"ميرتس" تتبنى بلاغيات التحريض

مرة أخرى ينجح نتنياهو بأن يجر خلفه قطيعاً من المؤيدين- يشمل “ميرتس”- من خلال موجة التحريض الحالية ضد أعضاء الكنيست عن “التجمع”. لكن نتنياهو يعكس بنهاية المطاف ما تفكر به غالبية المجتمع الإسرائيلي: حقوق العرب بإسرائيل مشروطة بمدى خنوعهم.
عبد ابو شحاده

 

لو كان هناك عدل، لما اضطر المقموعين الى إدارة حملات تفسر عدم الاخلاقية التي ينطوي عليها قمعهم. مثلما ليس من المفترض بأن يشرح ممثلي ونشطاء “التجمع” الآن لماذا يوجد هناك واجب اخلاقي وانساني، يتخطى اية وجهات نظر ايديولوجية-علمانية او دينية على حد سواء، لتسليم الجثامين واجراء طقوس الدفن والتخفيف عن العائلات التي تعيش تحت الاحتلال. مرة أخرى، بمساعدة خطوة عشوائية، عنيفة وغير مبررة، نجح نتنياهو بجر قطيع كامل من خلفه من الأحزاب التي تفتقر لعمود فقري سياسي وتبرر تحريضه وتحريض أعضاء حزبه ضد القائمة المشتركة عامةً وضد أعضاء التجمع خاصةً.

تعالوا نقول الحقيقة، اذا كانت هناك ظاهرة مثيرة حقا بالسياسة الإسرائيلية فهي هذا الشخص: لقد فشل بكل مستوى ممكن، من السكن والعمل مروراً بالتعليم وحتى الأمن، ومع ذلك، فالمجتمع الإسرائيلي كله، بما يشمل اليسار الممثل بكل فخر من قبل “ميرتس”، يمشي مضللاً وراء أقواله ويتبنى بلاغيات التحريض. نفس القطيع يتسابق الآن بطريقه للتصويت على تعديل للقانون بما يتيح شطب اعضاء كنيست بسبب آرائهم السياسية، تلك الآراء التي انتخبوا من أجلها. معنى هذا التشريع هو كتم صوت المجموعات التي لا تستوي وفق مسطرة مجموعة الأغلبية وإقصائها خارج المعترك السياسي المقبول.

Screen Shot 2016-02-09 at 13.27.34

في سياق القضية الأخيرة، نشر عضو الكنيست ايلان جيلئون من “ميرتس”، دون ان يرجف له جفن، عبر حسابه على الفيسبوك تعليق تحريضي كلاسيكي ضد أعضاء الكنيست من “التجمع”، تعليق من الممكن بان يليق بأي عضو كنيست من “البيت اليهودي”، يقدم فيه العظات حول الطريقة التي من المفترض بالعرب ان يتصرفوا بها. تفكيره المشوه يمنعه من رؤية معاناة العائلات التي عليها ان تتعامل مع الاحتلال العسكري وانعكاساته الاجتماعية، من جهة، ومن جهة اخرى مع حقيقة مقتل ابنها بسبب هذا الاحتلال. جيلئون نسي بأنه كشخصية تعرض نفسها على أنها يسارية، تقع عليه المسؤولية ان يدرس بشكل عميق مسألة زيارة العائلات الثكلى. ربما ممن الصعب عليه وعلى المجتمع الإسرائيلي ان يذوتوا حقيقة كون هؤلاء الاولاد نتاجاً للاحتلال، ونعم- هم اولاد. كان من الأفضل بأن يحاول جيلئون، على الأقل، فهم المشكلة الاجرائية  المنبثقة من عدم استعداد اسرائيل ان تتناقش مع السلطة الفلسطينية بقضية جثث المواطنين المقدسيين، على الاختلاف مما تفعله بحالة من هم من سكان الضفة الغربية. سكان شرقي القدس يقعون بين بين، ولقاء اعضاء التجمع بهم هو عمل انساني من الدرجة الاولى تجاه عائلات جل ما تطلبه أن تدفن ابنائها بكرامة.

التاريخ يعلمنا بأن الأمور لن تتوقف هنا: حلقة الشرعية ستتقلص أكثر فأكثر، وفقط عندما تناقش لجنة السلوكيات والأخلاقيات في الكنيست شرعية عضو الكنيست ايلان جيلئون وأعضاء “ميرتس”، سينظر هؤلاء يميناً ثم يساراً ليفهموا بأنهم بقوا لوحدهم أمأم أغلبية متجبرة وعنيفة وليسألوا أنفسهم كيف لم يتصرفوا بالوقت!.

لكن جيلئون ليس الوحيد فهناك شعب كامل يمشي مضللاً وراء ديماغوجيا باطلة تخلو من الانسانية. هكذا كان الحال أيضاً مع تصريحات نتنياهو حول المفتي، ففي المجتمع الإسرائيلي اليوم تعتبر أقوال نتنياهو حقيقة لا سؤال عليها. كطالب حكم ومجتمع صادفت، ليس مرة ومرتين، طلاب يستخدمون هذا الادعاء لتبرير العنف تجاه الفلسطينيين. بنفس المناسبة، يؤكد هؤلاء بأن المؤرخين الإسرائيليين والأجانب مخطئين ولاساميين- وفقط نتنياهو هو الصادق(!). بنفس الطريقة تعامل نتنياهو مع القضية الانسانية لدفن الميت، ولو أن هناك توافق حولها أيضاً وفق القوانين والأعراف الدولية وأيضاً وفق الديانات التوحيدية بأكملها: الإسلام والمسيحية واليهودية. حتى أن عضو الكنيست زحالقه قام باقتباس آيات من التناخ تؤكد بدورها على ان إكرام الميت دفنه. لكن نتنياهو يدوس على الأعراف الأخلاقية- العلمانية والدينية- ليضع معياراً أخلاقياً أدنى من ذلك الذي يسود هنا منذ البداية. ببضعة خطابات يجعل الجميع يركض من خلفه، يشمل أعدائه السياسيين اللذين ينتظمون في الصف ويشاركون بإذلال الفلسطينيين حتى بعد موتهم وبمعاقبة ابناء عائلاتهم الجماعية. هم يدعمون هذا التهج بادعاء انه ينجح في “خلق ردع”. لن اتفاجىء اذا ما قام نتياهو غداً بالادعاء من على منصة الكنيست بأنه يجب السماح للجنود بالقتل كما يرونه مناسباً، وكله من اجل خلق “الردع” المطلوب.. او ربما قد حدث ذلك في الحروب التي قادها على غزة؟.

بتقديري، نتنياهو أخذ على عاتقه مهمة تربية المجتمع العربي. هذا الخطاب عن الديمقراطية وحقوق الاقليات يقلق منامه بالليل. لكن تعالوا لا نخدع أنفسنا: نتنياهو يقول ما تؤمن به الغالبية من المجتمع الإسرائيلي التي ترى بأنه لا يحق للعرب تعريف هويتهم وبأن حقوقهم مشروطة بمدى خنوعهم. التحريض بدأ يأخذ منحىً ملموساً مع اخراج الحركة الإسلامية عن القانون وهو مستمر الآن ضد اعضاء التجمع. التاريخ يعلمنا بأن الأمور لن تتوقف هنا: حلقة الشرعية ستتقلص أكثر فأكثر، وفقط عندما تناقش لجنة السلوكيات والأخلاقيات في الكنيست شرعية عضو الكنيست ايلان جيلئون وأعضاء “ميرتس”، سينظر هؤلاء يميناً ثم يساراً ليفهموا بأنهم بقوا لوحدهم أمأم أغلبية متجبرة وعنيفة وليسألوا أنفسهم كيف لم يتصرفوا بالوقت!.

ناشط في “التجمع” وطالب حكم ومجتمع في الكلية الأكاديمية تل أبيب-يافا. 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.