المجتمع الأثيوبي يستفيق من الأكاذيب ويخرج الى الشوارع

خرج الأثيوبيون مجدداً الى الشوارع ليحتجوا على قرار وحدة التحقيق مع الشرطيين إغلاق الملف بقضية المرحوم يوسف سلامسا. من اعتقد بأن هذه الحالة وغيرها من حالات العنف الشرطي، التمييز والإسكات ستهز الجمهور، كان على خطأ فالدولة تستمر في طمر رأسها بالتراب
آفي يلاو

 

في الوقت الذي تكتب فيه هذه السطور، تستمر المظاهرة التي خرجت ضد قرار وحدة التحقيق مع الشرطيين اغلاق الملف ضد الشرطيين اللذين اعتدوا على المرحوم يوسف سلامسا بمسدس كهربائي. خلال المظاهرة أطلقت نداءات مختلفة ومتنوعة لكن نداءاً واحداً من بينها يلخص الحكاية كلها: “كفى للعنصرية”. منذ عامين تدير عائلة سلامسا، نموذج وفخر لنا جميعاً، حملة غير سهلة في محاولة لإخراج الحقيقة الى النور- من الذي قتل يوسف. لفلفة القضية، الى جانب عشرات الملفات التي أغلقت بحجة عدم وجود مصلحة للجمهور او عدم وجود أدلة، تثير وتجسد الغضب الذي تراكم مع الوقت. هكذا يجد المجتمع الأثيوبي نفسه، مرة تلو الأخرى، مضطراً للتعامل مع العنف الشرطي والعنصرية المؤسساتية.

قصة المرحوم يوسف سلامسا، ومثلها شريط الفيديو الذي ظهر فيه شرطيين وهم يضربون الجندي (الأثيوبي) دماس بيكدا- الشريط الذي دفع بالكثير من أبناء المجتمع الأثيوبي الى الخروج وإغلاق الشوارع في القدس وتل أبيب-  هي بمثابة الفتيل الذي أشعل النار. المظاهرات الغاضبة وتوحد كل أبناء المجتمع الأثيوبي، من كل الأجناس، الطبقات والأجيال، تحت مطلب وقف العنف الشرطي، تعبر عن العنصرية العميقة والمتأصلة التي لا تقتصر على هذه الحالة بحد ذاتها. من رفض الالتفات بجدية لمطلب تغيير الرؤية المؤسساتية العنصرية تجاه أبناء وبنات المجتمع الأثيوبي، تفاجأ ربما من حدة الاحتجاج بشهر أيار العام الماضي. لكن بالحقيقة، نظراً لقائمة الأحداث العنصرية الطويلة التي تراكمت على مدى السنوات، كان من الواضح بأن العبوة ستنفجر إن لم يكن هناك أي تغيير.

إذا كان لدى الأثيوبيين بالماضي أمل وثقة بمؤسسات الدولة، فهذه تقوضت وتآكلت بالسنوات الأخيرة. ما لم يدمر بواسطة سياسة الاستيعاب الفاشلة للحكومة، تم تخريبه بيد وزارات التربية، الصحة، الأديان والشرطة التي أقصت، صنفت، أزهقت وداست على حياة الكثيرين من أبناء وبنات المجتمع الأثيوبي

تعداد المجتمع الأثيوبي في إسرائيل، وفق معطيات دائرة الإحصاء المركزية، يعادل حوالي 1.7% من مجمل سكان إسرائيل. الحديث عن مجموعة صغيرة يتم اقصائها بشكل متواصل خارج المجتمع الإسرائيلي. الناس تصرخ لكن صوتها لا يسمع. دولة إسرائيل على كافة أذرعها- الحكومة، الكنيست، الجهاز القضائي، الإعلام، القطاع الخاص والجمهور كلها سوية- تنظر الى الأثيوبيين كمجموعة هامشية وغير هامة، وبأقصى حد، عليها أن تقول “شكراً”.

أبناء وبنات المجتمع الأثيوبي يعيشون تحت واقع مستحيل. فمن جهة، قوتهم الإنتخابية، السياسية والاقتصادية ضئيلة حتى معدومة. ومن جهة أخرى، قوى المنظومة كلها تظلمهم، تستثنيهم، توجههم الى أسفل السلم وتمس بهم بطرق محنكة هي نتاج واضح للرؤية العنصرية-الطبقية التي ترى بالمجتمع الأثيوبي تهديد على إسرائيل البيضاء وحيزها. وإذا كان لدى الأثيوبيين بالماضي أمل وثقة بمؤسسات الدولة، فهذه تقوضت وتآكلت بالسنوات الأخيرة. ما لم يدمر بواسطة سياسة الاستيعاب الفاشلة للحكومة، تم تخريبه بيد وزارات التربية، الصحة، الأديان والشرطة التي أقصت، صنفت، أزهقت وداست على حياة الكثيرين من أبناء وبنات المجتمع الأثيوبي. وإن كان ذلك غير كافي فقد انضمت الحملة الإعلامية لتصور هذا المجتمع على أنه عنيف، بربري، طفيلي، منكر للجميل، يتسبب بالأضرار للممتلكات الخاصة ويمس بالنظام العام.

اليوم، لم يعد هناك أدنى شك: وصول يهود سود الى البلاد أثار من جديد السؤال حول طابع الدولة اليهودية في إسرائيل. على الضفة الاولى يقف مجتمع يتوق الى تحقيق العودة الى صهيون والاجتماع مجدداً بأرض الآباء، أما على الضفة الأخرى فتقف منظومة تسعى الى اقصاء كل من لا يعرَف وفق الصورة الزائفة لليهودي الأبيض والأوروبي. بالنتيجة، وبسبب تعارض هذه المساعي والطموحات، قامت إسرائيل البيضاء بكل ما في وسعها لكي تحول دون دخول اليهود الأثيوبيين الى بيتهم، أرض آبائهم.

من لا يعي تعامل الدولة مع الأثيوبيين على مدى السنين وظاهرة العنصرية المنتشرة بكل أجسام الدولة، بل يجلس في بيته ويتلقى الروايات الإعلامية، قد يحصل على انطباع بأن المشكلة عينية وليست مؤسساتية. في الشبكات الاجتماعية تتردد دون توقف عبارة “كلنا يوسف سلامسا” وأسماء افرا منجيستو، المرحوم افراهام ديمتي، المرحوم ايلان طفرا والمرحوم جشاو موله. من هنا يبدو بأن المجتمع الأثيوبي يتواجد بأوج احتجاج ضد العنف الشرطي، وهذا صحيح. لكن من يرى السياق المؤسساتي، يلتقي بالواقع المر الذي يؤكد بأن المنظومة كلها، وليست الشرطة فقط، تعاني من مرض العنصرية.

صور من مظاهرة الأثيوبيين في القدس، 2016\3\1. تصوير آفي بليخرمان.
صور من مظاهرة الأثيوبيين في القدس، 2016\3\1. تصوير آفي بليخرمان.

كلمة لا بد منها هنا عن الإعلام. الإعلام هو ليس “كلب حراسة الديمقراطية” كما يقال، وليس بمقدوره ان يعمل ويخطط لخطوات هامة تتعلق بمصلحة الجمهور. الإعلام يدار بيد السياسيين وما يقف على رأس سلم اولويات هؤلاء هو الحفاظ على الحكم ومصالحه. هم يعملون لصالح هذا الهدف. هذا هو السبب لعدم تغطية احتجاج الجنود السود، الذي من الممكن ان يمس بالعلاقات العامة لدولة إسرائيل، في حين يحظى احتجاج الجنود البيض بتقارير اعلامية لأسابيع متواصلة. افرا منجيستو (الشاب الأثيوبي الذي اختفت آثاره بعد ان تسلل الى قطاع غزة) يقبع في الأسر منذ 540 يوم. هل سمعتم أي نقاش جدي بأمره في الإعلام؟ بالطبع لا فالنقاشات الجدية تتم فقط حول مصير جلعاد شاليط، طننباوم او بولارد وأمثالهم.

في الآونة الأخيرة نلحظ علامات صحوة من الأفكار الكاذبة التي لقنا بها طوال سنوات. فجأة، او ربما بعد مرور فترة طويلة، الناس بدأت تفهم الى اين تقودها دولة إسرائيل. إجراءات التهويد (الدينية) الصارمة التي مر بها الأثيوبيين، سفك دمائهم، حقن منع الولادة التي فرضت على النساء الأثيوبيات، تمييز الأثيوبيين في سوق السكن، العنف الشرطي ضدهم، العقوبات المشددة بحق المتهمين ذوي الأصول الأثيوبية، اسكات قصة افرا منجيستو، اغلاق الملف بقضية المرحوم يوسف سلامسا وغيرها- من أعتقد بأن هذه ستثير صدمة جماهيرية، كان على خطأ. الدولة تستمر في طمر رأسها في التراب. فقط باللحظة التي نقوم نحن، الجمهور، المجتمع الأثيوبي، فيها ونزعزع المنظومة، فقط عندها ستبدأ عملية تحرر من الاوهام وفهم لدى السلطات بأن عليها أن تعيد النظر، تتوقف وتتصرف قبل فوات الأوان.

دفعنا ثمناً كبيراً لكي نصل الى أرض الآباء، لن نتردد بأن ندفع المزيد لضمان الأمن لأولادنا!.

ناشط إجتماعي، عضو بمنتدى مشترك لمحاربة العنصرية    

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.