إيرانيّة- شرقيّة تتحدّث العربيّة في رحاب الأرض المقدّسة

ياعيل جيدنيان، يهودية من أصول ايرانية، تتحدث عن المعاملة التي تلقاها بسبب اتقانها للغة العربية: هناك الفلسطينيون، من جهة، اللذين يشككون بأمر كل إسرائيلي يتحدث العربية، وهناك الإسرائيليون اللذين يعتقدون بدورهم بأن الأمر الطبيعي هو توظيف ذلك لصالح “الشاباك” والأجهزة الأمنية.
ياعيل جيدنيان

 

أجلس في قرية سوسيا لدى عائلة نواجعة. أُجري مقابلة مع الأب وأبنائه الناشطين للاطّلاع على نضال العائلة للتمسّك بأراضيها، وذلك في إطار إعداد أطروحتي لنيل اللقب الثاني. في ساعات الظهر تصل أمّ جهاد -وهي أمّ العائلة- إلى الخيمة، وتفترش الأرض في المطبخ. ترتدي أمّ جهاد الثوب الفلسطينيّ التقليديّ المطرَّز، وتضع على رأسها منديلًا أبيضَ لا يغطّي سوى القسم الخلفيّ من شَعرها. تقوم الابنة بتعريفي أمامها، فتسألني أمّ جهاد المفعمة بالحيويّة عن مكان سكني، فأجيبها بأنّي من القدس. من أسئلتها المتواترة بدا واضحًا أنّها تظنّني عربيّة. تسارع “كِنّاتها” لتوضيح الأمر ويقلن لها إنّني يهوديّة، ويُضِفْنَ على الفور: “بَس إيرانيّة”. تبدو أمّ جهاد راضية تمامًا وتقول لي :”اليهود العرب دايمًا بِحبّونا أكثر”. أبتسمُ ولا أصحّح ما قالته؛ لا حول عروبة الإيرانيّين، ولا حول حُبّ اليهود الشرقيّين للعرب، إذا احتاج ذلك تصحيحًا في الأصل.

قبل ذلك بسنوات، كنت أشارك في سمينار يديره محلّل نفسيّ فرنسيّ، وهو يهوديّ نجا من المحرقة ويتخصّص في تسوية النزاعات في المناطق التي نكبتها الحروب. جُلّ المشاركين في السمينار هم من أصحاب المهن العلاجيّة: إسرائيليّون وفلسطينيّون، وعدد من ناشطي السلام أو الحِوار. أشعر بالراحة التامّة بين أعضاء هذه المجموعة. أتواصل مع من يثير اهتمامي من المشاركين، وأتحدّث تارة باللغة العربيّة وطَوْرًا بالعبريّة. في مرحلةٍ ما، ألتقط صورًا للأنشطة وللمشاركين بواسطة كاميرا هاتفي النقّال. إحدى الفلسطينيّات تحتجّ قائلة: لا يتوافر هنا مُناخ من الثقة كي نعالج الأمور، ولا سيّما عندما تقوم [هذه] بتصويرنا طَوال الوقت، وهي أيضًا تتحدّث العربيّة. ومن يدري؟ ربّما تكون من “الشاباك”. أُصابُ بحالة من الذهول، وأسارع إلى دفن هاتفي النقّال في حقيبتي، وأتوقّف عن التصوير. “أنا مش جاسوسة” -هذا ما أريد قوله، لكنّني ألتزم الصمت بسبب المَهانة والمفاجأة، وإدراكي للنّحو الذي ينظرون فيه إليّ.

انطلقت شرارة حبّي للّغة العربيّة في الدرس الأول. القلم تواصل مع “كولموس”، وتواصل الشبّاك مع “شوفاخ”، والكرسيّ مع “كورسا”. الكلمات الأولى بدت لي مألوفة وقديمة، وكأنّها كانت في داخلي طَوال الوقت وتحيّنَتْ فرصة الخروج

حصّة باللّغة العربيّة لطلاب الصفّ الثامن في القدس. أدخلُ إلى الصفّ، وأعرّفهم بنفسي، وأكتب اسمي على اللوح، وأبدأ بالتدريس. يسألني الطلاب كلّما مرّت بضع دقائق: “أيّتها المعلّمة، هل أنت عربيّة؟ أيّتها المعلمة، هل أنت  عربيّة”؟ في مرحلةٍ ما ينفد صبري فأسألهم: “هل سمعتم مرّة بعربيّة اسمها ياعيل”؟! يضحك الطلاب بنوع من الارتباك. لا، لكن ما هذه اللهجة؟ من أين لك كلّ هذه المعرفة باللّغة العربيّة؟.

والآن أنا في دكّان الجدّ إسحاق في سوق البُخاريّين في القدس. أدون موشلي صديق جَدّي يدخل إلى الدكّان فيستقبله الأخير بكوب شاي ساخن وفولكي (نوع من الحلوى الأصفهانيّة). أبادله قليلًا من الحديث باللغة الفارسيّة، فيثير الأمر إعجابه. فيقول جدي: هي تعرف الفارسيّة والعربيّة كذلك!  فيردّ أدون موشلي: ياه… الشاباك والموساد سيختطفانك [للعمل في صفوفهما]”.

تعبّر هذه الحكايات الأربع الصغيرة (وثمّة الكثير سواها) عن المعاملة التي أتلقّاها كيهوديّة تتحدّث العربيّة، وتبدو عربيّة/ شرقيّة في الفضاء الإسرائيليّ. ردود الفعل تتراوح بين الارتباك (هل هي يهوديّة أم عربيّة)، والاشتباه، والتقدير، وحتّى الغضب والاستهتار.

بدأت أتعلّم اللغة العربيّة في الصفّ السابع في مدرسة “ميمون” في القدس. مدرّستي كانت إيرانيّة وتنتمي إلى حلقة أهلي الاجتماعيّة. انطلقت شرارة حبّي للّغة العربيّة في الدرس الأول. القلم تواصل مع “كولموس”، وتواصل الشبّاك مع “شوفاخ”، والكرسيّ مع “كورسا”. الكلمات الأولى بدت لي مألوفة وقديمة، وكأنّها كانت في داخلي طَوال الوقت وتحيّنَتْ فرصة الخروج. انتظرت دروس العربيّة بفارغ الصبر وتمتّعت كثيرًا، واستسلمت للّغة، وحروفها، ونغماتها التي وصلَت أصداؤها إلى لغتي العبريّة. لم يَعْتَرِني أيّ نوع من الخجل عندما لفظت حرف “حاء” وحرف “صاد” على نحوٍ سليم، وحتّى عندما كتبت المعلّمة على اللوح “قوقا قولا قار كَقيراح” تطوّعت للفظها  بـِ “القاف” الجديدة التي تعلّمنها. عند حلول شهر رمضان “عايَد” عليّ أصحابي في الصفّ بقولهم: “رمضان كريم”، فابتسمتُ لأنّني كنت أعرف في قرارة نفسي أنّني “كسبتُ” لغة.

في الصفّ الحادي عشر، أدخل إلى مكتبة المدرسة وألتقي هناك بإحدى المدرّسات، فتتوجّه إليّ قائلة: “اسمعي يا ياعيل، لقد سمعت في جلسة المعلّمين بالأمس أنّك مدهشة في اللغة العربيّة. كلّ الاحترام”. أقول لها “شكرًا”، والابتسامة تعلو شفتيها: “لكن من المؤكّد أنّ هذا الأمر سهلًا عليك. أليس كذلك”؟ في الحقيقة أنا أجد الأمر سهلًا للغاية، العربيّة قريبة من العبريّة، وأشعر أنّها انسيابيّة بالنسبة لمتحدّثي العبريّة. “لا!! أقصد، من المؤكّد أنّك سمعت العربيّة في البيت، وهذا -لا شكّ- يساعدك”. انظري، أنت تعرفين أنّنا إيرانيّون، واللغة الإيرانيّة هي لغة هندو-أوروبيّة، وليست ساميّة كالعربيّة والعبريّة، ووالداي لم يتحدّثا معنا حتّى باللغة الفارسيّة… إذا كنت أستسهل العربيّة، فذلك لأنّني أتحدّث العبريّة. “ليس صحيحًا، الفارسيّة والعربيّة قريبتان، ثمّة علاقة بينهما، لا شكّ في ذلك”. ادّعاءاتي العلميّة لم تُسعفني بتاتًا. أنجح باللغة العربيّة لأنّني سمعتها في البيت.

وكما لاحظتم منذ البداية، كانت العربيّة بالنسبة لي أمرًا مركزيًّا ومهمًّا، وأكثر بكثير من مجرّد “حصة أخرى في المدرسة”، وتناغمت لديّ على نحو طبيعيّ مع لغتي (وهي ليست لغة والديّ على الرغم من أنّهما يتحدّثان لغة عبرية فصيحة ولطيفة). الثقافات التي تعرّفت عليها بواسطة اللغة العربيّة كانت مألوفة ومحبوبة ومثيرة للفضول ومهمّة.

مَحاوِر

على هذا النحو أتحرّك داخل الحيّز، بين الهُويّة الإيرانيّة والعروبة- “لحظة من فضلك. أنا لست عربيّة، أنا من أصل فارسيّ، وثمة فرق بين هذا وذاك”. في المقابل، ثمّة أمور مألوفة وقريبة وذات صلة. لقد سُرّ والدي عندما بدأت بدراسة القرآن. لقد انتهز الفرصة للعودة للتدّرب على السُّوَر التي تعلّمها في المدرسة الابتدائية في طهران. هذا محور  واحد للمعابر. الاقتراب من العروبة والابتعاد عنها على أساس هُويّتي  الفارسيّة.

وثمّة محور آخر أتحرّك فيه، أو إنّني تحرّكت فيه، والكثير من الإسرائيليّين يشاطرونني هذا المعبَر: إنّه محور “الأمن” مقابل السلام. في إسرائيل، عندما تدرس طالبة ما اللغة العربيّة يجري تجنيدها للاستخبارات العسكريّة منذ البداية تقريبًا. يقومون باستدعائنا لـِ “غَدناع المستشرقين”؛ وهو سمينار يمتدّ لعدّة أيّام نتعلّم فيه العربيّة على نحوٍ مكثَّف ومشوّق في إطار عسكريّ؛ يجري تصنيفنا لـِ”الاستخبارات العسكريّة” بدءًا من الصفّ العاشر، ونوجَّه إلى هذا “السلاح” من قبل إدارة المدرسة ومدرّسات اللغة العربية، لا بل من قبل المجتمع اليهوديّ بأَسْره. الأمر يبدو للوهلة الأولى مثيرًا وساحرًا، لا سيّما بالنسبة للأولاد والفتية الذين يُبْدون اهتمامًا بالغًا باللغة العربيّة والثقافة التي تنطوي عليها. من هنا، فإنّ المسار الأوتوماتيكيّ لـِ”التقدّم” في اللغة العربيّة يمرّ عبْر جيش “الدفاع” الإسرائيليّ، حتّى قبل أن يجد الفرد متّسَعًا لبلورة مواقفه حول هذا الموضوع.

عندما قالوا لي إنّه ليس هناك منهج تأريخيّ لدول المشرق، وليس ثمّة فنون بل أدوات للزينة، وليس هناك أدباء وشعراء بل أغانٍ شعبيّة، كنت أعلم في قرارة نفسي أنّ الأمر ليس صحيحًا

أنا كذلك خدمت في الاستخبارات العسكريّة واستعنت بلغتي العربيّة. لقد تعلّمت مساقًا طويلًا وشاقًّا، لكنّه ساهم في تعزيز معارفي في اللغة العربيّة. عندما سُرّحت من الجيش، كان واضحًا بالنسبة لي أنّني أريد توظيف لغتي العربيّة لـِ “أغراض السلام”، وهذا ما قمت به بالفعل، في إطار النشاط داخل الجامعة وفي إطار نشاطي في “جمعيّة اللقاء بين الديانات”. من خلال نشاطي في الجمعيّة، تعرّفت على شبّان وشابّات من الخليل لم يتحدّثوا الإنجليزيّة بطلاقة، ومعرفتهم باللغة العبريّة كانت معدومة، ولذا وجدت نفسي مضطرّة إلى إخراج لغتي العربيّة إلى النور والتحدّث بها. العربيّة التي قبعت داخل دماغي طَوال الوقت، وقرأت بها، وسمعت وشاهدت التلفزيون بها، لكنّني لم أتحدّثها.

إذًا في هذا المحور، السلام والأمن، أجد نفسي تتحرك بين فضاءات متعاكسة تقريبًا، وهنالك المعاملة التي أتلقّاها من أناس آخرين: هنالك فلسطينيّون يشكّكون بصوت عالٍ في كلّ إسرائيليّ يتحدّث العربيّة (كما ذكرت في مستهلّ حديثي)، مقابل فلسطينيّين يتحمّسون لذلك، ويريدون مساعدتي، ويشعرون بالاعتزاز أنّ هناك من تتعلّم لغتهم بعمق وجِدّيّة؛ وثمّة إسرائيليّون يُبْدون حماسة شديدة للغتي العربيّة، ويريدون هم كذلك تعلُّم هذه اللغة، وتثير فيهم هذه اللغة انفعالات على النحو الذي تثيره فيّ تقريبًا، لكنّهم يتابعون حديثهم قائلين: “إذًا لماذا لم يأخذوك للعمل في الشاباك؟”، وإذا قلت لهم إنّ هذا العمل لا يناسبني، فقد يرمقونني بنظرة : شو؟ “سمولانيت” يَعني؟ (بالاشارة الى ال”سمول” التي تعني بالأصل اليسار بالعبرية لكن استبدال حرف الشين بالسين يأتي لربطها بكلمة “small” بالإنجليزية للاستهزاء باليسار والسخرية منه).

منذ البداية، لم ترتبط العروبة لديّ بأمور اليهود والعرب، والإسرائيلّيين والفلسطينيّين، والنزاع، وكلّ هذه الأمور. لقد شعرت داخل اللغة العربيّة أنّني في بيتي. لقد كانت العربيّة مرتاحة على لساني. لاحقًا، مكّنتني لغتي العربيّة من الانطلاق في رحلة داخل حيّزي الجغرافيّ- الثقافيّ الذي لم يمكّنوني من الشعور أنّه يخصني، والعودة إلى مَوْضَعة نفسي مجدَّدًا داخل البيت. الأمر الذي أوصلني إلى المحور اليهوديّ- العربيّ اليهوديّ الداخليّ.

سأفسّر ما أقول: في سنوات دراستي الثانويّة، لم أشعر أنّني أجد مكاني في المنهاج التعليميّ، وفي المدرسة بعامّة، وفي الإذاعة الرسميّة، وفي الثقافة المهيمنة في دولة إسرائيل. لقد مكّنتني لغتي العربيّة على امتداد دراستي الثانويّة، ولا سيّما بعدها، وفي الجامعة على وجه الخصوص من تعلّم تاريخي، وفنوني وأدبي وموسيقاي ورقصي. عندما قالوا لي إنّه ليس هناك منهج تأريخيّ لدول المشرق، وليس ثمّة فنون بل أدوات للزينة، وليس هناك أدباء وشعراء بل أغانٍ شعبيّة، كنت أعلم في قرارة نفسي أنّ الأمر ليس صحيحًا. مع مضيّ السنين، أعدت لنفسي المعارف الناقصة، وأعرف الآن كيف أردّ. لم أكتفِ بالإجابة: نعم يوجد، بل أتحدّث عن الموجودات. وهذا ما يعيدني للحظة إلى الشأن الفارسيّ: الحصّة التدريسيّة الأولى التي شاركت فيها في دراستي للقب الأوّل  في يوم الأحد في العاشرة صباحًا كانت حصّة الفارسيّة. لقد أعادتني هذه الحصة على نحوٍ ما إلى الحصّة التدريسيّة الأولى باللغة العربيّة، في بداية الصف السابع.

آمل أن تساهم هذه التجارب، وتساهم توصيفات جدليّة اللغة العربيّة في حياتي كإسرائيليّة في الحِوار المهمّ الذي يدور في هذه المؤتمر.

شكرًا جزيلًا!

*ألقيت هذه المحاضرة في مؤتمر “أنا من اليهود: اليهود الشرقيون واللغة العربية” الذي عقد بجامعة تل أبيب بيوم 3 ديسمبر، 2015.

ياعيل جيدنيان هي ناشطة إجتماعية وخريجة كلية الدراسات الإسلامية والشرق اوسطية في الجامعة العبرية بالقدس 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.