كيف قتلت خديجة؟

شهادات نشرتها صحيفة “هعولام هزيه” توثق القمع والتعنيف الذي قوبلت به احتجاجات يوم الأرض عام 1976، وقتل الأبرياء لمجرد خرقهم لحظر التجول!

وثقت جريدة “هعولام هزيه” (“هذا العالم”) الراديكالية التي صدرت آنذاك بعض من أعمال القمع والتعنيف التي تعرض لها الفلسطينيين في إسرائيل في يوم الأرض عام 1976، نعرضها هنا مترجمة تماماً كما نشرت.

خديجة إبنة ال-23 ربيعاً

الشعور بالضيق الذي يرافق الاعتراف بأن جنود “جيش الدفاع الاسرائيلي” الذين خرجوا ل”لفرض النظام” في قرية سخنين، قتلوا امرأة عزلاء رمياً بالرصاص, هو ليس الاشكالية الوحيدة هنا. ظروف موت خديجة تثبت بما لا يدع أي مكان للشك أن ما كتبته الصحف الإسرائيلية وقتها كانت سلسلة من الأكاذيب حاولت من خلالها غسل دماغ المواطن الإسرائيلي بكل ما يتعلق بالأحداث الحقيقية ليوم الارض. قصة موت خديجة هي الإثبات لذلك.

في  حوالي الساعة  السابعة أو قل السابعة والنصف، علت أصداء إطلاق النار في ساحات القرية، بعد أن أرسلت قوة من الجيش ل”فرض النظام” في سخنين. قاسم شواهنة، والد خديجة، سمع طلقات رصاص. في ذلك الصباح  كالعادة جلس، هو وزوجته وبعض من افراد العائلة الأحدَ عشرَ، في مصيف بيتهم الواقع على أطراف القرية. لحظة سماعهم طلقات الرصاص دخل جميعهم إلى البيت ليكتشفوا أن خالد إبن الثمانية أعوام مفقود. خمن الأب أن  خالد خرج ليلعب في الشارع.

يروي قاسم شواهنة: “قلقت على إبني، بس خفت أطلع، لأنهم قالوا في منع تجول. قلت لحالي: أنا ممنوع أطلع بس الجنود مش رح يعملوا إشي لصبية. عرفت إنه الجنود اليهود بعطوا احترام للمره. بقدروش يضربوا صبايا، لأنه عندهم احترام للمره. قلت لخديجة: بنتي، اطلعي عالشارع دوري عخالد.”

خديجة شواهنة

خديجة إبنة ال-23 ربيعاً فعلت كما أمرها والدها، خرجت الى الشارع. أمها، سامية، نظرت ورائها، كانت خديجة ما زالت بجانب البيت. في تلك اللحظة لاحظت طابوراً من الجنود يدخل زقاق البيت، على بعد 40 متراً. “خديجة، ارجعي! خديجة، ارجعي!”، صرخت الأم لمرآى الجنود.

خديجة، التي ابتعدت عن البيت بضع خطوات فقط رأت الجنود، ارتعبت لمنظرهم حيث انها كانت وحدها في الطريق وأمامها طابور من الجنود المسلحين. ركضت الام وابنتها الواحدة باتجاه الأخرى بيدين ممدودتين. على بعد خمسة أمتار من أمها, انهارت خديجة على الأرض و لم تنهض بعدها ابداً، اخترقت رصاصة  ظهرها.

خديجة قاسم شواهنة أصيبت في ظهرها حين كانت وحدها في الشارع لأنها خَرقت منع التجول!.

الرصاصة إخترقت رأس خضر

“كنّا جوّات البيت”، يروي أحمد خلايلة. “سمعنا طخ برّة. الرصاص صاب حيطان البيت. اكم رصاصة خزقوا سخان الميّة على السطح. إلي كانوا يطخّوا كانوا يتسلّوا او يخوّفوا فينا”. فجأة سمعنا صياح مرَه من جهة الطريق، أخوي خضر عبد خلايلة طلع برة. على بعد 30 متر من بيتنا ارتمت على الأرض المعلمة آمنة محمد عمر، كانت مغطية بالدم. الرصاصة اللي طخها الجندي صابت بطنها. طلِعِت ورا اخوي، شفته بنزل جنبها علشان يرفعها عن الطريق ويساعدها. وقتها شفت اثنين جنود وجّهوا سلاحهم علينا، واحد منهم طخ- الرصاصة صابت راس خضر، وقع جنبي ومات. الجنود هربوا من المحل”.

خضر ابن ال-24 ربيعاً، الذي عمل كمزارع، كان الشهيد الثالث من سخنين في ذلك اليوم.

خضر خلايلة

يحكي محمود نعامنة، رئيس مجلس القرية المجاورة عرّابة، والذي جاء في ذاك الصباح إلى سخنين لتهدئة الأمور: “كان في ضابط واحد، بدرجة “سجان ألوف” أو “ألوف مشنيه”، قلّي: “كل كلب بتجرّأ يطلع راسه برّة بالبلد – بوكل رصاصة فيه!”. محمود نعامنة أضاف أيضاً أنهم قالوا له: “فش شو تعمل هناك ولازم تروح عالبيت.”

محمود نعامنة، مثل زملائه رؤساء المجالس في دير حنّا وسخنين، كانوا من الداعمين لحزب “المعراخ” (حزب العمل)، أو كما يقال، كانوا كذلك حتى أحداث يوم الأرض. محمود وزملاؤه ما زالوا يتساءلون الى يومنا هذا: “ليش ما بحكوا لمواطنين إسرائيل شو فعلاً صار بالجليل بيوم الأرض؟”. يسألون بحيرة: “ليش الصحافة ما بتكتب كيف انقتلوا أهل القرى، كيف انقتلت خديجة؟”.

الإجابة واضحة. الصحافة لا تكتب، لان هذه الشهادات قد تقض مضجع القراء اليهود وتعرض وجهة نظر مختلفة. ليس من السهل قًصُ حكاية صبية قطفت في ريعان شبابها في الشارع لمجرد انها خرقت أمر منع التجوّل! ليس من السهل الإعلان بأن العدالة لم تتحقق وبأنه لم يتم حتى التحقيق مع أي من المشاركين في هذه الجرائم او مقاضاتهم قانونياً (“هعولام هزيه”، 1976\4\13).

شرطي مجهول الهوية يدلي بشهادته

“لم يحالفني الحظ (الندبة في جبيني تشهد على ما أقول). كنت ضمن أفراد قوة الشرطة التي أرسلت لقمع “المشاغبات” التي اندلعت  بين عرب الجليل في اليوم الذي سمّوه “يوم الأرض”. بعد الاطلاع على مقالات صحافيين يهود تواجدوا في الحدث، لا أجد أمامي مفراً  إلا أن أرفض الصمت  المفروض علي كشرطي، وان أضع بعض الأمور في نصابها.

لست يسارياً لكن وجهات نظري حول ما حدث في الجليل في ال-30 من آذار (1967) ستجعلني دون شك أنضم إلى كتلة اليسار، لان هذه الكتلة مع الأسف وبحدسي هي صاحبة النظرة الموضوعية.

في ال-30 من آذار عند الساعة 00:30 استدعيت مع قسمي لإرشاد عسكري سادته الكراهية للعرب، وقيلت فيه عبارات تدعم وتحرض على استعمال العنف المباشر ضد “مقلقي نومنا” العرب. لمّا وصلنا ساحة  المدينة لم تستقبلنا الحجارة، لذا تقدمت “قواتنا” المدرعة باتجاه القرية (من تداعيات قصص أهلي عن الانتداب البريطاني).

يوم الأرض
يقول الاقتباس “هم يفهمون فقط بالقوة!”، “هعولام هزيه”، 7.4.1976.

وحين رأى الضباط استياء سكان القرية من تصرفهم غير المبرر، أمروا بالرد بالرشاشات. كان الرضا بادياً على الضبّاط، فالبطولة السهلة لم تكن فرصة يوميّة بالنسبة لأكثرهم، وها هي تتاح لهم بسهوله! الأكثر اندفاعاً ومبالغةً في العنف كانوا ضابطين اثنين، أحدهما يعمل بقسم التموين، فرّغا ضجرهما واستياءهما من عملهما المكتبي عن طريق إطلاق النار على أهالي القرية المرعوبين (الآخر أصاب اثنين. تبيّن لاحقاً أن أحدهما مات من الإصابة).

بعد فرار أهالي القرية، دخلت القوّات إلى بعض المساكن وصبّت حمم غضبها على أغراض البيت. تجلّت لعيني مظاهر تحطيم الأدوات الزجاجية، التلفزيون، المسجل، اللوحات وغيرها. منظر لا يمكن إلا أن يذكرني بقصائد بياليك وتشرنحوفسكي عن المذابح التي ارتكبت بحق اليهود في نهاية القرن السابق وبداية هذا القرن.

أكثر ما أرعبني كانت الكراهية المتأججة داخل قلوب معظم أصدقائي، أفراد الشرطة، ضد العرب، كراهية لقيت لها في 30 آذار ليس أكثر من متنفس ضئيل. عهد علينا أن نتخلّص من كراهيتنا لأبناء إسماعيل، لأجل تبرير حقنا الشرعي بالسكن في هذه البلاد.” (“هعولام هزيه”، 1976\4\7).

 

*تمت ترجمة الشهادات بواسطة حركة ترابط

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.