عندما تتنكر اليمنية الى يمنية

المصممة مور كوشنير تستعرض بعض الصور من الالبوم العائلي، وتحلل ما تحمله من دلالات حول حياة اليهود اليمنيين بعد ان قدموا الى إسرائيل وعملية الاستيلاء الثقافي التي تعرضوا لها آنذاك  
مور كوشنير

 

في بداية أيام الانتداب البريطاني، اوساط صهيونية واسعة بحثت عن وسيلة لخلق نوع من الأصلانية- للابتعاد عن التصورات المستمدة من التناخ من أجل خلق تصورات مجردة أكثر للهوية اليهودية-الإسرائيلية. من بين هؤلاء الباحثين عن الهوية كانت هناك منظمات نساء صهيونيات توصلت، خلال عملية بحثها، الى اليمنيين وفنهم. النساء الصهيونيات ربطن علاقات بنساء يمينيات بهدف تمكين وتبجيل النساء اليمنيات، من وجهة نظرهن، بواسطة مساعدتهن على ايجاد مصدر رزق. عملياً، هؤلاء النساء لم يتحولن يوماً الى الوسيط الثقافي المبتغى وبقين بمثابة عاملات بإنتاج الثقافة. بالتوازي مع ذلك، تشكلت هناك فجوة بين التصريحات المعلنة بخصوص دمج، استبقاء وتبجيل التقاليد وبين سيرورة الأمور على الأرض: حيث تم الاستيلاء ثقافياً على معالم يمنية من خلال محو عنيف للهويات والمعاني.

على هذه الخلفية، تتضح حقيقة واقع حياة اليمنيين آنذاك التي تختلف عن الصورة العجيبة التي تخطر في بالنا عندما نتصور القادمين الجدد اليمنيين بسنوات الثلاثين. أقوال د.ساره حينسكي تظهر بأية سهولة تمت عملية الاستيلاء الثقافية للقادمين اليمنيين الى البلاد: “الهوية والجسد الذي تتواجد فيه الهوية، هي الأهداف الأكثر جاذبية للتلاعب الثقافي بالعصر الحديث”.

عائلة جدتي قدمت الى البلاد بلا أية ممتلكات تقريباً. الملابس التي ارتدوها كانت كل ما يملكون. هنا في البلاد اضطروا الى الاكتفاء بالموجود- وهذا بالطبع لم يكن بالكثير. على الرغم من الاوصاف المتكررة، اللباس السائد في البلاد بتلك الأوقات كان بعيداً بعد سنوات ضوئية من ذلك الدارج في القرى باليمن، كما أنه لم يكن بمتناول يد القادمين من ناحية اقتصادية. والدة جدتي، يونا، قدمت الى البلاد ببنطال نسائي تقليدي أصلي كالذي كانت تلبسه النساء تحت أثوابهم (ما يسمى ال”ترغول”)، مع تطريزات معينة ومحددة تدل على المنطقة التي تنحدر منها باليمن. لكن في البلاد لم يكن بالإمكان ايجاد مثل هذه الملابس، بما يشمل الأقمشة ومواد التطريز. هكذا ألبست جدتي منذ جيل صغير بملابس المكان دون أي قدرة- او رغبة- لارتداء هذه الملابس التقليدية او غيرها.

תמונה 1

في هذه الصورة تظهر جدتي، ليئه تسباري، وهي تلبس فستاناً أسوداً يزينه حزام ذو موتيفات يمنية. على رقبتها تتدلى حلي أصلية من اليمن أما رأسها فمغطى بقبعة “الغورغوش” الشهيرة التي كانت تعتمرها النساء اللواتي يرافقن العروس اليمنية بطقوس الحناء التقليدية. حول معصمها سوار يمني، أصلي هو الآخر.  تقف جدتي داخل مبنى دهنت جدرانه بطريقة “تقليدية” و”أصلية” جداً، تبدو فرحةً ورائقة. ولما لا؟ فالصورة التقطت بحفلة عيد المساخر (عيد ال”بوريم” اليهودي) بسنة 1953، عندما رافقت ابنتها التي اكملت الأربع سنوات. كانت هذه المرة الأولى التي التقى فيها اللباس “التقليدي” بعائلتنا في البلاد، في حفلة عيد المساخر. للحصول على هذا الزي التنكري كان على جدتي ان تسافر الى المكان الوحيد في “روش هعاين” حيث بإمكانها ان تجد اللباس التقليدي المبتغى. ولكي تستمتع هي الأخرى بحفلة العيد في تلك السنة، استعارت من ابنة خالتها حزاماً طرزته هذه بأسلوب “يمني”، وارتدت فستاناً أسوداً بسيطاً. القبعة والقلادة في رقبتها كانت من ضمن الزي التنكري الذي استأجرته لإبنتها أما الخلفية فهي في استوديو للتصوير. الغرض الوحيد الذي كانت له علاقة بتقاليدنا العائلية كان السوار الذي صنعه والد جدي في اليمن.

لو لم تكن الصورة مأخوذة من البوم الصور العائلي، لو أنها عرضت بأرشيف ما، لتم تفسيرها بسهولة كصورة معبرة عن يهود اليمن، على ثقافتهم ومظهرهم العجيب، في حياتهم بالبلاد. ولكن عملياً لم تكن هناك أية علاقة بين الصورة وبين الطريقة التي اعتادت جدتي ان تظهر فيها بحياتها اليومية او بين بيئتها الحقيقية الخالية من الأقواس المزخرفة.

على الرغم  من أنه لا يوجد أحد اليوم، بأي من الطوائف (اليهودية) في إسرائيل، لا يعرف طقوس الحناء والألبسة المزركشة التي تميزه، لم يكن هذا الأمر بالمفهوم ضمناً بالنسبة لجدتي. اللباس التقليدي المنتشر اليوم بدرجة كبيرة، كان معروفاً فقط بمنطقة صغيرة باليمن الكبيرة- صنعاء. سكان القرى والمدن المجاورة لم يكونوا على معرفة سابقة به قبل قدومهم الى البلاد. فقط هنا في البلاد تحول هذا اللباس الى معلم واضح للثقافة اليمنية يمثل أبناء طائفة كاملة.

في الصورة التالية يظهر جدي وجدتي في يوم زفافهم عام 1944. جدتي استعارت فستاناً أبيضاً بسيطاً وجميلاً من سلفتها. زي العروس اليمني التقليدي (“تشبوخ لولو“)، الزي المزركش والمليء بالحلي، احضر الى البلاد بعد سنوات من ذلك، وهي لم تعرفه بالمرة.

תמונה 3

الصورة الأخيرة، وهي الأخرى من ألبوم الصور العائلي، توثق يوم زفاف والداي. هذه صورة صغيرة وثانوية ربما لكنها برأيي تنجح بأن تحكي حكاية اوسع بكثير. عائلة والدي هي عائلة مستقرة من الطبقة الوسطى، انحدرت من أصول اسبانية وكان لها ثلاثة اولاد. جدي رحمه الله كان الجيل ال-12 في البلاد. عائلة أمي، في المقابل، هي عائلة قادمين جدد من اليمن، أناس لا يملكون الكثير. جدي رحمه الله عمل بالزراعة وبعد ذلك بمطحنة قمح، وكان ابناً لعائلة جواهرجيين اضطرت الى ترك كل ما تملك فب الخلف، وكان لها 10 ابناء.

في الصورة الباهتة يظهر الأهالي السعيدين من كلا الطرفين خلال استقبال الضيوف اللذين جاؤوا ليحتفلوا بالعريس والعروس. جدتي من جهة أمي، ليئه تسباري، تلك اليمنية، تلبس فستاناً لازوردياً بسيطاً وغطاء رأس بسيط وعقداً يزين رقبتها. لباس بسيط، ربما ابسط من اللازم، اذا ما أخذنا بعين الاعتبار بأن الزفاف زفاف ابنتها. بجانبها تبرز بطولها جدتي من جهة والدي، سيما كوهين، تلبس ليس أقل من ثوب مصنوع كله صناعة يدوية، تطريزات ذهبية خيطت، سطراً سطراً، ببيت الازياء “مشخيت”، بما يليق بعرس يمني. تقفان واحدة بجانب الأخرى، تلك التي أخذت معالم ثقافتها، تم الاستيلاء عليها وتحويلها لخط صناعي تجاري، وتلك التي تسمح لنفسها بكل هذا الجمال، بكياسة، لكي تظهر انفتاحها لهذه الزيجة وللثقافة اليمنية اليهودية.

תמונה 4

هي لم تكن الوحيدة بالمشهد بين الإسرائيليين القدامي، البيض، اللذين ولدوا في البلاد. فهذه هي بايجاز قصة مؤسسات إسرائيلية مثل “مشخيت” و”بتساليل” التي كان فيها من يستطيع التخيل ومن عليه ان ينفذ: “النساء اليمنيات عملن على الغزل والحياكة، النساء الاوروبيات على التصميم والإدارة”. من المفهوم بأنه في ذلك الحين لم ينظر الى الموضوع بعيون نقدية كاليوم. كان هناك من آمنوا حقاً، من منطلق عنجهية سصعب فهمها، بأنهم عن طريق استغلال القوى العاملة الرخيصة يحافظون على تقاليد عتيقة: “بمستندات من تلك الفترة تم تصوير ادارة الشركة وطاقم المصممات كمن أنقذوا الصناعة اليدوية الشرقية من الانقراض والفناء، وكمن مكنوا النساء الشرقيات من اعالة انفسهن بكرامة”. لا بد من ان نذكر هنا بأنه لم يتم الحفاظ على الصناعة اليدوية حقاً بل أنها مرت بتغييرات وملائمات بسبب عمليات رأسمالية وأهداف ربحية.

يبدو بأن الطريقة التي يعرض فيها اليمنيين تقف على بعد مسافة كبيرة من الطريقة التي عاشوا فيها حقاً. التمعن بهذه الصور من جديد، ولو أنني رأيتها بكثير من المرات بالماضي، مكنني من الانكشاف على القصص التي تقف من خلفها والتعمق بالمعاني التي لا تظهر من النظرة الأولى. الألبوم العائلي، على صوره الشخصية، ينجح باستعراض القليل من قصة أبناء طائفة كاملة قرر، نيابة عنها، كيف يتم عرضها وتذكرها بالذاكرة الجماعية.

ابنه جيل رابع لعائلة جواهرجيين من اليمن، جواهرجية ومصممة متعددة المجالات.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.