لماذا أقمنا "الشرقية المشتركة" الآن بالذات؟

الموج بيهار يشرح عن المبادرة الجديدة “الشرقية المشتركة” التي تسعى الى الربط بين النضال الشرقي والنضال الفلسطيني، والى طرح سياسة جديدة بحق تسحتضر الروابط التاريخية، الدينية والثقافية، بين العرب واليهود
ألموج بيهار

 

بحث الكثير منا، النشطاء الشرقيين، منذ سنوات طويلة عن بيت حزبي يتواصل مع نضالنا من أجل تغيير المجتمع الإسرائيلي، لكننا لم نجد هذا البيت. كان علينا ان نختار، مرة تلو الأخرى، بين أحزاب تشتمل على تمثيل شرقي معين لكنها لا تعبر عن خط ايديولوجي واضح فيما يتعلق بالنضال الشرقي، النضال الطبقي والروابط الشرقية-الفلسطينية واليهودية-العربية، وبين التصويت التضامني للأحزاب الفلسطينية- حتى عندما لم تتناول هذه النضال الشرقي بشكل مدرك. الآن، وفي أعقاب اقامة القائمة (العربية) المشتركة بالانتخابات الأخيرة، نقيم نحن “الشرقية المشتركة”- مبادرة تسعى الى الانتقال من التضامن الى الشراكة بين النضال الشرقي، النضال الفلسطيني، الطبقي، النسوي وغيرها.

أول أمس (14.03) التقينا، مجموعة من الموقعين على المبادرة، مع نواب القائمة المشتركة. بهذا اللقاء الأولي، تحدثنا عن الأسباب وراء هذه المبادرة، عن امكانية التواصل الشرقي-الفلسطيني والطرق التي ننظر فيها الى الشرقية، وعن سبل العمل في الفترة القريبة. اللقاء كان احتفالياً ومثيراً للانفعال لكنه بدأ ايضاً بإثارة أفكار وأسئلة هامة تلزمنا جميعاً بأن نستمر في صياغة هذا التواصل.

الحكم استخدم الشرقيين ضد العرب- وهم بدورهم استوعبوا حقد المقموعين وذوتوا قواعد اللعبة التي وضعها النظام. كشرقيين كنا شركاء في قمع الفلسطينيين وتبنينا العنصرية الإسرائيلية تجاه العروبة.

كما قال مئير عمور، نحن نؤمن بأن تحويل المجتمع الإسرائيلي لمجتمع مدني منوط بتحويله لمجتمع شرقي. كما أننا نؤمن بأنه من أجل دمقرطة الحيز الذي نعيش به هناك حاجة بشراكة عربية-يهودية، وبشكل محدد بشراكة شرقية-فلسطينية. التقسيمات التي ينطوي عليها الواقع الإسرائيلي الحالي تضمن عدم الاعتراف بحقوق أية مجموعة مقموعة لأنها ستتموضع دائماً كمجموعة أقلية تنزع عنها شرعيتها وليس كشراكة واسعة للأغلبية المقموعة تطالب بترتيب الواقع من جديد. لهذا، علينا ان نتعرف الى الأماكن المشتركة في نضال كلا المجموعتين والعمل بها سوية، بالتوازي مع اجراء حوار معمق حول كل تلك الأماكن التي لا تلتقي فيها مصالح المجموعتين وربما تتعارض، ذلك من أجل خلق شراكة أيضاً بهذه الأماكن والتوسع لشراكات مع مجموعات اضافية.

من الواضح لنا بأن الوقت الحالي ليس سهلاً لمبادرة من هذا النوع. لكن، على ما يبدو، فالوقت لن يكون سهلاً بيوم من الأيام، ولهذا علينا القيام بعمل الآن أيضاً من منطلق الشعور بالضرورة في هذه الاوقات وأيضاً من منطلق الصبر والتطلع الى المدى البعيد للواقع الذي نسعى اليه.

حوار- ليس فقط فصل وإذلال

الترابط الشرقي-الفلسطيني ينبع من واقع القمع الحالي في دولة إسرائيل، لكنه يرتبط بالتاريخ اليهودي العربي الطويل وبالشراكة الدينية اليهودية-الإسلامية الطويلة منذ بداية الإسلام، مروراً بالأندلس وحتى القرن العشرين، والتي أقصيت من الذاكرة التاريخية، وصولاً الى سلسلة من الحوارات والشراكات الشرقية-الفلسطينية على مدى المئة عام الأخيرة- والتي لم تسجل يوماً كقصة تاريخية واحدة.

الحضارة العربية التي نشأت بأنحاء الشرق الأوسط، شمال أفريقيا والأندلس بنيت بيد مسلمين، مسيحيين ويهود ساهموا جميعاً بها: اليهودية والإسلام تتقاسم قيم مشتركة وتاريخ طويل من العلاقات والاستعارة، الاثراء والتعلم المتبادل: تقاليدنا الدينية المختلفة هي عميقة وواسعة، ومثلما شهدت أوقاتاً من الفصل والإذلال فقد شهدت اوقاتاً طويلة من الشراكة والحوار وبالطبع أيضاً من المطالبة بالسلام والعدل لكل أبناء البشر كما تنص كتبنا المقدسة كلها.

أيضاً هنا في البلاد كانت هناك بالمئة عام الأخيرة شراكة سياسية وقيمية بين الشرقيين والفلسطينيين: متمردي وادي الصليب طالبوا بحقوق كاملة للمواطنين العرب، ومن بين “الفهود السود” كان هناك من دفعوا ثمناً باهضاً بسبب صلتهم بالنضال الفلسطيني، ونذكر هنا داني سعيل على سبيل المثال. شمعون مويال الذي ترجم “التلمود” الى العربية في القاهرة ونسيم ملول الذي درس في كلية الأزهر الإسلامية في المدينة اقاموا رابطات سياسية يهودية-عربية في يافا، وكذلك الأمر افراهام شالوم يهودا الذي عمل ببداية القرن العشرين على انشاء مثل هذه الروابط: في بداية سنوات الخمسين اقام مثقفين يهود عراقيين كسامي ميخائيل، شمعون بلاس وشاشون سومخ برفقة مثقفين فلسطينيين كإيميل حبيبي وغيره حلقات أدب وفكر بالعربية، ومن منطلق الترابط السياسي والثقافي العميق كتبوا بشراكة في الصحافة الفلسطينية والعبرية بالبلاد: أما في عام 1992 فقد أقيم في طليطلة باسبانيا لقاء علني اولي لممثلين إسرائيليين وفلسطينيين، بادر اليه نشطاء ومفكرين شرقيين، من أجل تعزيز الحوار. سنسعى لاستحضار هذا التاريخ وتمريره للأجيال القادمة.

الصهيونية كمصنع استيطاني تستمر بمحاولتها لإنشاء دولة اوروبية غربية وبيضاء من خلال اقصاء كل ما هو محلي واقليمي. ضحاياها الاوائل هم العرب لكن الشرقيين بالنسبة لها هم بمثابة “مادة بشرية”.

لا ندعي بالطبع بأن الشراكة الشرقية-الفلسطينية وقفت بالمركز بالأجيال الأخيرة: في اسرائيل تم زجنا في الطبقات المتدنية التي زج فيها الفلسطينيين أيضاً، ولو أن الشرقيين والفلسطينيين بكثير من الأحيان عملوا معاً، فقد كان عليهم في الكثير من الأحيان أيضا التنافس على أماكن العمل ذاتها. الحكم استخدم الشرقيين ضد العرب- وهم بدورهم استوعبوا حقد المقموعين وذوتوا قواعد اللعبة التي وضعها النظام. كشرقيين كنا شركاء في قمع الفلسطينيين وتبنينا العنصرية الإسرائيلية تجاه العروبة.

الاعلام الإسرائيلي يسعى الى عرضنا كجمهور يبغض العرب بينما يقوم بتجاهل وتشويه مأساتنا: مأساة خلقت من الوضع الكولونيالي الذي تكون كراهية العروبة فيه، في كثير من الأحيان، كراهية ذاتية للعروبة المتواجدة فينا. الحكم يستغل مأساتنا بشكل مريب كسلاح سياسي ورمزي مقابل الفلسطينيين دون ان يصلح أي من الظلمات التي وقعت على الفلسطينيين او الشرقيين.

أيضاً وسط التجمعات الشرقية ذاتها هناك من خجلوا، بظل الكولونيالية، الصهيونية والصراع، بماضيهم المشترك مع الشعوب العربية. هكذا، حاولنا بكثير من الأحيان، نحن الشرقيين، الاندماج بالتيارات القوية في المجتمع من خلال محو او تحجيم ماضينا. جهود عظيمة بذلت لمحو التأثيرات المتبادلة الكبيرة بين الحضارات اليهودية والعربية لكن حتى الآن بالإمكان تعقب آثار هذه التأثيرات بسياقات حياتية كثيرة كالموسيقى، الصلاة، اللغة والأدب.

سياسة جديدة بحق: وقبلتها الى الشرق

الدعوة للانضمام ل”الشرقية المشتركة” لا تقتصر على الشرقيين فقط بل انها مفتوحة أمام الفلسطينيين، الأثيوبيين، الروس، الأشكنازيم وكل من يعيش بهذا الحيز ويسعى الى تغييره لمكان أكثر عدلاً، ديمقراطيةً ومساواة. من الواضح لنا بأن كل مجموعة تأتي مع هويتها ومع موقعها وتعريفها التاريخي ولكن لدينا المقدرة على تجاوز بعض الحواجز التي تفصل بيننا. كما قال المرحوم ايلي حمو، ناشط اجتماعي ومن مؤسسي “حركة الخيم”: “الشرقية هي ليست طائفة بل  وعي”. الشرقية هي أيضاً الهوية الثقافية والتاريخية الطويلة ليهود العالم الإسلامي ولكن أيضاً الهوية الواسعة والعامة لهذا الحيز، الشرق الاوسط وشمال أفريقيا، فالشرق هو مكان ولادة اليهودية، المسيحية والإسلام، وهو أيضاً مكان ولادة العربية والعبرية.

بالإضافة الى كل ذلك، فالشرق هو المكان الذي نتواجد به الآن. نحن لا ننظر الى الشرقية والغربية، ولا الى الشرقية والأشكنازية، كهويات متناقضة او كهويات تبطل احداها الأخرى. الواقع متنوع عملياً ومليء بالدمج بيد ان القمع المؤسساتي والسياسي خلق انقسامات وسلالم هرمية لقمع جزء من الهويات والثقافات. الشراكة، كما نراها، لا تعني الغاء هوية معينة او تجاهل المكان المختلف لكل واحدة من المجموعات بالهرمية العنصرية التي تشكلت في دولة إسرائيل، بل أنها تتعلق بالادراك بأن “غياب العدل بمكان واحد هو تهديد للعدل بكل مكان”، كأقوال مارتين لوثر كينغ.

من قام بزج الشرقيين في هوامش المجتمع، صادر ثقافتنا واستهتر بتقاليدنا، ارسل الكثير منا الى الضواحي الجغرافية والاقتصادية ويستمر بدفعنا الى الهوامش- هو نفسه من قمع المواطنين الفلسطينيين على مدى عشرات السنوات، حرمهم من ممتلكاتهم، اراضيهم وثقافتهم، واقصاهم سياسياً الى هوامش النقاش الجماهيري واقتصادياً الى درجات السلم السفلى: الصهيونية كمصنع استيطاني تستمر بمحاولتها لإنشاء دولة اوروبية غربية وبيضاء من خلال اقصاء كل ما هو محلي واقليمي. ضحاياها الاوائل هم العرب لكن الشرقيين بالنسبة لها هم بمثابة “مادة بشرية”.

لا يمكن الحديث عن ديمقراطية بحدود “الخط الأخضر” والاستمرار بالاحتلال والقمع في الأراضي المحتلة، مثلما لا توجد هناك ديمقراطية لليهود فقط، ديمقراطية للأسياد.

الذي أخلى حي “يمين موشيه” في القدس، الذي سكن فيه الشرقيين من قبل، وحوله بعد ال-67 لمساكن للأثرياء، ومن أخلى الشرقيين سكان “كفار شاليم”، التي قامت على بعض من اراضي “سلمه” الفلسطينية، هو نفسه المسؤول عن احداث يوم الأرض في ال-76، وهو من يصادر الأراضي من المواطنين الفلسطينيين ويستمر بالتنكر لحقوق المهجرين الى جانب رفض عودة اللاجئين والاعتراف بالقرى البدوية غير المعترف بها. من يقوم بإخلاء يافا من سكانها الأصليين ونقلها لأيادي الأثرياء، هو من دمر الاسكان الشعبي. الشرقيين والفلسطينيين في النقب والجليل عملوا، وببعض الحالات ما زالوا يعملون، بمناطق صناعية تدفع (ضرائب) “الارنونا” للسلطات الاقليمية التي تمثل التقسيم غير العادل للموارد. معاً سنستطيع النضال من أجل توسيع مناطق النفوذ لبلديات التطوير والبلدات العربية: معاً سنستطيع النضال من اجل المساواة بجهاز التربية والحصول على التعليم العالي. معاً سنستطيع النضال على مكانة الثقافة العربية والشرقية، على التعليم الالزامي للغة العربية بكل المدارس كلغة مشتركة وعلى تدريس تاريخ اليهود والعرب في الشرق الاوسط.

في السنوات الأخيرة سمعنا كثيراً عن “السياسة الجديدة” من قبل بعض رؤساء الأحزاب. لكن في نهاية المطاف، باستثناء التجديد في كتابة بعض المشاركات على الفيسبوك، رأينا بالأساس نفس سياسة الكراهية والتحريض القديمة. نحن لا نريد ان نطلق كلاماً فارغاً حول السياسة الجديدة. نريد ان نخلق شراكة ديمقراطية تحقق وأخيراً شعار الحراك الاجتماعي من عام 2011: “الشعب يريد عدالة اجتماعية”، ولا تترجمه الى المساواة بالخدمة في الجيش او الى الحديث عن أسعار البيوت في مركز تل أبيب فقط. شراكة تتذكر جيداً بأنه لا يمكن الحديث عن ديمقراطية بحدود “الخط الأخضر” والاستمرار بالاحتلال والقمع في الأراضي المحتلة، مثلما لا توجد هناك ديمقراطية لليهود فقط، ديمقراطية للأسياد. فقط انهاء الاحتلال وتحويل اسرائيل لدولة متعددة الثقافات، متساوية وديمقراطية ستتيج المجال امام تخصيص الموارد لتقليص عدم المساواة، الخروج من صراع الدماء وخلق ترابط مجدد بيننا وبين ثقافات الشرق الاوسط.

أمام الرياح المعكرة بالعنصرية وقوانين الشعب والنكبة، مقابل استمرار القمع ورفض الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني التي تجرنا للمزيد من المواجهات والحروب كثيرة الضحايا في غزة، لبنان وايران، امام عدم الاكتراث للوضع الاقتصادي المتدهور للكثيرين من مواطني الدولة، أمام بنيامين “المصوتين العرب يتدفقون بكميات كبيرة لصناديق الإقتراع” نتنياهو، نحن نسعى لروح جديدة وطريق جديدة تمكن من خلق معارضة عنيدة تطرح بديل لمسيرة الحكام التي تقودنا جميعاً لهاوية سياسية، اقتصادية، اجتماعية وانسانية.

شاعر، كاتب وناقد أدبي

لصفحة المبادرة على الفيسبوك

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.