إرهاب "لا سابق له"؟ ليس حقاً

عاموس نوي يذكر “الخبراء” و”المحللين” الإعلاميين الإسرائيليين اللذين يريدون تعليم أوروبا ما هو الإرهاب بأن أوروبا تعرف الإرهاب جيداً، وليس أقل “منا”، وبأن تاريخها مليء بأعمال إرهابية- لم تقترف بيد مسلمين أو عرب!
عاموس نوي

 

في بداية الثمانينات جلست في مقهى بفلورنسا وتصادقت مع شاب أجنبي، سائح مثلي. سألني من أين آتي، فأجبته “من القدس”. سأل: “أليس من المخيف السكن هناك، مع كل العمليات والإرهاب والسيارات المفخخة وأعمال القتل؟”. أجبت: “عندما تكون هناك، ويكون هذا جزءاً من حياتك اليومية، فهو ليس مخيفاً بتلك الدرجة، ببساطة، أنت لا تفكر بذلك كل الوقت”. سألته من أين يأتي، فأجاب: “من بلفسات” (التي كانت آنذاك بلداً تعيش تحت وطأة الارهاب أكثر بكثير من القدس). فعاودته السؤال: “أليس من المخيف السكن هناك، مع كل العمليات والإرهاب والسيارات المفخخة وأعمال القتل؟”. أما هو فأجابني، كما هو متوقع: “عندما تكون هناك، ويكون هذا جزءاً من حياتك اليومية، فهو ليس مخيفاً بتلك الدرجة، أنت، ببساطة، لا تفكر بذلك كل الوقت”، فضحك كلانا.

لم تمر لحظات حتى سمعنا فتى ينادي بالإيطالية عن نشرة خاصة للجريدة، وفهمنا الكلمات “قنبلة” و”بولونيا”. تراكضنا الى الخارج واشترينا جريدة حملت صفحتها الأولى صورة غاية في الفظاعة: قنبلة زرعها الفاشيون الجدد الإيطاليون (على ما يبدو من منظمة “النواة العسكرية المسلحة”) في محطة القطار ببولونيا (قتلت ما يقارب التسعين إنسان). العنوان لم يشمل وقتها عدد الجرحى اللذين توفوا فيما بعد اثر جروحهم. كانت هذه احدى العلميات الأكبر حجماً على أرض أوروبا. نعم، نعم، ستعلمون الأوروبيين ما هو الإرهاب وما هو وقعه، أيها السخفاء المتغطرسين في الاستوديو (بالإشارة الى الصحافيين الإسرائيليين).

ارهاب

حسناً، هذا كان منذ زمن، لكن العام 2011 ليس ببعيد. حتى أنتم تذكرون بالطبع العملية الثانية بحجمها، التي حصلت، بالعشر سنوات الأخيرة، على أرض أوروبا (والثالثة بحجمها بشكل عام: العملية في بولونيا هي الرابعة او الخامسة بقائمة القتل الفظيعة هذه). كان ذلك في النرويج. العملية لم تتم بيد مسلمين ولا عرب، بل بيد ناشط يميني متطرف، أبيض كالثلج. وقتل جرائها 93 إنسان- العدد الذي يفوق عدد الضحايا في أكبر عملية تفجيرية وقعت بحدود إسرائيل (وهي، بحال أنكم لا تذكرون بالصدفة، المذبحة التي اقترفها باروخ جولدشتاين بالحرم الإبراهيمي)، حتى لو أضفتم اليه، العملية الثانية بحجمها في حسابات الدماء المرضية هذه (والمكان الأول بالإرهاب الفلسطيني) أي عملية فندق بارك. هل سمعتم عندها أية نقاشات حول خطورة إرهاب اليمين الأوروبي، او نقاشات حول ما الذي يخلق إرهاباً كهذا بالضبط بالتنور الأوروبي؟. باعتقادي لم تسمعوا.

هذه هي الكلمة التي أبحث عنها. “أوروبا”، التي تحبون الحديث عنها كشعبة واحدة، تستطيع أن تعلمنا الكثير عن الإرهاب. هي تعرف، ليس بدرجة أقل “منا”، ما هو وقعه وبأنه ليس حصراً على الإسلام. نعم الإرهاب. الإرهاب بمعناه السائد- استراتيجية منظمة قاتلة تعتمد على توجيه الإصابات القاتلة، المخططة، المقصودة والموجهه لأبرياء من اجل خدمة مصالح سياسية، أو بسبب لامبالاة تامة لمصير هؤلاء بأوقات يتم فيها الهجوم على مؤسسات وأشخاص. حتى دون الخوض في جرائم الحرب، أنظمة الرعب البنية والحمراء، إرهاب الدول، التطهير العرقي وابادة الشعوب، وأيضاً بلا المذابح، أعمال الشغب القاتلة وعمليات القتل المدبرة: تعالوا فقط نتحدث عن الإرهاب منذ الحرب العالمية الثانية، فقط عن الإرهاب بمعنى العمليات والقتل العشوائي.

الحقائق هي شيء سائل مثل الذاكرة. لهذا، بالإمكان أن يختلط علينا أمرها. نحن ضحايا بروباغندا، إغفال متعمد، تأطير تقف خلفه مصالح وتشابكات وتصورات مغلوطة او انتقائية من قبل “خبراء” بخدمة الأكاذيب والمناورات: تماماً كما اوجدت الفاشية وانتصرت في إيطاليا وأسبانيا والبرتغال الكاثوليكية ولكن لا أحد أرعبنا ب”فاشية كاثوليكية”. جذور النازية لدى لوثر وزوينكلي واضحة لي تماماً ولكني لم أسمع حتى الآن أحداً يتحدث عن “نازية لوثرية”. قاتلي النساء الحوامل وحارقي الأطفال الاوكرانيين ليسوا بربريين بالنسبة لمفكرين على شاكلة أري شابيط (من كتاب صحيفة “هآرتس”) وشركاؤه. الهجوم الإرهابي الأطول، الأقسى والأفظع في أوروبا- والذي شمل من ضمن فظائعه قتل عشرات الأولاد بدم بارد- وقع بشمال ايرلندا، بين الكاثوليك والأنجليك. لم يكن هناك أي مؤتمر علمي حول “التهديد الأنجليكي” (على الرغم بأن كمية الاولاد اللذين قتلوا بيد منظمات تحمل عبارة “يونيون” بإسمها أكبر تقريباً من عدد هؤلاء بكل العمليات التي تمت في إسرائيل سوية). لم يتسائل أي “خبير” او مندوب “بإسم..” ما هو ذلك الشيء في الثقافة الصربية والكرواتية الذي أدى الى اغتصاب منظم ومذبحة جماعية على أرض أوروبا المتنورة، بحجم لم يعرف مثله منذ الحرب العالمية الثانية (والتي كان المسلمين البوسنيين بشكل عام ضحاياها التعيسين). العصابة الباسكية “إيتا” قتلت مئات البشر في أسبانيا.

ليكن من الواضح- هناك إرهاب يورو-جهادي. هذه ظاهرة أوروبية تتم بيد أبناء أوروبا على أرض أوروبا، تماماً مثل الألوية الحمراء والقمصان البنية وجيش التحرير الجمهوري الايرلندي و”إيتا” والعصابات الكرواتية والنازية الجديدة

هذا ولم نتحدث بعد عن الإرهاب الأحمر، هذا الذي كان مرة العدو الأكبر، الذي لعبت أيديولوجيته الثورية دور الشيطان قبل ان ينتقل الدور الى “الإسلام”- “بادر ماينهوف” (جماعة الجيش الأحمر)الألمانية ، “الحركة المباشرة” الفرنسية، والألوية الحمراء الإيطالية التي فقدت بسنواتها الأخيرة البوصلة الأخلاقية فيما يتعلق بالمس بالأبرياء. تذكرون الإرهابي العالمي كارلوس، رعب “العالم الحر”، هذا الذي سبق بن لادن ومنظمته في دور الرجل الشرير؟ (لحظة، الآن وبما أن داعش هم الأشرار، هل طالبان هم أخيار مجدداً، كما كانوا عندما اقامهم الأمريكان والصينيون، مولوهم ودربوهم، بأيام حرب افغانستان الفرحة ضد السوفييت). ماذا حل بكل هذه الترهيبات؟ ماذا حل بكل الشروح المنمقة حول تلك الأيديولوجيات؟.

علينا هنا ربما أن نقفز إلى أمريكا. حسناً، الجميع يعرف بأن “11 سبتمبر” كانت العملية الإرهابية الأكبر على أرض أمريكية، وبأن الآلاف قتلت فيها. لكن قبلها ماذا كانت العملية الإرهابية الأكبر بالولايات المتحدة؟ رمز: تمت هذه بيد شخص أشقر، أزرق العينين، صاحب تربية مسيحية دينية، قام بإسم “سيادة البيض” بتفجير مركز تجاري وقتل مائتي إنسان- بينهم روضة أطفال كاملة!. كان ذلك في اوكلاهوما سيتي. لا أحد قام بذم المسيحية، مذاهب العرق البيضاء او أصحاب الشعر الأشقر… بضعة مئات من الأشخاص، أعضاء طواقم طبية وقرابة المائتي امرأة وفتاة تعيسة قتلوا بأعمأل إرهابية (بقنابل حارقة وعبوات متفجرة) منظمة لمسيحيين يعارضون عمليات الاجهاض ضد عيادات قامت بهذه العمليات. هل قام أحد بتأطير ذلك ك”الذراع العسكرية لليمين المسيحي”؟ هل سمعتم عن نقاش حول ما هو ذلك الشيء في التعصب المسيحي الذي يمكن من قتل فتاة إبنة 15 حملت بسبب اغتصابها من قبل أخيها؟ لا، ولن تسمعوا، فلا أحد معني بهذا النقاش.

بأيام الحرب الباردة كنت ولداً، والناس تحدثت عن روسيا مقابل أمريكا أو عن ستالين مقابل هتلر. الطريقة اعتمدت دائماً على “عد الجماجم؟”. الحديث تحول، في كل مرة، الى نقاشات لانهائية وعديمة الفائدة دارت على مستويين: نقاش حول “الحقائق”، مثل كم ماتوا حقاً بالمعسكرات او بعمليات القتل المدبرة في جنوب أمريكا وإلخ: ونقاش حول التصنيفات، مثل هل يتم احتساب قتلى هيروشيما على عاتق “الغرب”، او احتساب فيتناميين أبرياء قتلوا بهجوم أمريكي، أو جنود او موتى من الجوع بزمن الحرب.. كما في كل مقارنة، لأن الظواهر متشابهة ومختلفة بآن، قام كل طرف بتعريف التصنيفات بما يقلص عدد الجماجم بطرفه “الصائب”، ويزيدها بالطرف الآخر، واستمر الأمر هكذا للأبد…

عندها ظهر البير كامي مع “الانسان المتمرد”، وقام بدحض فرضيات هذا النقاش تماماً. هو طرح سؤالاً آخراً، وبكلماته: “فهمت بأن الغاية تبرر الوسيلة، ولكن ماذا، سحقاً، يبرر الغاية؟”، وكانت إجابته: “الوسيلة. فقط الوسيلة”. بكلمات أخرى- الايديولوجية هي ليست درس نظري بالمجتمع والفلسفة، ولا يمكن فصل النقاش حولها عن الممارسات التاريخية التي ولدتها عملياً. سؤال كيف ولدت الايديولوجيات، من شتى ألوان القوس الايديولوجي، جرائم فظيعة بهذا الشكل هو السؤال الذي يجب مناقشته بدل حسابات الدماء. لقد عرض كامي إجابة بالامكان مناقشتها (مسالمة وفوضوية تقول بأن الذي يكون على استعداد “للموت من أجل العقائد” سيقتل أيضاً من أجلها: ومن يقتل من أجلها، سيقتل أيضاً الأبرياء: يجب تقديس الحياة بكل ثمن، وليس الموت البطولي) لكن اجابته لا تعنيني الآن لكي لا نخرج عن الموضوع. المهم، الشيء نفسه ممكن أن ينطبق على الإرهاب- ما هو الشيء الذي يتيح المجال أمام الإرهاب، من كل المعسكرات، على ألوانها وأشكالها المختلفة: من يصمم على فظاعة نوع واحد فقط من الإرهاب، يعود بنا الى النقاش القديم، الى “عد الجماجم”.

وليكن من الواضح- هناك إرهاب يورو-جهادي. هذه ظاهرة أوروبية تتم بيد أبناء أوروبا على أرض أوروبا، تماماً مثل الألوية الحمراء والقمصان البنية وجيش التحرير الجمهوري الايرلندي و”إيتا” والعصابات الكرواتية والنازية الجديدة (وكل الفظائع التي اقترفت قبل الفترة التي ذكرتها لكي لا أخرج عن التعريف المصغر الذي تبنيته وأنجر إلى نقاشات دلالية). ايديولوجية هذا مرتبطة بسرتها بتيار في الإسلام وبتوجهاته الدينية والسياسية. يجب علينا مناقشة هذا. يجب علينا محاربته. أما أن تقولوا لنا بأن أوروبا لا تعرف ما هو الإرهاب، وكأنه الإرهاب الوحيد بالتاريخ أو الأكثر فتكاً او أنه مرتبط بشكل جوهري بأناس من أصل أو ثقافة معينة فقط، فهذه بدعة، أكاذيب بالبروبغندا التي تسوقها دمى تسمى “محللين”، “خبراء” و”صحافيين”.

صاحب لقب ثالث بمساق الفولكلور والثقافة الشعبية في الجامعة العبرية بالقدس، يدرس في جامعة بن غوريون وكلية” أحفا” ويكتب بمجالات الثقافة والمجتمع.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.