"قِسمة!" لروح جورج طرابيشي

لهم وهمٌ بأن الله يرصدُهمْ على بابِ المدينةِ، والنساءُ على سور الأحاديثِ يُكحّلن العيونَ، وينتظرن العائدين من مُستقبل سُدّت منافذه والذاهبين إلى نصٍّ تصحّر وانغلق. لهم هذا، كلّ هذا. ولي قلمُ يُسافر في اللغاتِ.
مرزوق الحلبي

 

توفّي يوم الأربعاء 16\3\16 في باريس المفكّر البارز والصديق جورج طرابشي (1939-2016).
جورج من أنشط وأغزر المفكرين العرب، صاحب مشروع “نقد العقل العربي” وتحرير العقل من سطوة النص- “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث”- وتحرير الثقافة العربية- “المثقفون العرب والتراث” و”مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة”- من إسار الموروث تمهيداً لمرحلة تنوير وأنوار واستنارة.
وضع مؤلفات هامة في علم النفس والفلسفة- “الماركسية والأيدولوجيا”، “النظرية القومية والدولة القطرية”، “تاريخ الفلسفة”، “الإنسان ذو البُعد الواحد”-، وترجم زيغموند فرويد في اهم مؤلفاته.

نقد مشاريع فكرية أخرى ووضعها على محكّ فكره الثاقب. فحاور محمد عابد الجابري وهشام جعيط ومحمد أركون وحسن حنفي والإسلام السياسي والماركسيين. كان ذا ثقافة شمولية نادرة تغذت من مناهج متعددة لا سيما الماركسية والنيو ماركسية ومذاهب النقد المختلفة لا سيما المدرسة الفرنسية وفلسفتها. وقد ظهرت ثقافته وتنوّره في مؤلفاته التي شكلت جانراً مغايراً في المشهد الثقافي العربي.

نشط ضمن رابطة العقلانيين العرب وهناك تعرّفت عليه. كان علمانياً متنوراً ورائداً في التأسيس لمشروع التنوير العربي الذي يقوم فيه العقل بنقد العقل. توجّهه كان، وهو الذي مر في الماركسية الكلاسيكية والجديدة وفي القومية، كان نقدياً بامتياز ونهل من منابع الفلسفة النقدية بعد الحرب العالمية الثانية، واستعاد كثيراً من علم النفس ومُنجزاته المعرفية لا سيما في شقه الاجتماعي. وقد دمج بين نظريات ومدارس وأساليب ومناهج ليشكل شخصيته وعدّته الفكرية والتحليلية.

المفكر والمترجم الراحل جورج طرابيشي (1939-2016).
المفكر والمترجم الراحل جورج طرابيشي (1939-2016).

التقيته في باريس في صيف العام 2012 ساعات طويلة. جاء إلى الفندق الذي نزلتُ فيه مع زوجته مدّ الله في عمرها، هنرييت عبود. وآثرنا البقاء فيه لسببين وهما أن قلبه قد صار ضعيفاً بعد نوبة قاسية، وأن الطقس كان حاراً ومن أحرّ الأيام التي شهدتها باريس في أربعين عاماً. وأخذنا الحديث، كأننا أصدقاء من ألف عام، في دورة كاملة حول الكون وعاد بنا إلى مؤلفاته. وكنتُ انتهيت للتو من قراءة مؤلّفه الضخم “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث” الذي يختتم فيه مشروعه في نقد العقل العربي. وتحدثنا حول تحليلاته المدهشة لسطوة الموروث والماضي والمقدس ومعيقات النهضة والتأسيسي لمرحلة تنوير عربية. وخصصنا وقتاً طويلاً للثورة السورية وملاحظاته كإبن البلاد التي غادرها درءاً لقسوة حكّامها وهرباً من قمع النظام وبطشه. وقد سألني بدوره عن حالنا هنا وطبيعة حياتنا وعلاقاتنا مع المجتمع اليهودي.

كانت أسئلته ألأخيرة عن مشروعي الأدبي والفكري، وسألني كيف استطيع الجمع بين نزعة عقلانية في الفكر ونزعة ليريكية عذبة في الشعر، واعترف أنه كان يحلم في مطلع شبابه بأن يصير شاعراً لكن النزعات العقلانية دفعته نحى الإنتاج الفكري. درجت على إرسال نتاجي إليه والاستماع إلى ملاحظاته التي عادة ما كانت مقتضبة لكن حادة في التصويب. أسعدني دائما أن تعجبه قصائدي ونصوصي الوجدانية. بل استطعت في احدى المرات أن أحظى منه باعتراف أن نصوصي الشعرية أعادت له ثقته بالشعر.
خسرت أباً من آبائي الفكريين وصديقاً. لروحك ووهجك السلام.

فيما يلي نص كنتُ قد أهديته اياه في 30 نيسان 2013:

قِسمة!

لهم جناتُهم لغة من الأشجار والماءِ المصفّى
وحور العين والبارودِ والمَغنى
لهم الخلافةُ والخُرافةُ،
والتذكّر والتمنّي
(والتمني كالتذكّر)
لهم أن يستحضروا الأمواتَ من جدثٍ
ووهمٌ أن يُطلّ الغابرون من سرايا المسجد الأمويّ،
من ساحِ المدينةِ.
أن يعود الفاتحون بأهداب السبايا.
لهم أن يتفجّعوا ألفي عام،
أن يبعثوها قصائدَ الخنساء
ويهللوا للقادمينَ من عدمٍ.
لهم توق إلى ماضٍ مضى،
لا هو شيءٌ من الأشياء يُذكر،
أو يُفسّر
لهم شغف بصناعة السجّاد والقَصَصِ،
لكل واقعةٍ رواة يُحبّونَ البلاغةَ
ولكلّ راويةٍ روايتُه هو.

لهم الخلافةُ
والخُرافةُ
لهم جناتُهم لغةً من الأشجار والماءِ المُصفّى

ولي قط وديع فارسي
يُغافلني
ويغفو فوقَ مكتبتي قريرَ العينِ.

*** *** **

يتداولون محاسنَ الألفاظ كأنّ عُكاظ
ما انفكت تغنّي،
كأنّها غرناطةُ انتصرت على تاريخِها الآنَ
ورهطَ الفاطميين على ضفاف النيلِ
والأئمةَ جالسون
والمعزّ لدين الله يسري في الجوارِ
وخليفة الحكم الرشيد له في ليلهم قَدَرُ
تباغته الخناجر
والحرابْ
في باب خيمته
في أوّل المِحراب
لهم الخلافة،
والخرافة
ولي وردةٌ في باب بيتي
وقبّرةٌ على الشبّاكْ

*** *** ***

لهم وهمُ الرجوعِ إلى البدايةِ من نهايتهم.
لا بدّ للمهزوم من معنى يعود إليه من تيه!
لا بدّ للمهزوم من إرث يضمّدَ جرحَ حاضرِه
ويعطي لذاته حجما وللمعنى امتدادا،
دفاعا عن توازه،
دفاعا، عن وجودٍ خارج المعقول.

لهم ما شاءوا من وهمٍ بأن الماضي ماضيهم همُ
وأن الماضي أنصفهم
أو أنصفوه،
فلا ينسى مودّتهم
وأن الماضي حاضرُهم
وسيّدُهم ووليُّ نِعْمتِهم
وأن الماضي لم يمضِ
ولم يمتِ الصحابةُ…
لهم وهم الخلافةُ
والخرافة
لهم جناتُهم لغةً من البارودِ والماءِ المُصفّى
ولي موعدٌ مع أصدقائي.

***
لهم وهمٌ بأن الله يرصدُهمْ على بابِ المدينةِ
والنساءُ على سور الأحاديثِ
يُكحّلن العيونَ
وينتظرن العائدين من مُستقبل سُدّت منافذه
والذاهبين إلى نصٍّ تصحّر وانغلق.
لهم هذا،
كلّ هذا.
ولي قلمُ يُسافر في اللغاتِ.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.