مات دون انذار مسبق...

“اللسعة” تنفرد بنشر فصل من رواية قيد التأليف للكاتب الراحل سلمان ناطور.
سلمان ناطور

 

مات أبو عمار (شاكر سعد مراد توفيق المالكي) موتاً طبيعياً.

مات موتاً طبيعياً مفاجئاً دون أي إنذار مسبق.

لم تكن إشارات لذلك ولم يتصل به أحد (ملاك مثلاً) ليقول له: ستموت غداً أو بعد غد.

خطط لنفسه في ذلك اليوم ان يخرج إلى المدينة ويشتري عباءة جديدة وقبعة بيضاء، ويجري فحصاً لنظره الذي لم يعد يسعفه في قراءة الكتب القديمة.

ليس في كل هذا أية غرابة أو خروج عن أصول الموت في قريته. وأكثر شيء عادي في ذلك الصباح هو أن أبا عمار يقرأ الكتب القديمة، الكتب العربية القديمة. كان قارئاً مبدعاً لأبي العلاء المعري ومحيي الدين ابن العربي وما نقله العرب عن أرسطو وأفلاطون.

الناس هناك يموتون عادةً موتاً طبيعياً، يمرضون ويموتون أو يموتون دون أن يمرضوا، بالسكتة القلبية، مثلاً، أو الجلطة التي منهم من يعتبرها مرضاً ومنهم من يعتبرها عطلاً غير متوقع، حدثاً عرضياً لم يحسب له أحد حساباً.

فجأة يتوقف القلب عن الخفقان، فيتوقف جريان الدم إلى الدماغ، فتتوقف كل أعضاء الجسم عن الحركة، فتتبدد طاقة الحياة في الجسد، فيبرد ثم يخشّب، أي يصبح مثل الخشب الذي لا ينشر بمنشار سواه.

في القرية قد يموت الناس في حادث، اي حادث قاتل، حادث طرق او سقوط عن مرتفع أو بالتسمم. وهناك من يضرب رأسه في الحائط فيموت. قبل انتشار السيارات كان حادث الطرق يعني الوقوع عن حصان او لبيط حمار أو بغل على مقتل الرجل أو سقوطاً على منحدر إلى واد سحيق في طريق وعريّ.

كثير من الناس ماتوا لأن أفعى سامة لدغتهم.

الناس في كفر التين، لا يؤمنون بأن  الأعمار  بيد الله. لا يؤمنون!

لكن، لنقل، إنصافاً للحقيقة:  معظمهم لا يؤمنون، وإنصافاً آخر، الأكثرية المطلقة.

هكذا كان الفقيد أبو عمار يشرح الموت المفاجيء كما تعلمه من طبيب سانوسي أحضروه من مدينة اسكاعالم، المعروفة بأطبّائها الماهرين، لمتابعة صحة من نجا في حينه من مرض الكوليرة او الريح الأصفر كما يسميه الفلاحون.

– “الريح الأصفر؟ الله لا يعيدها! كانوا يدفنوا الناس وهي عايشة قبل ما تلفظ النفس الأخير. كان الزلمة يحفر قبره بإيده”.

الناس في كفر التين،  لا يؤمنون بأن  الأعمار  بيد الله. لا يؤمنون!

لكن، لنقل، إنصافاً للحقيقة:  معظمهم لا يؤمنون، وإنصافاً آخر، الأكثرية المطلقة. ستجد نفراً يسلم تماماً بأن  الله يحيي من يشاء ويميت من يشاء وهو على كل شيء قدير، ولا يحمد على مكروه سواه، والراحل لم يكن واحداً منهم، ولنقل ذلك في البداية كي لا يلتبس الأمر على مؤمن أو على محرر من الايمان، ولن يؤثر ذلك بشيء على مراسيم جنازته أو طقوس موته أو حزن الناس عليه، فالميلاد والممات في هذه القرية ليسا مدعاة لا للحزن ولا للفرح.

في هذه القرية يقولون لك معزّين: لكل بداية نهاية وإقبل النهاية كما تقبل البداية. مت فرحاً وإلا ولدت بائساً!

طبعاً! هذا يصدق إن آمنت بأن الإنسان يموت ثم يولد من جديد ويموت ويولد إلى قيام الساعة أو فناء كل شيء، يعني أن الموت تعقبه حياة وقد تكون سعيدة أو تعيسة أو لا معنى لها. وأتعس حياة هي تلك التي لا معنى لها.

في القرية أناس يؤمنون أن الإنسان يموت ويولد من جديد. إيمانهم عميق لدرجة أنهم لا يعرفون في تلك اللحظة إن كان عليهم ان يحزنوا على غياب أو يفرحوا على حضور.

مسحت زوجته كريستين دموعها في محاولة فاشلة لإخفاء بكائها  عندما وقف أصدقاؤه يعزونها.

قالت لهم بشكل قاطع إنه لم يعان سكرات الموت عندما لفظ أنفاسه  الأخيرة.

“موت جميل” يتمناه كل فرد لنفسه ولأقرب الناس إليه.

“لتكن نهايتك جميلة”!

هذه اكثر الدعاوى انتشاراً.

“نهاية جميلة” تساوي “السلام عليكم” في قاموسنا وعندما يودعون بعد سهرة او لقاء ودّي يقولون: ختامك حسن! أي لتكن النهاية جيدة!

واصلت كريستين قولها في وصف موت زوجها:

جلس على مقعده كعادته في الصباح بعد أن أعد القهوة ووضع أمامه فنجانين وصاح: يا كريستين! القهوة جاهزة.

(عادة هو يعد القهوة ويشربها مع قليل من السكر – على الريحة. كما كان يقول)

– كنت منشغلة في مخزن البيت استعداداً للخروج.

تأخرت عليه.

لم ينادني كعادته للمرة الثانية والثالثة.

انشغلت فتأخرت وفي لحظة انهماك شعرت بنار تشتعل في صدري. لأن من عادته أن يناديني مثنى وثلاثاً ورباع.

تركت كل شيء وركضت اليه.

كان مكوماً على مقعده، حانياً رأسه ومسبلاً ذراعيه.

صحت بأعلى صوتي: ابو عمار! ابو عمار!

لم يحرك رأسه، كانت يده دافئة ثم صارت تبرد..

ـ مات دون أن يقول كلمة واحدة قبل أن يفارق؟

ـ لم يقل..؟ ترك كل شيء وذهب؟ لم يودع، لم يسأل، لم يقل شيئا؟

ـ توقف قلبه فجأة عن الخفقان، دون أية إشارة مسبقة، فاجأه بدون إنذار..خانه قلبه.

ـ  هذا القلب الطيب لم يعد يحتمل أكثر.

ريح باردة هبت في ذلك الصباح فحملت أنفاس أبي عمار الأخيرة حين كان جالساً على مقعده ولم يقم عنه. وصل الجيران على صراخ زوجته كريستين وانطلقت صرخات جلجلت في سماء قرية كفر التين. بعد لحظات كان فناء الدار يغص بالناس، منهم من كان يطلق عويلاً كعويل الذئاب، ومنهم من غسلت الدموع وجنتيه، وأما أصدقاء الفقيد “من الروح إلى الروح”، فقد انهمكوا في إعداد الترتيبات لنقل الجثمان إلى “بيت الوداع” بعد غسله ولفه بكفن أسود وتعطيره بماء القرنفل.

الشمس التي طلعت مشعة في ذلك اليوم البارد خدعت أصحاب القرار الذين أعلنوا على الملأ أن مراسيم الوداع ستجري في الساعة الثانية بعد الظهر وسيسير الموكب في شوارع القرية إلى الجبل حيث يودع هناك وبعدها ينقل إلى “الودعة” على قمة الجبل.

لم يقدّر أحد بالضبط كم كان وزنه. أذكر أننا حين كنا أطفالاً، قال أحدنا إنه يزن نصف طن وما كنا نعرف ما هو وزن الطن، وقد سمعها هذا الولد من والده فجاء إلينا يركض كأنه اكتشف قانوناً جديداً في الفيزياء

ـ كان دائماً يقول لي، عندما أموت لا أريد أن يبكي علي أحد. هذه وصيتي الوحيدة، يا كريستين.

وكنت أقول له: “بلا حكي فاضي”. فيقول: “هذا كلام رجال، وحياة معزتك عندي، لو أعرف عن حدا بكي يوم موتي راح أحاسبك حتى لو كانت عظامك مكاحل”..

كان الراحل رجلاً سميناً جداً، أكبر مما تتصورون. أكبر بكثير. كانت رقبته غليظة ووجهه منتفخاً وشاربه كثاً وهكذا حاجباه لكنه كان مبتسماً دائماً ويضحك حتى بلا سبب كأنه يتعاطى المخدرات الخفيفة التي لم يعرفها في حياته ولا يعرف طعمها أو رائحتها.

لم يقدّر أحد بالضبط كم كان وزنه. أذكر أننا حين كنا أطفالاً، قال أحدنا إنه يزن نصف طن وما كنا نعرف ما هو وزن الطن، وقد سمعها هذا الولد من والده فجاء إلينا يركض كأنه اكتشف قانوناً جديداً في الفيزياء وقال منفعلاً:

“سمعت أبي يقول إن وزن أبي عمار نصف طن”

وكنا نقول بهمس ثم ننفجر ضاحكين:

” الله يساعدك يا كريستين. شو راح يبقى منك إن هفّ عليك؟”.

لا أذكر إن كنا نقول ذلك لأننا كنا في بداية مراهقتنا نتخايله يهد عليها أم لأن احداً من اهلنا قالها على مسامعنا فصرنا نرددها كالببغاوات. يبدو أن هذا هو الارجح.

سجي جثمانه على فرشة ترتفع نصف متر عن سطح الأرض.

لم تترك الأكفان السوداء الحريرية عضواً مكشوفاً من أعضاء جسده إلاّ وجهه وظاهر يديه.

قاعة كبيرة، فرشت بالسجاد العجمي وعليها فراش وأغطية من الصوف. غصت القاعة بالنساء اللواتي جلسن حول كريستين وقريبات الفقيد وهن يرددن اناشيد الفراق والغياب التي يندى لسماعها الحجر وقد انهمرت دموعهن رغماً عن كريستين التي أبلغتهن وصية أبي عمار بألا يبكي عليه أحد.

“هل تريدنا كريستين أن نغنّي ونرقص كما في يوم عرسه؟”

قالت امرأة جلست في الزاوية القبلية، وقالت أخرى:

“أتخايل أبا عمار يفتح عينيه وينهض فيحكي نكتة ويتركنا نفرط من الضحك وبعدها يغمض عينيه ويكمل موته”.

ضحكت النساء اللواتي جلسن في الزاوية القبلية البعيدة عن الجثمان فحدجتهن امرأة تبدو الأكبر سناً، ثم وقفت وتوجهت إلى كريستين التي جلست ملتصقة بجثمان ابي عمار وفي يدها منديل أبيض لوحت به فوق رأسه تارةً وتارةً أخرى مسحت جبينها وخديها ودمعات صغيرة كانت سقطت من عينيها دون إرادتها، ورغم البرد الذي خففت شدته أنفاس النساء اللواتي ملأن القاعة،  إلاّ أنها كانت تشعر بين الحين والحين أن العرق يندي جبينها، ولم تعرف إذا  كان ما يبلل منديلها العرق أو الدموع.

اقتربت منها المرأة المتجهمة فرفعت رأسها ومدت يدها لتصافحها، وانحنت المرأة أكثر لتقبل خديها وهي تتمتم وكريستين أيضا تفوهت بكلمات مبعثرة وأحست أنها على وشك الاختناق فتنفست عميقاً وسحبت يدها من يد المرأة ولوحت بمنديلها فوق رأس ابي عمار وباليد الأخرى صارت تلطم صدرها علها تخفف الضغط عن قلبها .

دخلت مجموعة كبيرة من الرجال منحني القامات، مطأطئي الرؤوس، واقتربوا من الجثمان.

خيم صمت على القاعة في انتظار أن ينطق أحدهم بكلمة عزاء، لكن الوجوم تملك الجميع، وقطع السكينة برق أضاء وهجاً أجفل الرجال ثم عقبه رعد هز أركان القاعة. غيمة سوداء حجبت نور الشمس عن القرية، فخيمت عتمة ضبابية على المكان وما هي لحظات حتى بدأ يتساقط مطر خفيف ولف القرية ضباب كثيف.

إنتشرت في القاعة شبه المعتمة جلبة اختلط فيها همس الرجال والنساء ولم يتحرك أحد من مكانه، فتقدم شيخ وانحنى فوق رأس الراحل وقبّل جبهته العريضة ثم وقف وقال:

“أبو عمار كان شرف هذه القرية وخسارتنا لا تعوض. ابو عمار راح وجاب الخير للبلد”.

***

سيسجل في تاريخ كفر التين أن أبا عمار المالكي جلب المطر للقرية في شتاء خريفي.

لم تمطر في ذلك العام.

جفت الأرض وتشققت، واصفر الزرع الذي كان نبت في تشرين ويبست أغصان  الأشجار.

قبل ثلاثة أيام من وفاته، جمع أكثر من خمسين شاباً وصبية وقال لهم:

“زمان…زمان عندما كانت تمحل كنا نتوجه إلى قمة جبل السعادة قبل أن يذوب الثلج ونحضر قطعة من الجليد، ونضعها في الساحة العامة، فان أمطرت قبل أن تذوب كانت سنة خير وان ذابت دون أن تمطر كنا نشد الأحزمة على البطون. تعالوا معي إلى القمة”

وأخذهم ابو عمار وحمل قطعة الثلج على ذراعيه. ووضعها على حجر في الساحة وصرنا نرقص حولها ونغني واجتمع أهل القرية، كان الشبان مندهشين مما رأته أعينهم وكنا نحن الذين عشنا تلك الأيام نستعيد ما ذهب من ماضينا بكثير من الحنين على أيام زمان. رقص ابو عمار ورقصت كريستين. أعاد إلى القرية نكهتها وصفاءها وحب الناس لبعضها. ذابت قطعة الجليد في اليوم التالي دون أن ينزل المطر ليروي الأرض وتغطي الثلوج قمة الجبل. ذهب أبو عمار وها هو يحضر الخير.

“هذا المطر يبشر بسنة لم نعرفها من قبل”.

قال أبو جهاد الذي تجاوز السبعين ولكنه يبدو في الأربعينيات وأشار إلى الرجال بأن يسيروا خلفه فمشوا وصار ينشد وهم يرددون خلفه:

“كان منا وكان معنا وكان إلنا   وكان الشمعة النوارة

وكان العلم وكان الفكر وكان الجود وكان النبعة الفوارة”.

إشتد سقوط المطر وعرقل السيل تقدمهم نحو بيت أبي عمار حيث جلس الرجال في انتظار الساعة الثانية لنقل الجثمان إلى محطته الأخيرة.

وقف  الأستاذ سعيد بقامته المنتصبة وبدلته الرمادية الغامقة وربطة العنق الزرقاء (هذه البدلة يلبسها فقط في المناسبات الحزينة، أما في الأفراح فيلبس بدلة بيضاء وربطة عنق حمراء قانية). قال:

“لن نودعه في هذا المطر، سنؤجل، إلى أن يتوقف تماماً كي ننظم له وداعاً يليق به، ونلقي عليه الكلمات”.

“يليق به أكثر أن نودعه بدون كلام، يا أستاذ، بصمت! بصمت يا أستاذ!”

قال شيخ واقترح أن تقتصر المراسيم على المذاكرة فقط ثم  ينقل جثمانه على الأكتاف إلى الجبل. “يمكن تهب عاصفة وما تخلي شي راكب على بعضه، هذا الطقس مجنون وما بيتأمن له. خلونا ندفنه في هاي اللحظة، أنا قلبي ناقزني”.

رفض  الأستاذ سعيد كل  الإقتراحات التي تعجل بنقله وأصر على التأجيل إلى أن تصحو حتى لو بقي جثمانه مسجى شهراً كاملاً، كما قال بإصرار.

قطع  الأستاذ النقاش وطلب مرافقته لإبلاغ كريستين بقراره وأخذ رأيها.

خيمت عتمة الليل على القرية .

لم يتوقف المطر.

الغيمة السوداء والضباب الكثيف أثقلوا على القرية حزنها على أبي عمار.

كفن

ظلت كريستين ملتصقة بجثمان زوجها وهي تلوح بمنديلها وتنوح بقول مؤثر ثم تتوقف فتبدأ القول امرأة أخرى، وعندما قالوا لها إن وداعه أجل لليوم التالي لم تنبس بكلمة، هزت رأسها، وبلعت ريقها وأغمضت عينيها وتمتمت كلمات لم يفهمها أحد ثم فتحت عينيها وقالت بصوت عال إنها مصرة على البقاء مع جثمانه إلى ان تحين ساعة الوداع.

حاولت امرأة في سنها أن تقنعها بأن تغادر وتنصرف للنوم عندها، لكن كريستين رفضت وطلبت من جميع النساء التوجه إلى بيوتهن.

قالت لها المرأة:

” كل اليوم ما دخلت لقمة اكل على حلقك. جبت لك شي لتاكلي. قومي كلي ونامي، النهار طويل والليل أطول”.

شيئاً فشيئاً صارت القاعة تفرغ من النساء.

بعد إلحاح وقفت كريستين وتلفعت بحرام مخطط كان يغطي رجليها. اتكأت على كتف صديقتها ومشت ببطء نحو غرفة صغيرة في الجهة الشمالية من القاعة. كانت في انتظارها هناك امرأتان وضعتا صحوناً على طاولة صغيرة، ولما حاولت الجلوس على كرسي من القصب شعرت بآلام حادة في فخذيها. نفضت رجلها اليمنى ثم اليسرى لترخي عضلاتها وجلست، وهي تقول بصوت خافت:

“ما لي نفس للأكل”.

وتناولت ملعقتين من  الأرز وكسرة صغيرة من الخبز، وطلبت من إحداهن مساعدتها على الوقوف رافضةً كل توسلاتهن لتناول المزيد، لكنها تصلبت في موقفها وأصرت على القيام طالبة منهن العودة إلى بيوتهن .

ـ “لن نتركك هنا لوحدك”.

ـ اتركوني! السماء أنعمت علي بليلة أخرى مع ابو عمار وهذه ليلته  الأخيرة قبل أن يسمن لحمه النسور الجائعة.

عادت إلى القاعة الكبيرة تجر قدميها جراً، دون أن تأبه إلى توسلات النساء الثلاث ولا إلى نظراتهن المندهشة مما تفعله كريستين المصرة على البقاء مع جثمان زوجها ليلة كاملة، ومن يعرف متى سيتوقف المطر ويؤخذ إلى الجبل؟

حملت النساء الثلاث الصحون وغادرن القاعة. عندما أغلقن الباب ورجرج طرقه وخيم سكوت قطعه الرعد، شعرت كريستين بنار تتقد في صدرها ثم ارتجف جسمها وفاض الدمع في محجريها فنفضت رأسها بعنف واستعادت قواها المنهارة ثم أجهشت بالبكاء فوضعت يدها على فمها وضغطت برؤوس أصابعها على شفتيها وأنفها وخديها كأنها تريد أن تخنق نفسها، ولما شعرت أن أظافرها تنغرز في لحمها أرخت يديها وتناولت المنديل من زنارها ومسحت وجهها المبلل بالدموع وفتحت عينيها وضغطت فكيها وقبضت يدها فأصغت لأول مرة إلى طقطقة المطر على النوافذ وسطح القاعة القرميدي. تملكتها قشعريرة وإحساس بخوف لم تعرفه من قبل. انتفضت واستعادت قوى كامنة طردت التعب الذي كاد يحتلها وانتصبت على ساقيها كما لو كانت صبية في السادسة عشر من عمرها، فأعادتها في لحظات إلى  الايام التي كانت فيها صبية حقاً. كم أحبت الغناء والرقص واللعب والشيطنة، وكانت تنتظر فارس أحلامها  ليأتي إليها من  الأفق على حصان أبيض. يحط قربها في حقل من القمح. تختبيء بين السنابل ويبحث عنها فارسها إلى أن يعثر عليها ويتقدم منها بخطواته البطيئة. خطوة خطوة على وقع السكينة. ويفتح ذراعيه، فتحني رأسها وتخفي وجهها بشعرها الطويل وتجلس مخبئةً رأسها بين فخذيها وذراعيها ثم ترفع رأسها شيئاً فشيئاً ويمد فارسها ذراعيه ولما تلمس أنامله جلدها الناعم، يطفح الدم في وجهها وتحاول أن تلتصق بالأرض لكن أصابعه التي تتحسس منكبيها تشد رأسها إلى أعلى فتسري رعشة في جلدها ورجفة خفيفة تجتاح جسدها كالموجة التي تتحطم على الرمل وتتسرق أصابعه على ظهرها ثم تواصل زحفها إلى أن تلامس ثدييها المنكمشين فترفع رأسها لتقول له: “خذني معك!” فيخطفها على حصانه  الأبيض ولا تعود إلى حقل القمح..

تقدمت كريستين من عمود الرخام الذي يتوسط القاعة.قطع الرعد السكون الذي خيم على القاعة بعد توقف المطر لبرهة طويلة ولكنه عاد إلى الطرق على النوافذ والسطح القرميدي.

اتكأت عليه ونظرت إلى المكان الذي سجي فيه الجثمان.

تملكتها مشاعر حادة من الذعر واشتد خفقان قلبها ولكنها استعادت قوتها ونظرت إلى وجه أبي عمار الشاحب كلون الخشب وتقدمت نحوه وانتصبت فوق رأسه.
“ابو عمار! ابو عمار! قوم! قوم!” أثار ذعرها وجهه الجامد كالجليد، وإختفاء ابتسامته العريضة.

كانت تنتظر أن يتململ في فراشه ويفتح عينيه ويقول وهو يئن أنات غليظة:

بترجع يا أبو عمار وبتحكي لي عن رحلتك الطويلة واحكيلك عن حزني بعد غيابك وأطبع على جبينك الناعم قبلة تمسح كل الحزن، وأقول لك روح واكبر في دنياك الجديدة وكن قوياً كما تريد أن تكون! مش هاي جملتك؟ وكن ذكياً وطيباً كما كنت، تماماً كما كنت، اذهب واكبر وانتقم من  أولاد الحرام.

“صباح الخير، شو الساعة؟”

لم يحرك ساكناً.

هكذا قالوا لها، ولكن هيهات أن يعزيها هذا الكلام. مات موتاً طبيعياً، كما يموت الحكماء.

عادت إليها كلماتها بعد أن اصطدمت بجدران الرخام فتسربت إلى قلبها .

وضعت باطن يدها على يده وتحسستها.

لم تعهدها باردة بهذا الشكل.

حاولت طي أصابعه لكنها كانت متشنجة وصلبة ولم تقبض أصابعه على يدها كما كان في السابق يقبض ويضغط بشدة حتى عندما يكون نائماً.

قربت رأسها إلى رأسه وحسرت الغطاء الأبيض عن ذراعه. انبعثت رائحة نتنة جعلتها تبعد رأسها قليلاً ثم استعادت قوتها لتقبل جبينه وتراجعت. مدت يدها تحت الوسادة وسحبت زجاجة من العطر ورشت على الوجه واليد وعلى الأكفان وعلى وجهها وثيابها وأجهشت بالبكاء وألقت برأسها على صدره وبكت وهي تطلب المغفرة منه:

“سامحني يا أبو عمار! بكيت، لم أصمد. مش قادرة يا أبو عمار. أنت بتعرف تسامح.”

قطع كلامها برق توهج فجأة في القاعة الكبيرة فجفلت وأغمضت عينيها للحظات في انتظار الرعد القوي الذي هز أركان القاعة فأدارت رأسها إلى الفضاء المعتم وجدران الرخام التي كانت تلمع كلما لمع برق وتهتز كلما انفجر الرعد.

“راح ترجع لي يا أبو عمار؟ راح ترجع؟ بترجع، يمكن بعد أربع خمس سنين. يمكن أكثر. يمكن طفل صغير، من شي قرية بعيدة.  بترجع يا أبو عمار وبتحكي لي عن رحلتك الطويلة واحكيلك عن حزني بعد غيابك وأطبع على جبينك الناعم قبلة تمسح كل الحزن، وأقول لك روح واكبر في دنياك الجديدة وكن قوياً كما تريد أن تكون! مش هاي جملتك؟ وكن ذكياً وطيباً كما كنت، تماماً كما كنت، اذهب واكبر وانتقم من  أولاد الحرام.”.

تلمست خده المتجعد.

لم تعرفه من قبل بارداً ومتجعداً.

كان دائماً منتفخاً ومتورداً ودافئاً حتى عندما كان يسقط الثلج على القرية الوادعة. لامست شفتاها جبينه فأغمضت عينيها لتشعر بالبرودة التي كهربت لسانها وانتشرت في عروقها فارتعشت وتساقط المنديل من يدها على وجهه فغطاه ولم يظهر منه سوى شعيرات ذقنه، وكان يبدو لها أنها تقف أمام جبل أسود سقط عليه ظل غيمة سوداء داكنة  كجبل الجنة في شتاء عاصف ليس كشتاء ذلك العام الخريفي.

 

في لحظات بدا لها كل شيء أبيض كالثلج، الأضواء والجدران والسقف وثيابها السوداء صار لونها أبيض كلون الثلج، فقامت من مكانها وتوجهت إلى خزانة صغيرة وضعت قرب الباب الكبير وأخرجت منها عيداناً من البخور وأشعلت عود ثقاب نفث في رئتيها رائحة الكبريت المحروق الذي تبدد بعد أن فاحت رائحة البخور الهندي، ثم خطت ببطء إلى زوايا القاعة ووضعت عوداً مشتعلاً في كل زاوية وأطفأت جميع  الأنوار فخيمت على القاعة عتمة حالكة كعتمة القبور ولما توقف المطر ساد صمت كسكينة الموت التي لفت جسد أبي عمار واقتربت منه ووضعت وسادة قرب رأسه وحنت عليها رأسها وتمددت بجانبه وهي تحاول  الالتصاق بالجثة الهامدة، وعندما أغمضت عينيها حاولت جاهدة  الإصغاء إلى شخيره الذي اعتادت عليه يعلو ويهبط، ولكنها لم تسمع سوى صوت الريح، فنامت وغطت في نوم عميق.

بعد ساعة استيقظت كريستين مذعورة على صوت طرق شديد على الباب الفولاذي الكبير، ثم فتح الباب ودخلت النساء الثلاث اللواتي كن معها وهن يصرخن:

 

“العاصفة يا كريستين، العاصفة جاي”

أشعلت احداهن  الأضواء في القاعة. كانت كريستين جالسة إلى جانب الجثمان لا تحرك ساكناً. لم تهتز لصراخ النساء الثلاث.

 

*من المفترض بأن تنشر القصة هذا العام ضمن انطولوجيا عن دار النشر “مكتوب” بإطار سلسلة ترجمات عن العربية.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.