لماذا يرسب الطلاب العرب بمدنيات "الدولة اليهودية"؟

نصف الطلاب العرب الذي تقدموا لامتحان المدنيات عام 2014 رسبوا به. هذه ليست فقط قضية تحصيل، ساعات تعليمية وتأهيل معلمين، انما ايضاً قضية جوهرية تنبع من الأزمة العميقة والمستمرة بين الطلاب والمعلمين العرب في إسرائيل وموضوع المدنيات.
د. محمد مصالحة

 

قبل عدة أيام نشرت صحيفة “هآرتس” بأنه وفق معطيات وزارة التربية حول علامات البجروت (الامتحانات الثانوية النهائية) في موضوع المدنيات يتضح بأن حوالي النصف من الطلاب العرب اللذين تقدموا للامتحان الأخير بعام 2014، رسبوا به. من التقرير نفسه لا يمكن الوقوف على الأسباب لذلك (هناك ادعاء يوعز الرسوب الى التغييرات في مادة التعليم)، أما من أقوال مربي المدنيات عمرو اغبارية، فنعرف بأنه كان هناك توجه لوزارة التربية لتبحث في الأمر لكن الوزارة لم تتخذ أية اجراءات فعلية لتبيان مصدر الفشل الكبير. هذا فشل مجلجل ليس فقط من الناحية الكمية- الذي يثبت فشل الجهاز على مستوى التحصيل- بل أيضاً بسبب كون الموضوع الزامي، للدولة مصلحة مباشرة وايديولوجية خاصة فيه من أجل “اعداد مواطنين مطلعين وناشطين”.

لا شك بأن للعلاقة بين المجتمع العربي في إسرائيل وبين الدولة، خاصة من بعد عام 2000، قد يكون هناك دور مركزي بإلقاء الضوء على فشل الطلاب في موضوع المدنيات. لا حاجة للحديث كثيراً حول ميزات الموضوع في إسرائيل “اليهودية والديمقراطية”، وحول العلاقة بين هذه البنية لدولة اليهود وبين احتمالات وجود تربية لمواطنة متساوية جوهرية وديمقراطية. أبحاث كثيرة كتبت عن ذلك. المعطيات التي نشرت في التقرير غير مفاجئة وليس من المفترض بان تفاجئ أحد. سبب مركزي لذلك، برأيي، ينبع من مبنى موضوع المدنيات ومضامينه التي تقود لبناء علاقات جفاء، عدائية ونفور وسط الطلاب العرب ومعلمي المدنيات بالمدارس العربية وبين الموضوع نفسه. مبنى العلاقات هذا يساعد في تفسيرالفشل المجلجل ولو بشكل جزئي.

قضية فشل الطلاب العرب بالمدنيات مركبة ومعقدة أكثر وترتبط بكل الجوانب المتعلقة بالعملية التربوية: الطلاب، المعلمين، ادارة المدارس وأيضاً الأهالي. كلهم يجدون أنفسهم ملزمين على التعاطي مع مواد تعليمية، بعضها على الأقل، تناقض مجرد وجودهم وتضع عليه علامة سؤال.

في سنوات الخمسين من القرن الماضي، عندما اطلقت وزارة التربية برنامج “التربية المتساوية” (لليهود) الذي طبق في جهاز التربية، أدى البرنامج الى بناء ومأسسة تصنيفات “الاشكنازيم” (أي اليهود الغربيين) مقابل “المزراحيم” (أي اليهود الشرقيين)، وكان فشل الطلاب المزراحيم حينها هائلاً. خلال النقاشات التي اجريت في محاولة لفهم أسباب فشل البرنامج وانعكاساته قصيرة وطويلة الأمد، اتضح بأنه تطورت هناك علاقة جفاء بين مواد التعليم وبين الطلاب الشرقيين، الأمر الذي من الممكن بأن يفسر جزء من الفشل.

قضية فشل الطلاب العرب بالمدنيات مركبة ومعقدة أكثر وترتبط بكل الجوانب المتعلقة بالعملية التربوية: الطلاب، المعلمين، ادارة المدارس وأيضاً الأهالي. كلهم يجدون أنفسهم ملزمين على التعاطي مع مواد تعليمية، بعضها على الأقل، تناقض مجرد وجودهم وتضع عليه علامة سؤال. من مواد التعليم تلك يتضح بأن هؤلاء الناس أنفسهم ممكن ان يكونوا مواطنين فقط بحالة معينة واحدة: “ان يكونوا مواطنين في دولة اليهود”، مما يعني ليس مواطنين حقاً، ذلك على الرغم من مواطنتهم الرسمية. في بحث (لم ينشر بعد) اعدته مجموعة من الباحثين في معهد “فان-لير”، برئاسة بروفيسور حنان الكساندر من جامعة حيفا ود.هيللي بينسون من جامعة بن غوريون في النقب، حول “التربية للمواطنة” في جهاز التعليم بإسرائيل، تم اجراء مقابلات مع معلمين عرب أيضاً من كل مراحل التربية وأنحاء البلاد. تحليل هذه المقابلات قد يكون مثيراً بحق: واحدة من النتائج المركزية تشير الى أن معظم المعلمين العرب يتعاملون مع مادة التعليم بالمدنيات كمادة فرضت عليهم، لهذا فهي تمرر بشكل تقني وليس دائماً بشكل نقدي. عوضاً عن ذلك، يطور المعلمين العرب لأنفسهم توجهاً متعدد المستويات، صراعي وديناميكي جداً مع موضوع المدنيات. هم “يخترعون” مواطنتهم في كل مرة ويقومون بموضعتها، مثلاً، في السياق المحلي للمدينة او القرية، او في السياق النظري-الشامل للمواطنة، او بصياغة مواطنة عربية-فلسطينية تمرر بشكل لا منهجي الى جانب المواطنة الإسرائيلية المنهجية وغير الممكنة.

الصيغة الجديدة والاشكالية لكتاب المدنيات "ان نكون مواطنين في إسرائيل"
الصيغة الجديدة والاشكالية لكتاب المدنيات “ان نكون مواطنين في إسرائيل”

هذا يوصلنا الى استنتاج بأن رفع مستوى تحصيل الطلاب العرب في موضوع المدنيات هو مشكلة معقدة. ربما بالإمكان محاولة معالجتها على مستوى التحصيل بواسطة اضافة ساعات تعليمية وتقديم تدريب خاص للمعلمين او التقليل من وزن امتحان البجروت في العلامة النهائية (ككتابة وظيفة بدلاً عنه مثلاً)، لكن يبقى الجانب البنيوي والعميق أكثر والذي له انعكاسات بالتأكيد ليس فقط على مستوى التحصيل انما ايضا على المستوى المدني، وبالنتيجة، أيضاً على الجانب الجوهري لتربية المواطنة كما هي اليوم وفي المستقبل، ذلك على ضوء التغييرات التي ينوي الوزير الجديد وطاقمه ادخالها لبرنامج المدنيات. من المفهوم بأن الحل “المثالي” هو صياغة “مواطنة جديدة” تستطيع تحقيق ذاتها بشكل كامل والأهم- بالا تكون منوطة ومشروطة بكون ال”مواطن” يهودي. بالإمكان أيضاً الاستعاضة عن ذلك بتخفيف السيطرة والمراقبة على المعلمين العرب بحيث تفتح أمامهم مساحة كبيرة من الامكانيات لبناء الهوية وتفسح المجال للطلاب للتعبير عن أنفسهم وتحقيق ذواتهم وربما أيضاً النجاح في نهاية المطاف بموضوع المدنيات.

محاضر في الجامعة  المفتوحة وكلية سخنين لتدريب المعلمين.   

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.