فك الأطواق: عن ميري ريجيف والفهود السود

تسفي بن-دور بنيت يستعرض إشكاليات النضال الثقافي الاختزالي للشرقيين اللذين يلتفون من حول ميري ريجيف وخطابها، ويقارن بين دولة إسرائيل حيث الإحتلال والإجحاف الإجتماعي والإقتصادي وبين “دولة أشكناز” حيث الواجب الاخلاقي الوحيد هو محاربة الأشكنازيم!
تسفي بن-دور بنيت

 

تمعنت لفترة طويلة من الوقت بصورة الغلاف لملحق “7 ليالي” (الصادر عن صحيفة “يديعوت أحرونوت”) بنهاية الأسبوع الماضي التي وقفت وزيرة الثقافة، ميري ريجيف، في مركزها. تمعنت وتفحصت، ولم أصدق. هل هذه الفهود حقيقية؟ ما هي تلك البقع التي تظهر عليها؟ هل هي من صنع “الفوتوشوب”؟. ولنترك هذه الأفكار المؤرقة فالمصور والمحررين لم يقصدوا بأن ندقق النظر فيها بل في الرسالة الفظة التي ارادوا تمريرها عبر الصورة. مما لا شك فيه بأن الصورة صممت بشكل عبقري.

بنظرة اولى، الرسالة واضحة. فلا شيء شرقي بالثقافة الإسرائيلية أكثر من “الفهود السود” (الحركة الإحتجاجية التي نشطت بسنوات السبعين بقيادة يهود من أصول شرقية)، وها هم يتوجون غلاف ملحق الصحيفة الأكثر رواجاً في الدولة- ملحق يتناول الثقافة من أوله الى آخره، وعلى العكس من ملاحق ثقافية أخرى، كملحق “هآرتس” مثلاُ، فهو يستهدف الجمهور الواسع ويدمج ما بين الثقافة “الشعبية”، “التجارية” و”العالية”. ظهور الحيوانات السوداء على الغلاف، بينما تختبأ في الخلفية كلمات تتحدث عن “حرب استقلال” شرقية، وليس أقل من ذلك، تجسد أكثر من أي شيء آخر انتصار الفهود. بعد أكثر من أربعين سنة- بعد ان هزموا، لوحقوا، اذلوا، اعتقلوا، مات بعضهم بسبب مشاكل صحية وأصيب بعضهم الآخر بالخبل والجنون وأساء الى سجله التاريخي السابق- بعد كل هذه، يظهر الفهود على الغلاف.

جيلان من المثقفين انشغلا بهمة بصياغة الذاكرة حول الفهود وترجمتها للمشاكل السياسية والإجتماعية لهذا العصر، عصر يسمع فيه الصوت الشرقي ولكن ليس من المؤكد بأنه يجلجل. الآن، لا حاجة لكل هذه الجهود. لا حاجة لتذكر الفهود أكثر. لقد انتصروا.

שער ״7 לילות״, 11.03.16
غلاف ملحق “7 ليالي”، 11.3.2016.

الفهود اللذين ظهروا على أعلام حركة الفهود السود كانوا أحاديي-الأبعاد، نسخة باهتة عن الحيوانات التي ظهرت على أعلام حركة الفهود السود الأمريكية ورفعت من قبل أيادي متعرقة لأناس مستضعفين. الأناس اللذين رفعوا الأعلام كانوا في الحركة- هربوا من الشرطة، حشروا وضربوا وتم تصويرهم دائماً لحظة قبل تفريق مظاهراتهم بالقوة. عندما ظهروا بالجرائد كان ذلك دائماً بسياق سلبي. وغالباً، الفهود التي رفعوها لم تعد أكثر من لافتات ممزقة (كما كتبت في السابق). أما فهود ال”7 ليالي” بالغة الحدة والعضلات والنظرات فتحيط بوزيرة قوية، ولا تتحرك من مكانها فلا أحد يطاردها. نظراتها تذهب لاتجاهات مختلفة، تحرس المرأة في المركز من أي هجوم ممكن. فكرت بنفسي، لماذا ثلاثة فهود بالذات؟ ربما القصد “للمثقفين الراديكاليين” التي تستقي وزيرة الثقافة نهجها الثوري من كتاباتهم.

ميري ريجيف و”المثقفون” الشرقيون من حولها انتصروا. هم يصيغون من جديد الاجندة الثقافية لدولة إسرائيل، يتجولون هنا وهناك بينما جماجم الترمان وزاخ (شاعرين من أصول أشكنازية بمثابة أيقونات ثقافية إسرائيلية) تتدلى من أحزمتهم. قريباً سيعلقون هناك أيضاً جماجم، مجازية طبعاً، لأعلام ثقافية أخرى. هم عملياً لا يصيغون الاجندة الثقافية فقط بل معنى الكلمة “ثقافة” وحدودها الجغرافية. بهذا المعنى، أمامنا حقاً ثورة ثقافية. من هذه الناحية، المثقفون الشرقيون مثيرون للاهتمام لأن لديهم اجابة قاطعة لأي نقد من قبل أي اشكنازي- هم يصرحون بأن النخبة الغارقة مصيرها الفناء وهم هؤلاء اللذين تستدعيهم النخبة الغارقة ليوسعوها ضرباً. وهم يأتون ويضربون، ويعودون ثم يأتون ويضربون مرة أخرى. هم أيضاً يعرفون جيداً بأن أي شرقي يقوم يانتقادهم هو مجرد شخص تافه يتملق للاشكنازيم.

 في دولة إسرائيل هناك احتلال ومشاكل اجتماعية واقتصادية صعبة. في دولة أشكناز هناك مشاكل ثقافية فقط، لا يوجد أعباء أخلاقية ولا حاجة لأخذ المسؤولية عن أي شيء، هناك واجب أخلاقي واحد- محاربة “الأشكنازيم”، وهذا يتفوق على بقية الأوامر الأخلاقية.

لقد نجحوا بحل معضلة شرقية عمرها أكثر من مئة عام: ما العمل مع الصراع الجوهري بين الرؤية الصهيونية التي تنص على فوقية اليهود على العرب وبين صلة الشرقيين مع الثقافة العربية والعرب أنفسهم. لمئة عام تخبطت في هذه القضية أجيال من المثقفين الشرقيين وصاغت مجموعة من الحلول الجيدة والجيدة أقل. الآن يتضح بأنه لا حاجة للتخبط أكثر: بالإمكان أن تكون “ضد الإحتلال”، أن تكون “معادي للصهيونية”، كما بالإمكان أن تكون ثورياً أو أن تتعاون مع النظام، أن تكون يسار أو أن تجلس مع اليمين المتطرف. لا مانع بأي واحدة من هذه الإمكانيات.

الطريق الى هذا الحل البسيط تمر بدولتين: دولة إسرائيل و”دولة أشكناز”. دولة إسرائيل هي دولة محتلة ومغتصبة يحكم فيها اليمين المتطرف والعنصري. دولة أشكناز، بالمقابل، هي دولة يسيطر عليها الأشكنازيون اليساريون ورجالات الكيبوتسات المنافقون. دولة إسرائيل هي دولة تخدم فيها الحكومة أصحاب المال، وهي ذات أغلبية أشكنازية، أما الشرقيون فيها، بما يشمل ميري ريجيف، فيخدمون أصحاب الأموال أحياناً أكثر من الأشكنازيين. في دولة إسرائيل، بنيامين نتنياهو هو رئيس الحكومة. في دولة أشكناز، ميري ريجيف هي رئيسة الحكومة ولكن بالرغم من ذلك فما زال يئير جربوز (الكاتب والرسام الأشكنازي) ويرون لندن (االصحافي الأشكنازي) يسيطرون عليها. في دولة إسرائيل هناك احتلال ومشاكل اجتماعية واقتصادية صعبة. في دولة أشكناز هناك مشاكل ثقافية فقط، لا يوجد أعباء أخلاقية ولا حاجة لأخذ المسؤولية عن أي شيء. هناك واجب أخلاقي واحد- محاربة “الأشكنازيم”، وهذا يتفوق على بقية الأوامر الأخلاقية.

في دولة إسرائيل، النضال من أجل العدل يوجب التعاون المزعج مع العرب. في دولة أشكناز لا حاجة للتعاون مع العرب لان اليسار الأشكنازي ينسبهم الى نفسه. لهذا، فالشرقيين معفيين من واجب مد جسور بينهم وبين الشعب المقموع والمغتصب: هم بأنفسهم عرب وليسوا بحاجة للوصول الى العرب الحقيقيين. في دولة إسرائيل كلنا نتمتع، وإن لم يكن بشكل متساوي، بثمار النكبة. في دولة أشكناز لم تكن نكبة ولكن اليسار هو الذي أحدثها. في دولة إسرائيل، الاحتلال يزدهر والرأسمالية تسطع. في دولة أشكناز، النخبة الأشكنازية تهوى لكنها لا تختفي أبداً لأنها اذا اختفت فلن تكون هناك دولة أشكناز وسنضطر الى الاستفاقة في دولة اسرائيل- ودولة اسرائيل هي مكان مزعج اذا ما كنت شرقياً.

في ثقافتنا، التي تشكلت هنا، هناك مواجهة مستمرة بين “كونك مفترس وكونك فريسة”، بين “كونك جارحاً ومجروحاً”

صورة غلاف ال”7 ليالي” هي صورة لمصور عبقري من دولة أشكناز. لكنه دس فيها تفصيل واحد صغير يجبر الناظر على أن يستفيق فوراً في دولة إسرائيل: ريجيف تربط الفهود بأطواق. يتوجب علينا ان نتجاهل الأطواق ونركز بالفهود لكن ولنحاول للحظة واحدة التركيز بالأطواق. هي الشيء الوحيد الحقيقي بهذه الصورة. الفهود هم من دولة أشكناز أما الأطواق فهي من دولة إسرائيل- حيث سلالة الفهود مكبلة بقيود حقيقية مصنوعة من الإجحاف الاقتصادي والإجتماعي والثقافي وليس من الإجحاف “الثقافي”. الأطواق يجب ان تذكرنا بأن ميري ريجيف نفسها مربوطة بطوق- طوق مصنوع من نتنياهو(أشكنازي لديه قوة أكثر بقليل من جيلا المجور- الممثلة الأشكنازية المعروفة)، طوق مصنوع من أصحاب المال وطوق مصنوع من المستوطنين اللذين يسيطرون على حزب الليكود.

الكلام عن “ثورة” من المفترض أن يغيب عن أذهاننا بأن ريجيف كانت معظم حياتها ضابطة بمنظمة إسرائيلية جبارة (الجيش)، واشغلت بها عدة مناصب هامة ثم انتقلت من هناك مباشرةً الى الحزب الحاكم. الأطواق تذكرنا بهذا الواقع. الفهود اللامعة من المفترض بأن  تشعرنا بأن المعركة الحقيقية هي بين قراء تشيخوف و”مقبلي الحجب” (يقصد بها عامة الشرقيين على اعتبار أنهم يؤمنون بالتعويذات) لكن الأطواق تذكرنا بأن المعركة الحقيقية هي بين العدل والظلم.

"تايغر"، عمل لييجال نزري، 2001
“تايغر”، عمل لييجال نزري، 2001

في عمله اللامع “تايغر” اخذ الفنان ييجال نزري غطاء نمر وصممه من جديد. وقد نجح بوضع يده، بواسطة الحيوان المصنوع من قماش صناعي، على الحقيقة بخصوص الشرقيين أفضل بكثير من الفهود الحقيقية، ولكن المزيفة، لميري ريجيف. حيث أظهر بأنه في ثقافتنا، التي تشكلت هنا، هناك مواجهة مستمرة بين “كونك مفترس وكونك فريسة”، بين “كونك جارحاً ومجروحاً” (راجعوا ما كتبت إيلا شوحاط عن ذلك) وكيف تكون ثقافة من هو مفترس وفريسة بآن واحد؟ كيف تكون ثقافة الفريسة التي ترفض ان تنسى بأنها مفترسة وأن تأخذ مسؤولية ذلك؟. بهذا المعنى، الفهود السود الباهتة والمنهزمة التي طبعت على أعلام ولافتات الفهود السود بسنوات السبعين كانت أكثر حقيقةً وحياةً ومعنىً من الفهود التي تزين ميري ريجيف. هؤلاء الفهود جاؤوا ليحررونا تحريراً حقيقياً اما فهود اليوم فجاءت لتربطنا بأطواق من التحرير المزيف.

مؤرخ ورئيس قسم دراسات الشرق الاوسط والإسلام في جامعة نيويورك

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.