الدولة ضد البدو: سرطان وقمع للسكان وأرباح للشركات  

في ظل عمليات الهدم المتكررة لقرية العراقيب البدوية، هناك قصة مرت من تحت الرادار ربما لأن المتضررين المركزيين منها هم بدو تم رشهم بشكل متعمد بمواد سامة. هؤلاء يعانون من أضرار لم يتحمل أحد مسؤوليتها حتى اليوم.
جادي الغازي

 

بالسنة الماضية أعلن بأن مبيد الأعشاب “جليفوسات”، الذي يباع تحت الاسم التجاري “راوند-أب” (Round-Up)، يتسبب على ما يبدو بالسرطان. الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة الدولية أقرت بأنه يؤدي على ما يبدو لسرطان من نوع اللمفوما لا هودجكن. إسرائيل تتواجد بالمكانة الأولى بالعالم من ناحية الاصابة بهذا النوع من السرطان. بروفيسور اورا بلتيئيل، اخصائية علم الدم والصحة العامة في مستشفى “هداسا”، اوضحت في شباط 2015، بأن احدى الفرضيات للإصابة العالية باللمفوما لا هودجكن هي التعرض لمستحضرات الإبادة: “إسرائيل هي دولة صغيرة جداً لا يوجد فيها فصل بين المناطق الزراعية والمناطق غير الزراعية لهذا فالتعرض للمبيدات عالي جداً. هناك أبحاث تظهر بأن التعرض لهذه المستحضرات يرفع من احتمالات الاصابة ب- 35%”.

الرابح المركزي من استخدام هذه المواد هي الشركة الضخمة “مونسانتو” (Monsanto)التي تقوم بانتاجها. “مونسانتو” تنتج مبيدات كيماوية للزراعة والصناعة وبذور معدلة وراثياً محمية ببراءة اختراع. للشركة تاريخ غني بالمجال فهي التي انتجت مبيد ال”دي دي تي” وال”ايجنت اورنج” (“العامل البرتقالي”) مبيد الأعشاب العنيف الذي استخدمه الجيش الامريكي لإرضاخ الشعب الفيتنامي. حيث تسبب المبيد بمقتل مئات آلاف الناس وبإنتشار الاعاقات والتشوهات الخلقية بين مئات وآلاف الأطفال في فيتنام. أما انتاج “مونسانتو” للبذور المعدلة وراثياً، فهو يوقع كارثة على المزارعين الفقراء بكل العالم لأنه يخلق اعتماد، لا رجعة عنه، على منتجة البذور الحصرية. المزارعين اللذين يشترون بذور “مونسانتو” المعدلة يلتزمون بعدم الاحتفاظ ببذور لزرعها بالعام التالي بل ان يقوموا بشرائها- من “مونسانتو” بالطبع وإلا فهم يعرضون أنفسهم للمقاضاة. أكثر من ذلك، فالشركة هي المنتجة الرائدة في العالم للبذور المحصنة لل”جليفوسات”، ما يسمى عادةً “مزروعات الراوند-أب”. المحصول لا يتضرر، الاعتماد على “مونسانتو” يتسع أما المخاطر على الحيوانات، الناس والبيئة فتبقى على حالها. بإختصار، الشركة أيضاً تنتج المخاطر وأيضاً توفر حصانة جزئية منها- والتي تعزز بدورها الاستخدام الخطير ل”راوند-أب” والاعتماد على الشركة. د.انطوني سمسل يدعي بأن ممثلي “مونسانتو” يعرفون منذ عام 1981، بناءً على التجارب التي أجروها، عن التأثيرات المسرطنة ل”رواند-أب”.

تعريض صحة الناس للخطر عبر الاستخدام الواسع لمستحضرات الابادة ومبيدات الأعشاب الخطيرة ليس بالأمر العشوائي: هو جزء من نموذج اقتصادي لزراعة غير مستديمة، لا مبالية للبيئة، يميز بشكل خاص الزراعة الكولونيالية التي تنظر لهذه الارض كمصدر ربح ولسكانها كموارد قابلة للنفاذ.

أمام تقرير الوكالة الدولية لأبحاث السرطان ردت “مونسانتو” بحملة عدائية للاعتراض على النتائج. حتى اللحظة، يبدو بأن الحملة قد فشلت. رغم ذلك، فهناك في السلطات الإسرائيلية من يبحث عن تحالفات مع الشركة الضخمة: في أيار 2014، وقع العالم الرئيسي بوزارة الاقتصاد على اتفاقية تعاون تكنولوجية مع “مونسانتو”. فقط بعد أربعة أشهر أجري نقاش في الكنيست حول ذلك، نتائجة لم تكن واضحة. في عام 2012، قيل بأن إسرائيل تتصدر دول ال”OECD” من حيث إستخدام المواد المسممة للإبادة في زراعة الخضراوات والفاكهة. تعريض صحة الناس للخطر عبر الاستخدام الواسع لمستحضرات الابادة ومبيدات الأعشاب الخطيرة ليس بالأمر العشوائي: هو جزء من نموذج اقتصادي لزراعة غير مستديمة، لا مبالية للبيئة، يميز بشكل خاص الزراعة الكولونيالية التي تنظر لهذه الارض كمصدر ربح ولسكانها كموارد قابلة للنفاذ.

لكن ماذا كنتم ستقولون اذا ما قررت حكومة إسرائيل استخدام مبيدات الأعشاب ضد المواطنين؟ أن تقوم، دون سابق إنذار، برش الناس وحقولهم وحيواناتهم من الجو ب”راوند-أب” من انتاج “مونسانتو”؟. لقد حصل ذلك لآلاف البدو بين الأعوام 2002-2004. هذا ما اقترف بحق سكان القرى غير المعترف فيها العراقيب، عتير، ام الحيران، المكيمن، العوجان، ام بطين، خربة الوطن، سعوة، ام رتام، عبدة، القطامات (تستطيعون رؤيتها جميعاً على خارطة القرى غير المعترف فيها التي اعدها منتدى التعايش بالنقب). تم رش المادة بأنحاء النقب على طول 30،000 دونم على الأقل وليس فقط على مساحات زراعية انما أيضا على الناس. المبادرة كانت من “دائرة أراضي اسرائيل”. لم يتم تحذير السكان حتى، ولم ترسل اية بلاغات من وزارة الصحة.

سلامه العزازمة من منطقة الغرير قال بهذا السياق بشهادته التي قدمها للمؤسسة العربية لحقوق الانسان: “في شهر آذار 2003، سمعت أن دائرة الأراضي ترش مواد كيماوية على أراضي قريتنا، مادة إبادة المحاصيل الزراعية. توجهت إلى منطقة الأراضي، وعندما اقتربت شاهدت طائرة واحدة تحلق في الجو وترش المادة الكيماوية، وفي الموقع كان أفراد من الشرطة والدوريات الخضراء. عندما وصلت إلى الأرض، وبسبب الرياح التي كانت، انتشرت المادة باتجاهي حيث وقفت، وتساقطت علي. نتيجة ذلك شعرت بصعوبات في التنفس، لم استطع التنفس. لذلك، توجهت إلى عيادة “متسبي ريمون”، هناك قالوا لي أن المادة غير مضرة، وتلقيت العلاج الطبي ثم عدت إلى القرية. أريد أن أذكر، أنه كان هناك نحو عشرة أشخاص، ممن كانوا داخل الأراضي وقت الرش، وكان بينهم أطفال صغار، أيضاً هم أصيبوا بالمادة وتوجهوا إلى عيادة “متسبي ريمون” وتلقوا العلاج الطبي مثلي”.

البدو احتجوا. د.عواد ابو فريح، ابن العراقيب ودكتور الكيمياء العضوية الفيزيائية، ود.الياهو ريختر، طبيب مختص بالصحة العامة، تقدموا بآراء مهنية ومفصلة حول المخاطر الصحية لاستخدام ال”راوند-أب” على الناس. الدولة أنكرت المخاطر وادعت بأنه لا يوجد أضرا- وعمليات الرش استمرت. بعد سنتين كاملتين اوقفت هذه بنهاية المطاف بقرار من محكمة العدل العليا استجابةً للدعوى التي قدمها سكان العراقيب ومجموعة من منظمات حقوق الانسان وعدالة. لكن حتى حصل ذلك، خلال سنوات الرش الفظيعة، استمرت حرب الدولة القذرة ضد البدو بالرش من الجو وتم رش العراقيب مرة تلو الأخرى. احد الصحافيين اللذين وصلوا الى المكان قال في حينه: “في تاريخ 17/6/2003 اتصل السيد أحمد أبو مديغم من رهط بي على هاتفي المحمول وأخبرني أنه تجرى حاليا عملية رش أراض زراعية في منطقة العراقيب وقرى أخرى بمواد كيماوية. وبصفتي مراسل “أخبار اليوم” في النقب، ذهبت مباشرة إلى منطقة العراقيب وبدأت كالعادة بتصوير المنطقة. خلال مكوثي هناك، قطفت خيارة من المحصول وأكلتها، ثم واصلت عملي المعتاد. في ساعات المساء بدأت اشعر بأوجاع حادة في بطني، فتوجهت إلى العيادة في رهط، وهناك قالوا لي إنني ربما أصبت بتسمم. تواصلت الأوجاع، فعدت في صباح الغد مرة أخرى إلى العيادة، فتم توجيهي إلى طبيب مختص من قسم الأمراض الباطنية في أحد فروع صندوق المرضى مكابي في بئر السبع. توجهت إلى هناك، وبعد الفحوصات التي أجريت لي، اتضح ان الأوجاع هي نتيجة تسمم. الآلام استمرت ثلاثة أيام. أريد أن أضيف، انه في المكان الذي تم فيه تنفيذ عملية الرش لم تكن أي لافتة تشير انه تم رش هذه المنطقة بمواد كيماوية أو تسميمها”.

طائرة ترش مبيدات أعشاب بجانب حوره في النقب، آذار 2004.
طائرة ترش مبيدات أعشاب بجانب حوره في النقب، آذار 2004.

بعد الرش في العراقيب ب-10 شباط 2004 اشار الشيخ صياح ابو مديغم: “بعد استنشاق المادة التي تم رشها، بدأت أشعر بحرقة في العين لم تتوقف لعدة أيام. وحتى بعد ان اختفت الحرقة، بقيت هناك رجفة في الأصابع”. د.ريختر كتب برأيه الذي تقدم به للمحكمة: “أكثر معطى مقلق موجود بمقال يظهر ازدياد احتمالات التشوهات الخلقية المولودة بين الاولاد اللذين ولدوا  لرجال يعملون برش ال”راوند-أب”. على الرغم من ان البحث أجري على اناس عملوا بالمادة وتعرضوا لها بشكل ثابت، صلة هذه الأبحاث لما يحدث لدى البدو هي واضحة، لان هناك احتمال بحالة البدو، الرجال والنساء على حد سواء، بما يشمل النساء الحوامل، بأنهم تعرضوا لرذاذ”.

بالوقت الحالي، دولة إسرائيل تطالب سكان العراقيب ب- 2 مليون شيكل(!!) لتغطية التكاليف المنتفخة لهدم بيوتهم. الدناءة. الحديث عن تكاليف اول ثمانية عمليات هدم: منذ ذلك الحين اضيفت اكثر من 80 غيرها!. دولة اسرائيل، من جهتها، لم تصلح جرائمها يوماً ولم تدفع ثمنها: جريمة اقتلاع سكان القرية مرتين، بال-1951 وبال-2010، وأكثر من 90 عملية هدم لعرش في القرية: هدم محتوى البيوت: اقتلاع آلاف الأشجار: الصدمات الصعبة التي يعاني منها الاولاد، وبحالات معينة، الاساءة والتعسف المتعمد: استخدام العنف المفرط، الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي ضد مواطنين غير مسلحين. السؤال الكبير الذي يبقى مفتوحاً: سؤال الأضرار الصحية للبدو وسكان القرى غير المعترف فيها عامةً وسكان العراقيب خاصةً. من سيدفع ثمن هذه الجرائم؟.

ملاحظة على الهامش: هل توقف الرش من الجو؟ قطعاً لا. هو مستمر من الجهة الأخرى للخط الأخضر. خمنوا أية مادة استخدموا للرش بقطاع غزة بكانون اول 2015؟!.

مؤرخ وناشط اجتماعي، عضو في حركة “ترابط”. 

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.