هجرة "كويرية" من البلاد

بحث جديد يلقي نظرة على عالم المهاجرين “الكوير” اللذين يغادرون البلاد بهدف الابتعاد عن الدعم المستميت للجيش وتشجيع الانجاب وأيضاً عن “الفقاعة الفخورة” في تل أبيب
هيلا عميت

 

معظم المراجع الأكاديمية التي تناولت موضوع الهجرة من إسرائيل كتبت بإطار افتراضات صهيونية تعرض قصة أحادية الأبعاد. هذه القصة تقترح بأن الإسرائيليين يهاجرون بالأساس من منطلق رغبة بتحسين وضعهم الإقتصادي: هم يشعرون بصلة وطيدة مع إسرائيل: كانوا يريدون بأن يخدم أبنائهم في الجيش: حزينون بسبب مغادرتهم للبلاد وكانوا ليعودوا اليها “بالأمس” لو ان ذلك مجزياً. الأشخاص موضع البحث هم عادةً إسرائيليين هاجروا الى الولايات المتحدة، معظمهم أزواج، جميعهم خدموا في الجيش، ولكلهم، بدون استثناء، توجهات جنسية مغايرة (أي: يقيمون علاقات حميمية مع الجنس المغاير فقط). بالإضافة الى ذلك، فقد أهملت هذه الابحاث التعاطي مع مهاجرين لديهم انتقاد على المجتمع او الوضع السياسي بإسرائيل ويعتبرون هذا الانتقاد سبب مركزي (او جزء من الأسباب) للهجرة. هذه الروايات، حتى بالحالات التي ذكرت فيها ببعض الأبحاث، دفعت الى هوامش الكتاب او للأسطر الأخيرة من الفصول والمقالات.

عندما باشرت بحثي بهذا الموضوع، أردت ان اتبين بالتحديد هذه الفجوات بالمراجع التي لا تتطرق للانتقاد السياسي-الإجتماعي تجاه الدولة، للنفور من الصهيونية ومن الهوية الجنسية للمهاجرين، وللعلاقة بين مجمل هذه التعريفات وبين الهجرة من إسرائيل. في مقال نشر مؤخراً بمجلة “النظرية والنقد” استعرضت بشكل موجز بعض نتائج البحث الذي أجريت بإطاره مقابلات مع 42 مثلي ومثلية تركوا البلاد لصالح لندن، نيويورك وبرلين.

الضغوطات الإجتماعية لا توجه فقط للمستوى الشخصي. حيث يتم تشجيع ودفع مواطني إسرائيل اليهود الى المشاركة بالكينونة الإسرائيلية الجمعية التي تشمل طبعاً الخدمة العسكرية والخدمة بالإحتياطي وأيضاً الدعم المستميت للجيش في عملياته بالأراضي المحتلة وقطاع غزه.

الإختيار بإجراء مقابلات مع “الكوير” (أحرار الجنس) اللذين لا يشعرون بصلة وطيدة مع إسرائيل، أناس غادروا وغير معنيين بالضرورة بالعودة، كان مثيراً بالذات لأن الحديث عن إسرائيليين هناك علامة سؤال من ذي قبل على انتمائهم للجماعة الإسرائيلية. “الهوموفوبيا” (رهاب المثلية) المتفشية بالمجتمع الإسرائيلي، برأيي، لا يمكن إنكارها. عدا عن حوادث العنف الكثيرة التي تحدث كل الوقت وفي كل مكان، بما يشمل تل أبيب، “الفقاعة الفخورة” (نسبةً الى المثليين اللذين يوصفون بالفخورين)، على المثليين الأكثر صهيونية أيضاً الإعتراف بأن حقوقهم لم تساوى بحقوق المواطنين المغايرين في الدولة. وكما اكتشفنا مؤخراً، حتى عندما تقوم الكنيست بتنظيم “يوم فخر” بنفسها، فبعد يوم يتم اسقاط اقتراحات القوانين المتعلقة بالمثليين بيد أعضاء كنيست من اليمين واليسار على حد سواء.

وفعلاً، المهاجرين “الكوير” اختاروا التأكيد خلال المقابلات التي أجريتها معهم على الدور الذي لعبته منظومة الحياة المغايرة التقليدية في اتخاذ قرارهم بالهجرة. هم يذكرون بأن الضغوطات للإستقرار (الزواج، انجاب الأولاد، شراء شقة وإلخ) تقع عليهم أيضاً، وبأن قرار العيش في برلين او نيويورك، مثلاً، يمكنهم من اختيار أسلوب حياة يعتبر في إسرائيل، كما قال أحدهم، “وصمة عار”. الضغوطات الإجتماعية لا توجه فقط للمستوى الشخصي. حيث يتم تشجيع ودفع مواطني إسرائيل اليهود الى المشاركة بالكينونة الإسرائيلية الجمعية التي تشمل طبعاً الخدمة العسكرية والخدمة بالإحتياطي وأيضاً الدعم المستميت للجيش في عملياته بالأراضي المحتلة وقطاع غزه. المشاركة بالخطاب العنيف والعنصري تقابل بإيجابية أما اليساريين اللذين يتجرؤون على ابداء رأي مغاير فمن الممكن بأن يكون نصيبهم الحصول على بعض اللكمات برعاية ال”تسيل” (أي الظل، وهو اسم الشهرة لمغني راب يميني متطرف)، أصدقائه وشرطة إسرائيل. الكثير من النساء اللواتي قابلتهن قالوا لي بأنهن اخترن اقامة عائلة خارج دولة إسرائيل بالذات لكي يفسحن المجال أمام اولادهن لأن يقرروا، كأناس بالغين، ان كانوا يرغبون بالخدمة في الجيش أم لا. عدا عن ذلك، منهن من قلن بأن من جهتهن، هناك احتمال أكبر في الخارج لتربية ولد مسالم. هذا ما قالته روتي (اسم مستعار) التي قررت عدم تسجيل أولادها كمواطني إسرائيل: “لقد اتخذنا قراراً واعياً بإقامة عائلة بمكان آخر. لا أريد بأن يكون أولادي جزء من هذه الثقافة. لا أريد بأن يذهب أولادي الى الجيش. لا أريد بأن يكونوا جزء من روح الجماعة الإسرائيلية”.

في كل يوم تصب دولة إسرائيل أموال الضرائب على محاولات لإعادة الإسرئيليين اللذين غادروا البلاد، وأيضاً لجلب يهود آخرين كقادمين جدد. لا حاجة لأن نذكر بأنه في حين تصب الدولة أموالكم على يهود أمريكان، من المحتمل بأن سكان اللد او ديمونا المحتاجين أكثر من يهود لوس انجلوس لمنحة تعليمية وسكن، لا ينجحون بتحريك ظفر للحكم.

بدل استثمار الجهود والأموال بما هو قائم ، تختار الدولة ان تستثمر الأموال بإحضار المزيد والمزيد من اليهود لإسرائيل او بإرجاع مواطنين يهود اختاروا مغادرتها

كان من المثير خلال هذا البحث اكتشاف الخطاب الذي يديره المهاجرين بين أنفسهم حول “الدولة الأم”- التفكير “الكويري” يمكن من معاينة الطرق التي تعمل بها الايديولوجية الصهيونية بشكل نقدي، وأيضاً المطلب الواضح الذي يقف بمركز المشروع الصهيوني- أي البقاء في البلاد او القدوم اليها لمن لم يفعل ذلك بعد. أمثلة عن التحليق خارج سرب الأيديولوجية الصهيونية وفروضها بالإمكان ايجادها بالنصوص التي ينتجها المهاجرين بأنفسهم.

في بحثي أردت ان أصور الهجرة من إسرائيل كعمل يكسر محور الزمن القومي الإسرائيلي. بمساعدة نظريات “كويرية” حول موتيفات مثل “الزمن”، “الحيز” و”المكان”، كما تستخدمها الأيديولوجية الصهيونية، بالإمكان طرح وجهة نظر معارضة ومناقضة للأيديولوجية القومية والتي تعبر عن نفسها اما بظاهرة الهجرة وإما بالخطاب الذي ينتجه المهاجرين أنفسهم. غالبية المهاجرين “الكوير” الإسرائيليين اللذين تمت مقابلتهم بالبحث يصورون هجرتهم كانقطاع كامل ليس فقط عن المناطق الإسرائيلية والنظام السياسي والثقافي القائم هناك إنما أيضاً عن مستقبل الوطن. مع خروجهم من المناطق والزمن الإسرائيلي، يستثمر المهاجرين مستقبلهم بأماكن وأزمنة أخرى ويزيلون ما تبقى من تأثير الجماعة والدولة عليهم. الأمثلة الأكثر تطرفاً هي لأمهات إسرائيليات يفككن العلاقة بينهن وبين أولادهن مع الوطن بواسطة الخطوة الرمزية، وبنفس الوقت المادية، المنطوية على عدم تسجيل أولادهن كمواطنين إسرائيليين.

صحيح بأنني قابلت عدد صغير من الأشخاص غير المعنيين بالعودة الى إسرائيل ولكن مما لا شك فيه بأن الظاهرة ليست بجديدة. اليهود الإسرائيليين، كما أظهرت ببحثي الذي لم ينشر بعد، غادروا فلسطين من قبل قيام الدولة وغادروها بوتيرة أكبر بعد إقامتها. الاعتقاد السائد يقول بأن ارقام كبيرة من اليهود الإسرائيليين غادرت بعد حرب “يوم الغفران” وبفترات الانتفاضات لكن الإسرائيليين يغادرون البلاد كل الوقت، لأسباب عدة، واليوم هناك عدة أنواع من الهجرة لا يمكن قياسها بشكل كمي بسبب الطريقة التي تحتسب فيها دولة إسرائيل مغادرة المواطنين. الكثير من الناس يتعلمون بالخارج ويعودون، كثير منهم يعملون “على الخط” ذهاباً وإياباً. الأرقام التي تضعها الدولة أمام أعينها لا تعكس بالضرورة الوضع من ناحية كمية. لكن هذه ليست المشكلة الحقيقية.

دولة إسرائيل تختار ان تؤكد على الوضع الديمغرافي أمام مواطنيها كمسألة وجودية. لكن، بنهاية المطاف، اليهود في الخارج يتبرعون بأموال كثيرة لدعم الدولة لذلك ليس من الوارد بأن نعتقد بأننا نريد جميع (اليهود) هنا. وحتى لو أحضرناهم جميعاً، أين سنسكنهم تماماً وكيف بالتحديد ستعالج مؤسسات الدولة هذا الكم من القادمين الجدد؟. بدل استثمار الجهود والأموال بما هو قائم (في حالة المثليين، مثلاً، مجموعة من القوانين التي لا تكلف الدولة شيئاً)، تختار الدولة ان تستثمر الأموال بإحضار المزيد والمزيد من اليهود لإسرائيل او بإرجاع مواطنين يهود اختاروا مغادرتها. بدل الاستثمار بالتربية ببلدات التطوير، الدولة تستثمر بمشروع “تجليت” (المشروع الإسرائيلي الذي يعمل على احضار يهود شباب من الخارج لزيارة البلاد بهدف تشجيعهم على الهجرة اليها).

طالبة دكتوراة في كلية الجندر بجامعة لندن

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.