"الأخيار والأشرار": لا جديد في خطاب نتنياهو

نتنياهو يتلاعب بالوقائع والأحداث ليعيد تأطيرها ومفهمتها من جديد، ذلك بغية إضفاء نزعة تاريخانية تكون ذات بعد تراجيدي وحتمي وتقع ضمن منظومة”صدام الحضارات”
علي حيدر

 

أصغيت هذا المساء لتصريحات نتنياهو التي القاها خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده في القدس. لقد اعاد رئيس الحكومة ربط ما يحدث في البلاد من عنف بما تقوم به داعش في دول مختلفة (الشيء الذي قاله في اطار خطابه أمام مؤتمر اللوبي اليهودي في امريكا “ايباك”). كما عاد وأكد على ان هنالك معسكرين- الأخيار والأشرار، مضيفاً ان الفلسطينيين يريدون السيطرة على اسرائيل كما تريد داعش السيطرة على أوروبا، وأن إسرائيل هي جزء من المعركة العالمية. وقد أبدى إستعداده لتقديم المساعدة لبلجيكا بينما أشار الى ان هنالك ازدياد بعدد الدول التي تطلب المساعدة والمشورة من اسرائيل لمواجهة الارهاب. بيد انه قد تهرب نتنياهو من اسئلة الصحفيين الإسرائيليين الذين حاولوا احراجه من خلال سؤاله: كيف يستطيع تقديم المساعدة لهؤلاء وهو غير قادر على توفير الأمان للمواطنين في الدولة التي يترأسها؟.

أمام محاولة نتنياهو الربط بين نضال الشعب الفلسطيني وأعمال داعش، نشير أن بعض المحللين الإسرائيلين كانوا قد صرحوا بأنفسهم بأن داعش لا تستهدف اسرائيل او الإسرائيليين.

نتنياهو يستمر باستعمال أساليب المراوغة والخداع والتدليس والديماغوجيا. فليس هنالك أية علاقة للصراع الفلسطيني-الاسرائيلي بما تقوم به داعش لا سيما وأن أغلب أبناء الشعب الفلسطيني يرفضون ذلك بشكل قاطع. أضف الى ذلك، فإن نتنياهو ينتهز الفرصة، وبشكل مخجل ومثير للإستياء، ويستغل الأحداث الواقعة في اوروبا للهروب من مسؤولياته عما يحصل في البلاد، ومن عدم قدرته على تقديم أي حل أو أفق أو أمل لحل الصراع. هو يتلاعب بالوقائع والأحداث ليعيد تأطيرها ومفهمتها من جديد، ذلك بغية إضفاء نزعة تاريخانية تكون ذات بعد تراجيدي وحتمي وتقع ضمن منظومة”صدام الحضارات”، وهو المفهوم الذي تقادم وعبر من العالم مع وفاة واضعه صموئيل هانتينغتون وأفول جورج بوش الابن.
إن محاولة نتنياهو التأكيد على أن دوافع منفذي العمليات في اوروبا ليست منوطة ب”الإحتلال أو اليأس”، وإسقاط ذلك على الشعب الفلسطيني المحتل، ليست مجرد مقولة مغلوطة بل هي افتراء ومحاولة بائسة أخرى للربط بين نضال الشعب الفلسطيني من اجل التحرر من الاحتلال وبين ما يجري في اوروبا.
آمل ان نتنياهو لم يعد قادراً على خداع المواطنين الإسرائيلين ولا العالم. فحتى وسائل الإعلام الإسرائيلية لم تبث مؤتمره الصحفي كاملاً، بل اقتصروا التغطية على بث تصريحاته وبعض الأسئلة القليلة. ولم يلتفت المحللون او يعقبوا على اقواله بشكل جدي لأنه لم يأتي بأي جديد ولم يطرح أية حلول بل استمر في القاء المسؤولية على الآخرين. وأمام محاولة نتنياهو الربط بين نضال الشعب الفلسطيني وأعمال داعش، نشير أن بعض المحللين الإسرائيلين كانوا قد صرحوا بأنفسهم بأن داعش لا تستهدف اسرائيل او الإسرائيليين. أما فيما يتعلق يعملية اسطنبول الأخيرة التي تطرق لها نتنياهو بخطابه، فلم يثبت، بحسب وسائل الإعلام، بأن من نفذ العملية الارهابية كان على معرفة بهوية المستهدفين اللذين كان من بينهم ثلاثة إسرائيليين.

من المؤسف أن أطروحات نتنياهو وإدعائاته الباطلة تشكل منذ عقد على الاقل البنية التحتية للسياسة الداخلية والخارجية لإسرائيل.

من الجدير الانتباه والمقارنه بين ردود الفعل الإسرائيلية وردود الفعل الأوروبية؛ فبالرغم من ان الاعمال التي استهدفت مواطنين أبرياء في باريس وبروكسل هي مدانة ومستنكرة (من المفروض طبعاً أن يغضب العالم للضحايا من العرب والمسلمين التي تقتل يومياً في العديد من الدول العربية إما بنيران دول غربية أو ب”نيران صديقة”)، فقد بقي السياسيون الأوروبيون والشعوب عامةً هادئين ولم يبدؤوا بالتحريض ضد الاقليات وتحميل المسؤولية للمسلمين أو العرب أو المهاجرين، بل تعاملوا مع الموضوع بعقلانية وتروي وحكمة ولم يسارعوا الى طلب الانتقام، ذلك بخلاف ما يحدث في إسرائيل حيث ينقض كل سياسي من الصف الأخير بالتحريض وإثارة المشاعر والرقص على الدماء والتسابق على تقديم مشاريع قوانين تبيح الطرد والهدم والعقاب الجماعي وخرق حقوق الانسان الأساسية وتحميل كل الشعب الفلسطيني مسؤولية عمل يقوم به فتى صغير. كما أن المجتمع الاسرائيلي ككل يزداد لديه منسوب العنصرية والكراهية، ويتناسى أنه يسيطر على شعب آخر. فقد كان اسوأ ما في المشهد اليوم تصريح وزير المواصلات، يسرائيل كاتس، الذي بدلاً من أن يبدي تعاطفة مع المجتمع البلجيكي نصحهم بأن “يحاربوا الارهاب بدل أكل الشوكلاطه”. لا حاجة للإشارة هنا بأن هذا التوجه الاستعلائي والمتغطرس يميز العديد العديد من السياسيين الإسرائيليين.
لقد اهتم عدد من المفكرين في العصر الحديث في العلاقة بين عدم قول الصدق والسياسة. فقد اولى كل من دريدا وحنة ارندت وكواري وهايدجر وعامنوئيل اهتماماً خاصاً بالتناقض بين الكذب/الصدق والسياسة، ومن قبلهم اوغسطين وروسو في الغرب أيضاً. من المؤسف أن أطروحات نتنياهو وإدعائاته الباطلة تشكل منذ عقد على الاقل البنية التحتية للسياسة الداخلية والخارجية لإسرائيل.

محامي، ناشط إجتماعي وسياسي. 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.