيال على الموازاة بين الفلسطيني والخطورة الأمنية وبين السحنة العربية والإشتباه، التي تدفع- حتى لو لم يكن ذلك بشكل معلن- باتجاه انتهاج ال”اعدام” بحق أولاد فلسطينيين مع سكاكين، كيف يعقل بأن تقول بنفس الوقت بأن جندي حرس الحدود قام بغلطة يجب ان يدفع ثمنها؟. الحكومة تستخدم تصنيفات أمنية واسعة (منها، بأن كل فلسطيني من الاراضي المحتلة سنه فوق ال35 يشكل خطورة أمنية إلا اذا كان متزوجاً او أب لأولاد) وبنفس الوقت، ودون أي شعور بالتناقض، تقاضي جندي تصرف فق معايير الشك التي وضعتها هي بنفسها وتقدم ضده لائحة اتهام. كل رجل شاب في سلوان يشكل خطورة أمنية ممكنة على الحاكم الإسرائيلي. امام هذا الواقع، تصرف هذا الجندي هو طبيعي حتماً، عادي جداً، نتاج مباشر للعرف الإسرائيلي. فهو لم يطلب إلا انقاذ الفتيات اللواتي وقعن في حبال العدو.

الدولة الصهيونية تريد ان تكون مثل دول الغرب الكبرى التي تربطها بها علاقات اقتصادية عميقة وودية. تريد ان تكون عصرية ومتنورة مثلهن، بيضاء بحسب البروتوكول. لهذا فهي لا تريد ان تنسب لنفسها صفات دينية “متطرفة”

قرار مقاضاة الجندي هو قرار سياسي. الاستخدام السياسي للائحة الاتهام ضده يعبر عن توجه موازي يجب اعارة الانتباه له. بالإمكان تسميته ربما فرض الليبرالية على القانون الإسرائيلي كجزء من المساعي لتحقيق “هسبرا” (أي دعاية) إسرائيلية أفضل على المستوى الداخلي والخارجي. هو يتجسد أيضاً بمطالبة يولي اديلشتاين من الليكود بالإعلان عن منظمة “لهافا” كتنظيم إرهابي، وأيضاً بقرار المحكمة بقضية قتلة الفتى المقدسي محمد ابو خضير. هذه الخطوة السياسية تسعى لرسم حدود أخلاقية لا يتم احترامها حقاً على أرض الواقع. ادانة “لهافا” هي أمر مبارك فيه بكل مكان طبيعي ولكن هنا فهي تتحول لأداة بيد الحكومة. نفس الحكومة التي تربي على التصنيف العرقي، وبنفس الوقت، تطلب ادانة من يتعدى الحدود الليبرالية تجاه نفس الناس اللذين تعرفهم بنفسها بشكل منهجي كخطيرين.

مخربة أولاً

جندي حرس الحدود ذعر من حقيقة وجود امرأة يهودية على علاقة بفلسطيني، برضاها، فمن جهته، الفلسطيني ممكن ان يكون عدوه فقط. تماماً مثلما اعتبرت رقية ابو عيد، الفتاة من عناتا، كمخربة اولاً، تهديد تم القضاء عليه. الحكومة تستخدم هذا الجندي لتظهر أكثر نظافةً، هي تطالب بالإعلان عن “لهافا” كتنظيم إرهابي واهي لتصون عبر ذلك قناعها الديمقراطي. يبدو بأن السبب الرئيسي لاختيار “لهافا” كمن تحاول الدولة تمييز نفسها عنها، يعتمد على خاصية واحدة وهي كونها مجموعة تعمل من دوافع دينية. الدولة الصهيونية تريد ان تكون مثل دول الغرب الكبرى التي تربطها بها علاقات اقتصادية عميقة وودية. تريد ان تكون عصرية ومتنورة مثلهن، بيضاء بحسب البروتوكول. لهذا فهي لا تريد ان تنسب لنفسها صفات دينية “متطرفة”، مثل الجماعات التي تحب ان تشير اليها كتهديد عليها وكنقيضها الكامل.

نشاط “لهافا” يصور كمتطرف من قبل دولة لا تسمح لليهود والفلسطينيين (من اية ديانة كانوا) ان يتزوجوا بحدودها. إسرائيل تريد تميز نفسها عن “لهافا” بواسطة خطوات قانونية استعراضية، وبنفس الوقت، تستمر بتعميق العنف المؤسساتي الذي يجري في كل يوم بكلا جهتي الخط الأخضر. القوى المتناقضة التي تعمل في مجتمعنا تخلق تناقضات لا نهائية. على دولة إسرائيل ان تخلق نفسها في كل مرة من جديد لكي تبرر الطريقة التي تتواجد فيها بهذا الحيز. هذا التناقض العميق لا يمكن ان ينحل، لأن العيش داخل جدران محصنة وتسمية ذلك ديمقراطية وحرية هو شيء سخيف. علينا، كمعارضات للحكم الليبرالي والأبيض، الصهيوني والعنيد،  ان نجد طرق جديدة للتعاطي معه، وأولها مراجعة لغتنا.

القوى التي تعمل في مجتمعنا تخلق تناقضات لا نهائية. على دولة إسرائيل ان تخلق نفسها في كل مرة من جديد لكي تبرر الطريقة التي تتواجد فيها بهذا الحيز. هذا التناقض العميق لا يمكن ان ينحل، لأن العيش داخل جدران محصنة وتسمية ذلك ديمقراطية وحرية هو شيء سخيف.

بوعاز ليفي وضع يده على الاشكالية الاعمق التي تنمو بواسطة هذا الخطاب بقلوب الملايين من اليهود في إسرائيل، حتى ولو للحظة واحدة. صمم على التوقف عند هذه النقطة، على عدم الوضوح الذي استشعره في التعامل مع ظاهرة صادمة بحق. اريئيل سيجال صدم من الموقف الذي وضعه فيه ليفي لكنه أجاب بصراحة. أتمنى، على الأقل، بأن بعض ممن سمعوه يقول هذه الكلمات بهذا الإصرار، تحركوا بعدم راحة في مقعد السيارة وهم في طريقهم الى العمل. علينا الإشارة الى الرياح السيئة والخطيرة التي تحصل على الشرعية في المجتمع الإسرائيلي. السماح للقصور الذاتي بتحويلنا الى لامبالين، سيبقينا بلا أمل، وحيدين نصرخ الشعارات لأنفسنا.

علينا، بما يشملني، ايجاد صندوق أدوات جديد نتحدث به. اعتقد بأن وقتنا يجب ان يستثمر هناك. لم اعد أستطيع قراءة أية “مناسبة” في الفيسبوك تدعوني لنشاط مساواة ووحدة بين الشعب، في كل مرة يتم فيها استخدام هذه الشعارات الفارغة نتحول لكاركتير للاحتلال. هذه تعيسة تقريباً بنفس درجة المسخرة العنصرية التي تسود هنا. علينا ان نعنى بانشاء لغة جديدة تنقذ الأخلاق وقدرة التعاطف التي بقيت هنا، ان نجد طريق جديدة لبناء الثقة وإزالة الشك، ان نجمع شظايا الاحلام المتناثرة في أراضي البلاد.

ناشطة، شاعرة، وطالبة لقب ثاني بدراسات الانثربولوجيا.  

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.