هل هناك جندي جيد وجندي سيىء؟

هناك جنود أشكنازيون يذهبون للوحدات “الصحيحة”، حيث يعتبر الإغتيال عمل بطولي، وهناك جنود شرقيين يرسلون للقيام  بالأعمال الأكثر حقارة في منظومة السيطرة العسكرية بالأراضي المحتلة  
عدي مازور وتوم مهاجر

 

اذاً، ما الفرق عملياً بين الجندي أ.أ من وحدة “كفير”، الجندي الذي أطلق النار على الشاب الفلسطيني عبد الفتاح الشريف في الخليل لقتله، وبين الجنود من الدوريات المختارة، اللذين يقصفون المتهمين الفلسطينيين حتى الموت؟. الفرق الوحيد بأن جنود الدوريات يقومون بالضبط بما قام به ولكن في العتمة، حيث لا أحد يستطيع أن يلتقطهم بعدسات الكاميرا.

منذ انتشار الفيديو، لا يكف الحديث عن أ.أ وعن آرائه اليمينية المتطرفة. عن كونه مشجع لفريق كرة القدم “بيتار” وانتمائه ل”لا فاميليا” (حركة شغب عنصرية يقودها بعض من مشجعي الفريق): يحاولون الفصل بين “الجندي الجيد” و”الجندي السيئ”، يتحدثون عن “قيم الجيش” وعن “طهارة السلاح”. تعالوا ننادي الولد بإسمه: هناك جنود أشكنازيون يذهبون للوحدات “الصحيحة”، حيث يعتبر الإغتيال عمل بطولي، وهناك جنود شرقيين يرسلون للقيام  بالأعمال الأكثر حقارة في منظومة السيطرة العسكرية بالأراضي المحتلة.

خذوا مثالاُ شخص مثل مئير هار تسيون، هو وأصدقائه من دورية المظليين، “ملح الأرض”، قتلوا خمسة عرب بدو كإنتقام لمقتل أخت هار تسيون وزوجها. لم يتم تقديمهم للقضاء أما هار تسيون فيعتبر حتى اليوم بطل من أبطال إسرائيل. مثال آخر، رجال الكيبوتسات ايهود براك وبوجي يعالون- كلاهما أشرفا بشكل مباشر على عملية اغتيال خليل الوزير (أبو جهاد) عام 1988. ليس فقط بأنه لم يتم استنكارهم بسبب ذلك بل أنهما أصبحا ضباطاً ممدوحين، من ضمن أمور أخرى، بفضل عملية الإغتيال هذه وغيرها من العمليات المشابهة. عن ذلك كتبت عائلة الجندي، وبحق من جهتها، لوزير الأمن بوجي يعالون: “تذكر ولا تنسى بأنك وقفت مكان إبننا بغرفة أبو جهاد وتأكدت من مقتله…”.

أمامنا “متلازمة الشرقي الكلاسيكية”- الكل أصدر التعليمات، وبالأساس الكثير من الشخصيات الأشكنازية رفيعة المستوى، ولكن فقط من يتواجد في الأسفل هو الذي يدفع الثمن.

كثيراً ما توجه انتقادات مبررة بحق اليسار الأشكنازي، الذي لم يتجرأ حتى الآن على النظر بالمرآة والحديث عن الحقوق الفائضة التي يحصل عليها الأشكنازيين، وعن المظالم التي أوقعتها الدولة، وما زالت توقعها، على الجمهور الشرقي. بالفعل، اليسار حصل على قسمته من النفور، وحتى العداء، من طرف الجمهور الشرقي. لكن هذه الحالة تجسد بشكل مأساوي إلى حد كبير بأن الذي يدفع الثمن عن سياسة اليمين- وهذا ليس بأقل نخبوية وأشكنازية من اليسار- هم الشرقيون اللذين يتواجدون في أسفل سلسلة الغذاء. نفتالي بنيت، خريج دورية “متكال”، رجل “هايتك” سابقاً وعضو في الكابينيت، قال بكل وضوح بأن “المخرب الذي يعرض حياة جنودنا للخطر، يجب القضاء عليه”: يئير لابيد، ابن طومي لابيد وخريج صحيفة “بمحنيه”، قال بأن “من يخرج سكيناً او مفكاً- يجب اطلاق النار عليه لقتله”، بل أنه أضاف بأن مطلق النار سيحظى بحماية قضائية: وقبل حوالي العام ونصف، قال وزير الأمن الداخلي يسرائيل اهرونوفيتش بأن “المخرب الذي يعترض للمواطنين وليقتل في مكانه”.

بالفعل، هذه الحالة هي شاذة وخطيرة بطريقة ليس بالإمكان تفسيرها او تدليسها، لكن في مواقع التوتر والقتال، مثل الخليل، كل النظريات تسقط الى الهاوية، وما يجري في الميدان، بوقت الحقيقة، لا يتم ولا مرة بالضبط وفق المعادلات وتعليمات اطلاق النار التي يوزعها الجيش. لكن، عدا عن ذلك، بالإمكان الإشارة الى شخصيات رفيعة المستوى على المستوى السياسي طالبت الجنود بمخالفة التعليمات، بينما الآن لا أحد منهم يأخذ المسؤولية الكاملة عن أقواله. أمامنا اذاً “متلازمة الشرقي الكلاسيكية”- الكل أصدر التعليمات، وبالأساس الكثير من الشخصيات الأشكنازية رفيعة المستوى، ولكن فقط من يتواجد في الأسفل هو الذي يدفع الثمن. ليس صدفة بأن بلدية “بيت شيمش” تنظم اليوم وقفة دعم مع الجندي- الضواحي تطالب بمعاملة متساوية من المؤسسة، بأن يكون حكم مئير هار تسيون كحكم أ.أ.

“لن تكون هناك مساواة وآفاق للشرقيين ما دام هناك احتلال وصراع قومي، ومن جهة أخرى، الصراع القومي لن ينتهي ما دام الشرقيون في أسفل السلم ويشكلون عملياً رافعة معادية للعرب.”

الجندي أ.أ من وحدة “كفير” هو الاثبات بأن النضال الشرقي سيبقى عالقاً في مكانه إن لم نتحدث عن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. من جهة، الحكم بحاجة للعمال السود- وليس فقط الشرقيين بل عامة اليهود اللذين ليسوا جزءاً من النخبة الأشكنازية- لكي يتجندوا لوحدات مثل حرس الحدود و”كفير” ويساهموا في صيانة ماكينة الإحتلال. اليمين الأشكنازي سيقوم بأفضل ما عنده لتشجعيهم على ذلك. في المقابل، الشرقيون بحاجة، في وضعهم الحالي، للخدمة العسكرية لكي يثبتوا بأنهم مواطنين “لائقين”، وربما لكي ينجحوا في ايجاد وظيفة معقولة بعد الجيش في الخدمة الدائمة، في الشرطة أو في مؤسسات أمنية أخرى. الحديث عن استنساخ علاقات القوة بين الأشكنازيين والشرقيين: من المدرسة، مروراً بالخدمة العسكرية وحتى سوق العمل، دائماً يشغل الشرقيون وظيفة العمال البسطاء، بينما تتم مكافئة الأشكنازيين من قبل المؤسسة بطرق مختلفة.

المحامي كوخافي شيمش، من “الفهود السود”، قال منذ زمن: “لن تكون هناك مساواة وآفاق للشرقيين ما دام هناك احتلال وصراع قومي، ومن جهة أخرى، الصراع القومي لن ينتهي ما دام الشرقيون في أسفل السلم ويشكلون عملياً رافعة معادية للعرب.”. أقواله كانت وما زالت دقيقة وهامة بصورة كبيرة لنضالنا العادل.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.